القانون المدني ونظرية الالتزامسنة 2022المجلّة الجزائرية للقانون المقارنOpen Access · وصول حر

مفهوم النظام العام كقيد مفروض على الحرية في ظل النظم الديمقراطية

س
سليمان عبدالله, أ.د. شهاب
جامعة شقراءصفحة 36-6435 أقسام مفهرسة

ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)

خلاصة البحث ان الحريات من المستحيل ان تكون مطلقة ، وانه يتعين ان تخضع لضوابط نظامية وتشريعية ، ذلك ان الصراع بين السلطة والحرية مرجعه الصراع بين كيان الدولة والفرد الطبيعي، فالدولة تسعى الى بسط النظام والفرد يسعى الى ان يكون طليقا ، من هنا نشأ التعارك بينهما وحله لايكون الا بايجاد قاسم بينهما بحيث لا تعلو الحرية على النظام فتسود الفوضى ولايطغى حفظ النظام على الحرية فتوجد الدكتاتورية.. هذه الموازنه بين كفالة الحرية وتنظيمها هي ما ناقشناه في البحث وقد توصلنا الى ضرورة وايجاد معايير موضوعية منضبطة خاضعة لرقابة القضاء لاعتبارها ضوابطاً للنظام العام كقيد يرد على الحرية . It is impossible for freedoms to be absolute, and that they must be subject to regulatory and legislative controls, because the conflict between power and freedom is due to the struggle between the state entity and the natural individual. The state seeks to expand the order and the individual seeks to be free. By finding a denominator between them so that freedom does not override order, then chaos reigns, and preserving order does not overwhelm freedom, so there is dictatorship .. This balance between ensuring freedom and organizing it is what we discussed in the research, and we have reached the necessity and to create objective, disciplined standards subject to judicial oversight to consider them as controls of public order as a constraint on freedom .

توليد التوثيق الأكاديمي للبحث (Citation):

سليمان عبدالله, أ.د. شهاب، "مفهوم النظام العام كقيد مفروض على الحرية في ظل النظم الديمقراطية"، المجلّة الجزائرية للقانون المقارن، مجلد 3، عدد 7، ص ص 36-64.

متن الدراسة والتحليل الفقهي

28 صفحات مرقمة
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 1#ص-1
مفهوم النظام العام كقيد مفروض على الحرية في ظل النظم الديمقراطية

اللهدبع ناميلس باهش .د.أ جامعة شقراء – المملكة العربية السعودية خالصة البحث تاريخ القبول2022/09/25 ان الحريات من المستحيل ان تكون مطلقة ، وانه يتعين ان تخضع لضوابط نظامية وتشريعية ، ذلك ان الصراع بين السلطة والحرية مرجعه الصراع بين كيان الدولة والفرد الطبيعي، فالدولة تسعى الى بسط النظام والفرد يسعى الى ان يكون طليقا ، من هنا نشأ التعارك بينهما وحله اليكون اال بايجاد قاسم بينهما بحيث ال تعلو الحرية على النظام فتسود الفوضى واليطغى حفظ النظام على الحرية فتوجد الدكتاتورية.. هذه الموازنه بين كفالة الحرية وتنظيمها هي ما ناقشناه في البحث وقد توصلنا الى ضرورة وايجاد معايير موضوعية منضبطة خاضعة لرقابة القضاء العتبارها ضوابطاً للنظام العام كقيد يرد على الحرية . It is impossible for freedoms to be absolute, and that they must be subject to regulatory and legislative controls, because the conflict between power and freedom is due to the struggle between the state entity and the natural individual. The state seeks to expand the order and the individual seeks to be free. By finding a denominator between them so that freedom does not override order, then chaos reigns, and preserving order does not overwhelm freedom, so there is dictatorship .. This balance between ensuring freedom and organizing it is what we discussed in the research, and we have reached the necessity and to create objective, disciplined standards subject to judicial oversight to consider them as controls of public order as a constraint on freedom .

مقدمة

الشك إنه من الصعوبة بمكان وضع تعريف جامعة لفكرة النظام العام واألداب وذلك لكونها فكرة متعددة الجوانب من خلقية وإجتماعيةوإقتصادية وسياسية متغيرة وغير ثابتة حيث إنها تساير التطورات الإجتماعيةواإلقتصادية والخلقية ، وهي بذلك تتسع وتضيق تبعاً لهذه التطورات فتختلف مقتضيات النظام العام في الدولة الواحدة من زمان إلى زمان . ورغم ذلك تظل فكرة النظام العام هي الخط الفاصل بين الدولة المتقدمة عن الدولة المتخلفة ، فوجود قانون ينظم آمن المجتمع المعنوي هو ضرورة تحتمها فكرة وجود الجماعة السياسية واإلجتماعية نفسها ، وفي هذا الصدد تعتبر الحرية أساس هذا التنظيم بإعتبار إنها هي موضوع هذا النظام العام من غير أن تسلبها او تجردها من عناصرها الجوهرية . هذه المراعاة تفرض على الإدارة وأجبات عديدة لصالح الحرية ، منها التأكد من توافر شروط ممارسة النظام العام في صوره المتعددة ، وتأكيداً لهذه الحماية وضعت الضمانات القضائية لمراقبة الإدارة وهي بصدد إتخاذ القرارات الإدارية بغاية حفظ النظام العام ، حتى ال تتخذ القرارات الإدارية مطية لحماية السلطة السياسية دون تحقيق غاية النظام العام. اهمية الموضوع 1

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 2#ص-2

انه من الثابت بالضرورة ان الحريات هي من ضروريات الممارسة الديمقراطية ، بل هي نواة الديمقراطية ، ولكن تضحى الحرية المطلقة من كل تنظيم مدخال مؤكدا للفوضى ، وبالتالي البد من تنظيمها بحيث تضحي ممارستها ممكنة ودون ان تقودنا الى نتائج سلبية ، وال يتم ذلك اال بتدخل المشرع تنظيما لها ووضعا لضوابط ممارستها ، وفي الغالب يميل المشرع الى المبالغة في بذل القواعد التنظيمية الى الحد الذي يجعل من ممارستها امرا متعسرا او مستحيال احيانا، ومن هنا تأتي اهمية هذا البحث حيث يهدف الى وضع الضوابط واالسس التى تحافظ علىالحرية دون افراط او تفريط. اسباب اختيار الموضوع إنه في السودان لما سقطت دكتاتورية البشير العسكرية في العام 2019م والتى اذاقت البالد والعباد العلقم نسفا للحقوق واعتدا ًء على الحريات ، لثالثة عقود حسوما خلت ، بالثورة المدنية السلمية التى تحاول بناء دولة المواطنة والحقوق كان لزاما علينا ان نقدم راينا العلمي في موضوع يتسم بالحساسية الشديدة في النظم الديمقراطية ناهيك عن النظم الديكتاتورية في الوقت الذي تبذل فيه الجهود الدولية لالعتراف بقيمة الإنسان، وإدراج حقوقه وحرياته العامة والخاصة، في نطاق القيم العليا الأساسية التي يتطلع إليها المجتمع الدولي، نجد في عالمنا الثالث وفي قاراته اجمع يشهد واقعا مترديا من ناحية االعتراف بتلك الحقوق، فضال عن تنكر البعض لها تنكرا كليا، كما أن البعض الأخر منها ما فتأ يضع العراقيل التي تعيق إعمال الحرية وتطبيقها في واقع الممارسة. وبالتالي فإننا في حاجة إلى تشييد نظرية عامة حول موضوع البحث تنبع من قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا المحلية مع عدم إهمال الثقافات الأخرى في هذا المجال لالستئناس بآرائها، نظرية تخف عنها قبضة العواطف والرغبات والمصالح الشخصية، لتحل محلها أسس وطيدة ومستقرة، تستمد شرعيتها مما يدين به ضمير الجماعة، وذلك للوقوف على مدي ما تتمتع به من عناصر المشروعية، وبيان أسبابها، ومن ثم رسم الحدود لتوضيح الضوابط التي إذا تجاوزت ممارسة الحرية حدا من حدودها، أو افتقدت عنصرا من عناصر ضوابطها، فقدت سند مشروعيتها. مشكلة البحث تتلخص مشكلة الدراسة في محاولة الباحث الجراء مقاربة بين مفهومي الحرية والتنظيم وتحديد االطر التى تضبط كل منهما ، ورسم الحدود الفاصلة بينهما بوضوح ، فال تضحى ممارسة الحرية امرا مطلقا من كل قيد وبذات الوقت ، البد من وضح اسس تجعل من التدخل التنظيمي للحرية ال يتجاوز التدخل التشريعي حدوده بحيث يفتئت على الحرية ويجعل من ممارستها امرا مستعصيا او مستحيال مع توفير الرقابة القضائية واالدارية التى تضمن تحقيق التوازن بين االمرين دون غلبة الحدهما على االخر. هيكل البحث وعلية يناقش هذا البحثفكرة النظام العام كقيد مفروض على حقوق الإنسان في ثالثة مباحث ، يناقش االول مفهوم النظام العام في الفقه الإسالمي ومرونته ، بينما يخصص المبحث الثاني للنظام العام في القانون بينما اخصص المبحث الثالث لدراسة اثر فكرة النظام العام على الحرية ، وذلك على التفصيل اآلتي -: 2

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 3#ص-3

وعليه يناقش هذا البحث النظام العام كقيد مفروض على حقوق الإنسان في مبحثين، يناقش الأول مفهوم النظام العام في الفقه الإسالمي ومرونته، بينما يخصص المبحث الثاني للنظام العام في القانون، وذلك على التفصيل اآلتي:

المبحث الأول: مفهوم النظام العام في الفقه الإسالمي
المبحث الثاني: النظام العام في القانون
المبحث الثالث: أثر فكرة النظام العام على الحرية
المبحث الأول

فكرة النظام العام في الفقه الإسالمي يعمد الفقه الإسالمي إلى منهج التحليل والتركيب في معالجة قضيه النظام العام برمتها، بأن وضع أصالً وأحداً وضابطاً للحرية وقيودها وحدودها تشترك فيه كل فروع الفقه، هذا الأصل في أن مطلق الحرية لإلنسان ما لم تتصادم مع الغاية من تقريرها وباإلطار العام لإلسالم وقواعده وعدم مخالفة النصوص اآلمرة (1) ويقرر بعض الفقهاء أن القاعدة التي تتضمن القول بأن "كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصودة فهو باطل " فللشريعة الإسالمية مقاصد من وراء التشريع –فإذا اختلفت هذه المقاصد المشروعة، وأصبحت الحرية مجاالً لهدم النظام الإسالمي ونقطة ارتكاز لعمل سياسي أو عقائدي يهدف إلى التأثير على النظام والعقيدة والشريعة، أصبحت هذه الحرية تعمل على خالف، المقاصد المتوخاة منها، ألن حفظ الدين أيضا من المصالح الضرورية للدولة وهو مقدم على جميع المصالح. فالغاية من حرية الرأي والتعبير إسداء النصح لرجال السلطة العامة، أما مباشرة وأما من خالل الشورى أو البيعة أو االجتهاد، كما أن الغاية من تقريرها تسهيل حصول المواطنين على حقوقهم الأخرى بالنقد والتحليل البناء المؤدي إلى خلق الإبداع واالبتكار والتطور وهو ما يصب في مصالح العباد الدينية والدنيوية. ولكن إذا استغلت حرية الرأي للخوض في أعراض الناس وأسرارهم الخاصة ولبث روح الكراهية والحقد الأعمى والتباغض بين الناس فإن هذا يؤدي إلى نتيجة عكسية لمقصد الشارع وهو ما ينبغي أن تعاقب السلطة مقترفة الفعل لذلك يمكن تلخيص رأي الإسالم في حدود تنظيم الحريات في أنه يكمن في كلمة واحدة هي التزام " الحق" والشواهد على ذلك كثيرة من القرآن والسنة(2) فإن معني الحق فيما سبق من آيات يستوعب بداخله حماية حقوق الأفراد والجماعة بما فيها حرياتهم العامة(3) ومن السنة النبوية: قوله عليه الصالة والسالم: /1 " قل الحق وإن كان مراً " (4) (1) منيب ربيع ، ضمانات الحرية في مواجهة سلطات الضبط االداري ، القاهرة ، رسالة مقدمة لكلية الحقوق لجامعة عين شمس (منشورة) (1981) ، ص125 – د. نعيم عطية ، اعالنات حقوق االنسان والمواطن من التجربة الدستورية

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 4#ص-4

/2 " ثالثة منجيات – خشية هللا في السر والعالنية والقصد في الفقر والغني وكلمة الحق في الغضب والرضاء، وثالثة مهلكات، شح مطاع وهو الجشع، وإعجاب المرء بنفسه" (1). وعلى هذا فإن للشريعة الإسالمية ذات الأهداف من النظام العام بوجهيه المادي والمعنوي مع الفارق، فاألهداف في الشريعة الإسالمية تعني تحقيق العبودية في الأرض، [وما خلقت االنس والجن اال ليعبدون] وواضح إن خطاب التكليف في الشريعة الإسالمية جاء عاماً حكاماً ومحكومين وبالتالي فإن تحقيق معني العبودية في الأرض يقتضي إقامة العدل باعتباره مقصد رئيسي من مقاصد الشريعة، وما دامت المصلحة تحقق أهداف الشريعة وضمن إطارها. وهذا ال يعني أن مفهوم النظام العام موجود في الشريعة الإسالمية كما هو في القانون الوضعي، ولكن المعني أن أهداف هذا النظام موجودة في الشريعة بشكل جلي وإن عملية التطبيق الشرعية الواقعية مفقودة منذ زمن طويل. ويالحظ أن مفكري المسلمين أوقفوا اجتهادهم في الأمور العامة منذ زمن طويل، ولكن ومع وجود هذه الأهداف الشرعية يمكن بناء الأنظمة التي تحقق هذه الأهداف الشرعية تبعا ً لظروف الزمان والمكان. هذا مع مالحظة إن الفارق بين المفهوم المقابل للنظام العام في الفقه الإسالمي فإن أحكام الشريعة الأساسية غير قابلة للنقض والتغيير والتبديل في مبادئها العامة وخطوطها الرئيسة، بينما تقوم التشريعات الوضعية بتعديل أوضاعها الأساسية ولو ببطء لتنسجم مفاهيم المجتمع الجديدة. كما يتمثل الفارق في إرادة الشعب ورضاه، فسلطة الشعب المبنية على إرادته ورضاه في التشريعات الوضعية ال تحدها حدود وال ضوابط. أما في الشريعة الإسالمية، فإرادة الشعب يتعين عليها أن تكون متماشية مع الشرع وعليه، فعندما تمارس السلطات الثالث واجباتها ووظيفتها التشريعية واإلدارية يجب أن تلتزم بالقواعد التشريعية التي تعلوها. فجوهر المشروعية يعني خضوع الدولة ألحكام الشريعة الإسالمية في ضوء مبادئها العامة(2) ويبني على هذا أن كل تصرف تقوم به أي من سلطات الدولة التشريعية أو التنفيذية (الإدارة) أو القضائية يخالف المبادئ الشرعية يقع باطالً وغير نافذ شرعا ً مما يجعله جديراً باإللغاء وفق الأدوات التنظيمية والهيكلية التي تضعها الدولة الإسالمية. وخالصة الأمر أنه ال يوجد في النظام الإسالمي ما يحول دون الأخذ بمبدأ الرقابة الإدارية على الأنشطة التي تتصل بحريات الأفراد، ووجود رقابة قضائية عليها وفق الهياكل التنظيمية الإسالمية، باعتبار إنها عملية إجرائية وتنظيميه لسلطات الدولة على تعددها. فهو مبدأ تنظيمي ال يطرح فكراً أو مبدأ معيناً طالما ال يخالف الشريعة الإسالمية، ويترتب على الأخذ به نتائج إيجابية تكفل تحقيق مصالح العباد وذلك بحسن سير وإدارة أمور الدولة. وإيجاد ضمانة للحقوق وحقوق الإنسان في إطار الغاية المرسومة في الشريعة الإسالمية. (1) الطبراني في المعجم الأوسط، عن انس وضعفه السيوطي في الصغير (138/1) واستبدل كلمة (الحق) بكلمة (العدل) . 4

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 5#ص-5
المبحث الثاني

فكرة النظام العام في القانون أن فكرة النظام العام في القانون تتراوح بين محورين، يشمل المحور الأول الوجود المادي للنظام العام أي توافر عناصر الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة. أما المحور الثاني فيدور حول الوجود المعنوي لفكرة النظام العام بمعناه الأخالقي، فإن فكرة النظام العام تتسم بشيء من النسبية بمعني آخر أنها تختلف من زمان إلى آخر ومن .رخأ ىلإ ناكم ومع ذلك فإن للنظام العام أهميته باعتبار أنه يعكس وجه الدولة تقدماً أو تخلفاً هذه الأهمية في وجود النظام تنعكس بصورة مباشرة على حقوق الإنسان، بل وتتناسب طرديا ً معها وهذا ما سيتناوله هذا المبحث وذلك على البيان أدناه: المطلب الأول: مفهوم فكرة النظام العام. المطلب الثاني: مرونة فكرة النظام العام. المطلب الثالث: أهمية النظام العام.

المطلب الأول: مفهوم النظام العام

للنظام العام وجهين أحداهما مادياً واألخر معنوياً

أولا: الوجه المادي للنظام العاميتكون النظام العام في وجهته المادية من عناصر ثالثة هي:
1 الأمن العام ويعني الأمن العام تحصين المواطن ضد بعض أخطار الحياة

االجتماعية، سواء أكان مصدرها الطبيعية، أم نشاط الأفراد أم فعل الجماعات(1) .2 الصحة العامة يقصد بالصحة العامة، حماية المواطنين ضد ما يهدد صحتهم من أوبئة ومخاطر العدو وذلك بالسهر على مراعاة الشروط الصحية في مأكلهم وملبسهم ومسكنهم. وإن تراعي الإدارة حداً أدنى من النظافة في الشوارع(2 .3 السكينة العامة تعني السكينة تجنيب المواطنين المضايقات التي تتعدى تلك المضايقات الضرورية للحياة في المجتمع مثل الضوضاء والعويل واستخدام مكبرات الصوت وأبواق السيارات(3)وقد ظهرت فكرة الضبط مع الدولة المدنية، وذلك أبان الحضارة اليونانية القديمة، لذا فإن كتابات الفلسفة اليونانية قد تعرضت لفكرة الضبط، فيعرفها أفالطون في القوانين بأنها "الحياة والالئحة والقانون في أجمل صوره التي تحافظ على المدينة " بينما يري أر سطو أن فكرة الضبط تأتي في المقام الأول من الأهمية ألنها تعني سيادة النظام وحسن سياسية المدينة والمحافظة على حياة الشعب. غير أن هذا المعني اخذ يضيق بمرور الزمن ليعني في القرن الثامن عشر حلول سيادة القانون محل تحكم الأخير. ولكن في العصر الحديث فإن الضبط به في معناه العضوي الهيئات الإدارية المنوط بها القيام بالمحافظة على النظام، ويعني به في معناه العضوي – مجموع الأنشطة التي تتخذها الإدارة منفردة بهدف المحافظة على النظام العام أو إعادة هذا النظام في حالة اضطرابه من خالل القرارات الالئحية أو القرارات الفردية وكثير ما تمس حريات ومراكز الأفراد والمالحظ أن كون االختصاصات غير محددة فيما يتعلق بنشاط الضبط الإداري يؤدي في كثير من الأحيان إلى سلبيات تجعل النظام العام في حالة متدهورة نظراً (1) د. عثمان خليل – القانون الإداري. إال نجلو مصرية عام (1957م) ص(.34 ) . د/ ثروت بدري – القانون الإداري – عام (.198 م) – المجلد الثاني – النشاط الإداري ص(22) – راجع كذلك د/ سعاد الشرقاوي – القانون الإداري – دار النهضة العربية – (1983م) ص(15) (2) د. عثمان خليل – المرجع السابق – ص(.34 ) (3) د. الطماوي – مبادئ القانون الإداري – دراسة مقارنة – ط 6 عام (1965م) ص(838) – د. محمد عصفور – الدولة البوليسية المعاصرة – عام (1972م) ص(.8 81-) 5

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 6#ص-6

لعدم معرفة الجهة المختصة، ولذلك يحسن أن يصدر قانون يحدد الجهات المختصة بأوجه الضبط الإداري المتعددة(1). ثانياً: الوجه العضوي للنظام العام.يعد الجانب المعنوي للنظام العام محل خالف بين الفقهاء(2). أما القانون السوداني فقد حسم مسألة النظام العام المعنوي بنصه على المحافظة على اآلداب العامة. هي من ضمن أهداف الضبط الإداري، وفي ذلك تنص المادة (26) من الوثيقة الدستورية (3) ان قوات الشرطة ، قوات نظامية قومية النفاذ القانون، وتختص بحفظ االمن وسالمة المجتمع ، وتخضع لسياسات وقرارات السلطة التنفيذية وفق القانون . وقد كان قانون الشرطة سنة (2008م) يحدد اختصاصات الشرطة بأنها المحافظة على النظام واألمن العام وحماية الأرواح واألعراض والمحافظة على النظام العام واألمن العام واإلدارة (4). واآلداب العامة المقصودة هي الحد الأدنى من مبادئ الأخالق التي يري المجتمع أنه من الواجب احترامها، ذلك أن القانون إنما ينظم السلوك االجتماعي وال يمس ضمير الإنسان ما يدور بخلده، وإن أي دولة تحاول أن تفرض رقابة على الضمائر وعلى السلوك الشخصي، تتعدى حدود وظيفتها وتدخل في إطار يهدد حريات الأفراد ويهدد كيان الدولة(5)

المطلب الثاني: مرونة فكرة النظام العام

يالحظ أن فكرة النظام العام فكرة مرنة الى حد كبير وليست ثابتة، لذا فإن من الصعب حصر عناصرها بشكل محدد، وعليه فإن القول بأن عناصر الوجه المادي للنظام العام وهي الأمن العام والنظام العام والسكينة العامة ال يعني تحديد كل الأسباب التي تبرر تدخل سلطة الضبط. ألن هذا التحديد إذا كان صحيحاً بالنسبة لفترة معينة فإنه خاضع لتطور مستمر. ونتيجة لهذا التطور، فقد ظهرت في العصر الحديث فكرة النظام العام االقتصادي ويعني به تدخل الدولة في القطاعات االقتصادية وذلك ألن ترك النشاط لألفراد وإتاحة حرية مطلقة في هذا المجال يعرض المجتمع واالقتصاد في مجموعة لمخاطر اجتماعية واقتصادية. أي إن الضبط االقتصادي هو تنظيم الأنشطة االقتصادية بقصد خلق واحترام النظام العام االقتصادي (6)ويتضح من ذلك أن النظام العام ذو مفهوم نسبي، فهو بالتالي يختلف باختالف الزمان والمكان، كما أن دور الدولة كان وال يزال يتطور في هذا المجال. ولعل استحالة حبس فكرة النظام العام في قوالب جامدة لتعدد متطلباته، جعل منه فكرة غامضة وجعل منها في نفس الوقت فكرة مفتوحة الحتواء كل ما يأتي به الفقهاء أو الأحكام القضائية من محاوالت قد تأتي في المستقبل. بسبب تغيير القيم أو المثل العليا بتغير الزمان والمكان والمناسبات فإنه يصعب وضع معيار جامد ومحدد لهذا (النظام العام) ونظراً لسهولة تطويعه لالتجاهات السياسية، بل تستمر الأخيرة من خلفه وتدثرها بردائه في كثير من الأحيان. (1) 1) للمزيد راجع د. طعيمة الجرف، القانون الإداري، دار النهضة، القاهرة (1978م) ، ص(493) ، د. سعادالشرقاوي، القانون الإداري، مرجع سابق، ص(12) و د. خليل عثمان، القانون الإداري، مرجع سابق، ص(337) ود. ثروت بدوي، القانون الإداري، مرجع سابق، ص(2) 2) حيث ذهب مجلس الدولة الفرنسي في عام (1959م) إلى أن المحافظة على اآلداب العامة من اختصاص البوليس الخاص، وإن سلطان البوليس العامة الحق لها في التدخل بحجة المحافظة على اآلداب العامة ما دام النظام العام المادي ليس مهدداً – وكان اول حكم أصدره مجلس لسلطان الضبط بحق التدخل للمحافظة على النظام العام المعنوي هو حكم لوشيا الصادر في .1959/12/18 انظر الطماوي – مبادئ القانوناإلداري - مرجع سابق ص(839) . 3) الجريدة الرسمية لجمهورية السودان العدد 1895 المؤرخ في 2019/10/3 – مرسوم دستوري رقم (38) باعتماد الوثيقة الدستورية للفترة االنتقالية – تقابل المادة (148) من الدستور االنتقالي للعام والمادة 2005(123) من دستور السودان لعام (1998م) على أن "قوات الشرطة قوات نظامية قومية التكوينمهمتها خدمة أمن الوطن والمواطن، ومكافحة الجريمة وحماية الأموال، ودرأ الكوارث والحفاظ على أخالق المجتمع وآدابه والنظام العام. (4) أنظر نص المادة (9) من قانون الشرطة السودانية للعام2008 (5) د. عاطف البناء، حدود سلطات الضبط الإداري، مقال منشور في مجلة القانون واالقتصاد عام (1948م) العددين /3 4ص (555 – 56) (6) راجع د. سعاد الشرقاوي – القانون الإداري – مرجع سابق ص(23) 6

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 7#ص-7

وسأعرض لالتجاهات العامة التي تمثلها الفكرة بمعناها الواسع كما عرفها البعض فالنظام العام يعد المعبر عن روح النظام القانوني القائم في لحظة معينة. أو هو مجموعة المبادئ القانونية لمجتمعاً معيناً. إذاً فكرة النظام العام تعبر بصفة عامة عن الأسس االقتصادية واالجتماعية واألخالقية التي يقوم عليها نظام المجتمع. والحقيقة أنه على الرغم من التنوع البالغ في الأسس الفلسفية واألوضاع االقتصادية والمبادئ السياسية، فإن هناك أوضاعاً مشتركة بين هذه المجتمعات كلها تعتبر المحافظة عليها داخلة في نطاق النظام العام ولهذا النطاق المشترك وجهان: الوجه الأول: فتكاد ال تتفاوت فيه المجتمعات أصالً وهو توقي أوجه العنف والعدوان المادي. فالمحافظة على الأمن العام والسالم واالستقرار االجتماعي و السكينة االجتماعية داخل الجماعة، أمر ال يمكن أن تختلف فيه أشد المجتمعات تباعداً من الناحية السياسية أو االجتماعية. وال يثير رسم هذا الوجه صعوبات كثيرة لآلتي: أولا . البتنائه على عناصر ثابتة وأمارات ظاهرة ثانيا. أن حمايته تنصرف إلى حماية الأوضاع الرئيسية لحياة المجتمع وعالقات الأفراد بعضهم ببعض، أو عالقاتهم بالسلطة العامة من أوجه العدوان المادي عليها. ويبدو أن هذا الوجه وحده هو الذي انصرف إليه الفكر الديمقراطي في تصوره القانوني لفكرة النظام اما الوجه الثاني: فيتصل بحماية السلطة في المجتمع. وفي هذا المجال بالذات تتفاوت الفلسفات والنظم تفاوتا بالغاً. ومرد هذا التفاوت أن السلطة ليست مجرد قوة مادية صماء ومحايدة. وإنما هي المعبرة عن فلسفة النظام كله والحامية لقيمة الأساسية، واألوضاع السياسية واالجتماعية التي يرتفع بها الحكام إلى مصاف القيم الأساسية والواقع أنه ليستحيل تجريد السلطة من مضمونها االجتماعي والسياسي فهي ثمرة العالقات االجتماعية بين أفراد المجتمع. وهي في نفس الوقت – السلطة- أداتها المسخرة لحمايتها، ومن الطبيعي أن تتعصب السلطة لقيم معينة وأوضاع سياسية أو اجتماعية بذاتها، ولهذا السبب تعكس حماية السلطة في مجتمع ما خصائص هذا المجتمع و قيمه، إذ أن هذه الحماية مقصود بها في النهاية حماية تلك القيم. ولو أمكن تجريد السلطة من إطاريها االجتماعي والسياسي لكان من المحتوم أن تكون حماية هذه السلطة مقصورة على دفع العدوان المادي عليها فحسب. ومثل هذه الحماية تدخل حتماً في مدار حماية النظام العام الذي هو نظام الجماعة وأمنها غير أنه يندر أن يتحقق هذا الفرض. ونجد في كل نظام حماية خاصة ومتميزة للسلطة باعتبارها أمراً مستقالً عن أمن الجماعة، ومقصوداً بها حماية أوضاع بذاتها، أما أوضاع الحكام الشخصية، أوضاع طوائف متميزة في المجتمع. وفي عبارة أخرى أن حماية السلطة ال يقصد بها مجرد حماية أداة من الأدوات الضرورية للمحافظة على المجتمع، أو حمايتها لفرع من فروع الجماعة. وإنما يقصد بها حمايتها في ذاتها(1) أما اعتبارها بهذه الصفة قيمة من اسمي قيم المجتمع، أو باعتبارها أداة حماية مصالح خاصة في نطاق هذا المجتمع فتسموا بالتالي على المصالح المادية في هذا المجتمع. وهكذا يبدو بوضوح أن كثير من القيود التي تفرض على حقوق الإنسان في صورها المختلفة بحجة وقاية الأمن والنظام العام، مع أنها في الحقيقة لحماية السلطة غالباً ليس إال. وهكذا تجد التنافر بين السلطة والنظام. وهذا ما يحاول الفكر والنظم السياسية حله. وهذا ما تتفاوت فيه الفلسفات والنظم في تغليبها لهذه القيمة أو تلك(2) ويمكن تلخيص أهمية فكرة النظام العام في أن أهم ما يميز الدول المتقدمة عن الدول المتخلفة هو أن الدول المتقدمة دول منظمة، بينما يالحظ ان معظم الدول المتخلفة تسودها فوضي في جميع مظاهر الحياة. وإذا كان المقصود بالنظام العام في نطاق الضبط الإداري في الشارع، فإن درجة (1) د/ عاطف البناء – حدود سلطات الضبط، المرجع السابق ص (49) (بتصرف) (2) ويالحظ هذا بوضوح في النظم االشتراكية حيث يزداد تدخل الدولة لتنظيم أمور يفترض أن تترك لألفراد وتتسع دائرة النظام العام هنا لتحتوي القواعد واألسس التي يقوم عليها هذا التدخل للمزيد راجع د. فتحي فكري، االعتقال الإداري، دار النهضة العربية عام (1989م) ، ص(64) وما بعدها. 7

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 8#ص-8

النظام السائد في الشارع تعتبر معياراً لقياس درجة النظام على المستويين االقتصادي واالجتماعي.

المبحث الثالث

اثر فكرة النظام العامعلى حقوق الإنسانبصفة عامة يستفيد كل فرد من أفراد المجتمع من استتباب النظام، ويمكن القول أنه بغير نظام يستحيل على الفرد أن يمارس حرياته العامة والخاصة. غير أن سلطة الإدارة ليست مطلقة في هذا الشأن وفي هذا الإطار فهي تخضع لمراقبة القضاء من حيث مالءمة القرارات التي تتضمن تقييدا ً للحرية أو حظراً لها. ومدي مالءمة الظروف الزمانية والظروف المكانية التي أصدرت فيه الإدارة قرارها. كما تتوقف جهة الإدارة على قيود مفروضة عليها بالنسبة لنوع الإجراء ألضبطي. كما تمتد الرقابة القضائية على جهة الإدارة في سلطتها التقديرية في مجال التدخل لممارسة سلطة الضبط أو االمتناع عن ذلك ويشمل ذلك مناقشة لسلطات الإدارة في االلتجاء إلى أسلوبي الإذنواألخطار.

المطلب الأول: مشروعية أعمال الضبط الإداري

يمارس القضاء رقابته على مالئمة القرارات الإدارية التي تتضمن تقييداً للحريات العامة وتمس حقوق الإنسان، إال أن هذه الرقابة ليست شاملة لكل القرارات الإدارية التي تقييد أو تحظر الحرية. فثمة حاالت يمتنع فيها القضاء عن رقابة مالئمة التدبير ألضبطي (أي اختيار الإدارة لإلجراء المالئم الذي يتناسب مع أهمية الوقائع) مكتفياً في ذلك برقابة الأسباب في حدها الأدنى، أي التحقق من الوجود المادي للوقائع. والواقع أن رقابة القضاء على أعمال الإدارة في القانون من حيث الجهد المناط بها أعمال الرقابة تتمثل في نظامين: أولهما: أن يعهد بها إلى القضاء العادي . ثانيهما: أن توكل إلى قضاء مستقل قائم بذاته ويسمي القضاء الإداري. وقد نشأ هذا النظام في فرنسا ونقلت منه بعض البالد العربية كمصر ودول شمال افريقيا . وإن نشأة القضاء الإداري في فرنسا كانت له ظروفه التاريخية وأسبابه السياسية. حيث كان يعتقد رجال الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر أن إخضاع عمال الإدارة لرقابة السلطة القضائية يتنافى مع مبدأ الفصل بين السلطات وتطور هذا النظام حتى وصل إلى شكله الحالي وهو نظام مجلس الدولة(1). أما في الإسالم فيقرر مبدأ تعدد جهات القضاء فوالية القضاء يمكن أن تتعدد بالفصل في الخصومات المالية واألموال الشخصية والجنايات، وقضاء المظالم. ومما تقدم يتبين أن الإسالم اسبق بكثير من القوانين الحديثة في تقرير رقابة القضاء المتخصص على أعمال الإدارة كما يبدو في قضاء المظالم يؤكد ذلك ممارسة المبدأ في زمن الخالفة الراشدة وقبل ظهور الدولة السياسية الحديثة في اروبا (2)

المطلب الثاني: شروط أعمال الرقابة الإدارية على حقوق الإنسان

لجهة الإدارة(سلطة التنفيذ) وبما لها من سلطة عامة في كفالة النظام العام ان تتدخل في مجال حقوق الإنسان. على أن مدي حريتها في مواجهة حقوق الإنسان يختلف تبعاً لوجود نصوص تشريعية خاصة لممارسة الحرية أو عدم وجود مثل هذه النصوص وسوف يوضح الكاتب ذلك :نيضرف للاخ نم الفرض الأول: حالة وجود قانون ينظم الحرية: أن تنظيم الحريات وتقييدها ال ينشأ فقط من ممارسة سلطة الضبط الإداري فحسب، ذلك أن نصوص الدستور الكافلة للحريات قد تحد من سلطات جهة الإدارة في مواجهتها. فكثير من نصوص الدستور تضع قيوداً على تدخل الإدارة في (1) د. سعاد الشرقاوي، القانون الإداري ص (13). (2) : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450ه)الناشر :دار الحديث - القاهرة الماوردي، الأحكام السلطانية، المرجع السابق ص (97) وما بعدها 8

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 9#ص-9

مجال الحريات كعدم جواز حجز أي إنسان أو حبسة إال بقانون وفي الأماكن الخاضعة لقوانين السجون وذلك بشرط بيان االتهام وقيد الزمن وتيسير الإفراج واحترام الكرامة في المعاملة بل أنه توجد بالنسبة إلى مختلف الحريات نظم تشريعية خاصة. والشك أن وجود النصوص التشريعية المنظمة لممارسة حرية من الحريات من شأنه أن يحد من سلطة الجهة الإدارية في مواجهة هذه الحرية (1) وعليه فإن المبدأ العام هو أن القيود على الحرية يجب تفسيرها تفسيراً ضيقاً وتعتبر الحدود المفروضة على الحرية بواسطة القانون حداً أقصى يجب أن ال تتعداه السلطة الأدنى. فتتولي الإدارة مثالً منح أو منع الترخيص بالشروط واألوضاع التي حددتها القوانين. وعندئذ فإن كل إجراء تتخذه الإدارة متجاوزة تلك النصوص القانونية الخاصة، ويعتبر منطوياً على تجاوز السلطة. وبالمثل فإن سلطات البوليس يجب أن تحترم النصوص القانونية التي تمنح لألفراد ضمانات من حيث الشكل ومن حيث الإجراءات، ويجب أن يكون تفسيرها لتلك النصوص القانونية لصالح الحرية، وذلك بان ال تضع الإدارة على ممارسة الحرية قيوداً اشد من التعليمات التشريعية التي أحيط بها استعمالها، إال في الظروف االستثنائية التي تبرر الخروج على قواعد المشروعية العادية(2) وأعمال سلطة الإدارة في هذا المجال خاضعة لرقابة القضاء الذي يملك إلغاء العمل غير المشروع والتعويض عن الأضرار المترتبة عليه إعماال لمبدأ خضوع الدولة للقانون . على أنه ومهما كان التزام جهة الإدارة، بحدود النصوص القانونية المتعلقة بالحريات، فإن هذه النصوص ال تعمد إلى تقييد سلطة الإدارة، تقييداً كامالً، وإنما يكون لها قدر من التقدير باعتبارها مسئولة عن إقرار الأمن والمحافظة على النظام. بوجه عام دون المساس غير الضروري بالحريات الفرض الثاني: عدم وجود قانون ينظم الحرية. ال يعني هذا الفرض أن تكون سلطة الإدارة مطلقة إزاء تنظيم الحرية، فقد تكفل القضاء بصياغة نظرية عامة تحد من سلطة جهة الإدارة بحيث ال تطغي على الحريات. فاألصل في هذا الشأن أن سلطة الإدارة تختلف تبعاً لظروف الزمان والمكان، وهي تختلف باختالف درجة جسامة الخطر الذي يهدد النظام العام، ومع ذلك فإن هناك مبادئ عامة يجب احترامها عند اتخاذ إجراءات الضبط، فإذا كان الخطر مؤقتا ً يمكن أن يكون الإجراء الضبطي مسدداً لمواجهته ويكون الإجراء في هذه الحالة مؤقتاً. أما الإجراء الدائم فإنه يتسم بالمرونة وتختلف سلطة الضبط باختالف الحرية التي يمسها الإجراء الضبطي، فمن الممكن أن يكون الإجراء الذي يطبق في الطريق العام شديد بينما ال يسمح بإجراءات متشددة بالنسبة لما يمس الملكية الخاصة. والجدير بالمالحظة أن سلطة الإدارة في حالة عدم وجود نصوص قانونية خاصة لحرية ما، قد أصبحت سلطة مقيدة إلى حد كبير فكلما كان إجراء الضبط الإداري مقيداً للحرية فإن القضاء ال يراقب مشروعيته فحسب، وإنما يراقب المالئمة وفي هذه الحالة تصبح المالئمة عنصراً من عناصر المشروعية بحيث يترتب على تخلفها بطالن القرار (3) بمعني أنه توجد حدود في حالة عدم وجود قانون أو نصوص تشريعية تنظم الحرية، وهذه الحدود من طبيعتين (4): أولا: حدود تأتى من الهدف من الإجراءات، وهو المحافظة على النظام العام.ثانياً: حدود تأتى من الحرية. (1) د. عاطف البناء، حدود سلطات الضبط، ص(64) . (2)د/ عبدالحميدمتولي، الحرياتالعامة، ونظراتتطورهاوضماناتهاومستقبلها، منشأة. المعارف،. .1974 ، القاهرة. –. مصر، ص. 41ص (3) د. عاطف البناء، حدود سلطات الضبط الإداري، ص(65) . (4) نقال عن سعاد الشرقاوي، القانون الإداري، p cit p. o Burdeau.نقال عن 14،42 9

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 10#ص-10
الفرع الأول: الحدود التي مصدرها النظام العام

لما كان الهدف من الإجراءات الضبطية المحافظة على النظام العام، فإن أي إجراء ال يسعى إلى تحقيق الأمن أو الصحة أو السكينة يعتبر إجراء غير مشروع. و ال يغيب عن البال أن الحرص على النظام العام سببه أن هذا النظام شرط ممارسة الحرية لذا فإن التضحية بالحرية يجب أن يكون العائد من وراءها مساويا للحرية التي تمت التضحية بها، أو اكثر منها(1)بمعني أن الحريات إذا قيدت بسبب ممارسة سلطة الضبط الإداري، وجب أن تكون هذه التضحية بهذا القدر من الحرية متكافئة مع مقدار المصلحة المشروعة التي تنغياها سلطة الإدارة، وبذلك يتحقق عملياً التوفيق بين رعاية الحرية وحماية النظام. وعلى هذا الأساس إذا كان أمام سلطات الضبط أن تختار بين عدة إجراءات ضبطية من شأنها أن تحافظ على النظام فإن عليها نختار اقل الإجراءات مساساً بالحرية ويستتبع ذلك أن إجراء الضبط الإداري يجب أن تتوفر فيه الشروط الثالثة اآلتية: حيث يجب أن يكون الإجراء ضرورياً. فعاالً و معقوالً. وهو ما سأتكفل بشرحه كما سيلي:

أولا: يجب أن يكون الإجراء ضروريا

يتعين أن يكون إجراء الضبط الإداري ضرورياً والزماً التقاء الإخالل بالنظام العام. ذلك أن الحريات إذا قيدت بسبب ممارسة جهة الإدارة، وجب أن يكون هذا التقييد الزماً و ضرورياً لمواجهة حاالت معينة، من دفع خطر يهدد الأمن والنظام. كما تعني الضرورة أن يكون هذا الإجراء الذي اتخذته الإدارة بالذات الزم لتوقي الخطر دون أي تدبير آخر اقل منه إعاقة للحرية، أي أن يكون متناسباً مع جسامة االضطراب الذي تهدف الإدارة إلى تفاديه(2) وتقدير هذا التناسب يقوم من ناحية على تقدير جسامة االضطراب، أي مدي أهميته وخطورة السبب في إجراء الضبط الإداري، فيقوم القاضي بمراجعة جهة الإدارة في تقديرها لخطورة االضطراب أو التهديد الذي تريد تفاديه، وال يكون سلوك الإدارة مبرراً إال في حالة وجود اضطرابات خطيرة تهدد النظام العام. ويقوم تقدير التناسب من ناحية أخرى على تقدير الإجراء الإداري المتخذ فيشترط أن يكون لمواجهة تهديد حقيقي للنظام. ذلك أن الهدف كما سبق القول ليس صيانة النظام بأي ثمن وإنما ينبغي أن يكون السعي إلى تحقيق هذه الغاية بأقل تضحية ممكنة تتحملها حقوق الإنسان وقد اطرد مجلس الدولة الفرنسي في هذا االتجاه، حيث يقوم بمراقبة تقدير الإدارة ألهمية وخطورة االضطرابات المتوقعة لبيان مدى مالءمة القرار الذي تقيد به الإدارة حريات الأفراد، سواء كان ذلك في مجال حريات االجتماعي أو حرية العبادة أو حرية التجارة والصناعة أو غيرها من الحريات. وال يقر المجلس مسلك الإدارة في تقييد الحرية إذا كان يكفي لتحقيق مقتضيات النظام العام أن تتخذ الإدارة من جانبها بعض االحتياطات. وال يجوز لها أن تفرض على الأفراد اتباع وسيلة وإن كانت ايسر على الإدارة إال إنها اشق على الأفراد. كما ال يجوز لها في مجال بوليس الهدوء والسكينة أن تتخذ تدابير السكون المطبق، وإنما يكفي منع الضجيج واألصوات المزعجة(3) ويتدخل القضاء عادة لمراقبة مالءمة إجراءات الضبط الإداري وبصفة خاصة تلك التي تتضمن تقييداً للحريات العامة في المجاالت الصناعية والتجارية ومدي خطورتها على الصحة العامة. (1) نقال عن د. جالل حماد، حرية الرأي، ص43 p. cit p o Burdeau. (2) د. سعد الدين الشريف، محاضرات في النظرية العامة للضبط الإداري، كلية حقوق القاهرة عام (1962م1963-م)، ص (327-328) . (3) راجع د. نعيم عطية، مساهمة في النظرية العامة للحريات الفردية، ص(211، 212) . * هذا وتجدر الإشارة إلى أن المحكمة الإدارية العليا قد تراجعت عن رقابة مالئمة بعض قرارات الضبط رغم تعلقها بالحريات الأساسية للمواطنين. وخاصة بالنسبة لقرارات االعتقال وتحديد الإقامة وغيرها من القرارات المتعلقة بتقييد الحرية الشخصية. فقد شاهدت المحكمة كثير في التثبت من خطورة الشخص علي الأمن والنظام، وقضت في ذلك بمجرد تحريات الإدارة، بل وذهبت إلى أن مجرد انتماء الشخص إلى جماعة ذات مبادئ متطرفة أو مخرفة عن الدستور أو النظام االجتماعي تفيد خطورته علي الأمن العام، راجع د. محمود حسنين عبد العال، فكرة السبب في القرار الإداري، رسالة دكتوراه، القاهرة، عام (1974م) ، ص(171) . 10

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 11#ص-11

وفي مجال حريات النشر والصحافة، من حيث كونها الزمة وضرورية لتحقيق هذا الهدف. وما إذا كان باإلمكان اللجوء إلى إجراءات أخف وطأة بدل التدبير المتخذ لتحقيق هذه الغاية دون ان يؤدي هذا الأمر إلى تعطيل حرية عامة جديرة هي الأخرى بالحماية*.

ثانياً: يجب أن يكون الإجراء فعاال

فلما كان الهدف من إجراءات الضبط الإداري المحافظة على النظام العام فإن الإجراء إذا لم يكن من شأنه تحقيق هذا الهدف بأبعاد الخطر واالضطراب فإنه يكون إجراء غير الزم وبالتالي غير مشروع. وعليه هذا فإذا لم يكن الإجراء منهياً لالضطراب فإن هذا يندرج كذلك في باب عدم المشروعية.

ثالثاً: يجب أن يكون الإجراء معقوال

إذا كان إجراء الضبط يضيق على الحرية فإنه يتعين أن يكون التضييق على الحرية متناسباً مع طبيعة الخطر الذي يهدد النظام العام. ويعتبر هذا التناسب عنصراً هاماً في تحديد مدي سلطات الضبط.

الفرع الثاني: الحدود التى مصدرها الحرية

تمثل الحرية مصدراً للحدود على سلطات الضبط الإداري في حالة عدم وجود نص قانوني. فال تستطيع سلطة الضبط أن تذهب إلى المدى الذي يؤدي إلى خنق الحرية والمبادئ السائدة هنا هي: /1 المنع العام المطلق للحرية غير مشروع أن سلطة الإدارة في تقييد الحرية بهدف النظام العام ال تعني التحريم المطلق والتام لممارسة الحرية. فسلطة التنظيم يجب أن ال يترتب عليها تعطيل الحرية. وذلك ألن إلغاء الحرية ال يكون في الأصل حتى بقانون وليس لإلدارة أن تحرم ممارسة الحرية إال في حالة ما إذا لم توجد وسيلة أخرى لضمان النظام أو إعادته بصفة مؤقتة(1) والواقع أنه قد يكون من السهل إقامة حظر مطلق يقضي على الحرية فالمنع وسيلة سهلة لضمان الأمن والسكينة والصحة العامة، غير أن النظام الذي يسود في هذه الحالة لن يكون نظاماً ديمقراطياً، ألنه يسلب الحريات، والسؤال الذي يجب أن تصفه جهة الإدارة لنفسها ليس كيف تحافظ على النظام العام، إنما هو كيفية التوفيق بين الحرية والنظام، بحيث يكون الحظر المطلق كقاعدة عامة غير مشروع (2). ويستند هذا السؤال من ناحية، إلى أن الحظر المطلق لممارسة الحرية يعادل إلغاءها. وليس لسلطة الضبط أن تلغي الحرية. ويستند من ناحية أخرى إلى أن صيانة النظام العام ال تستلزم بالضرورة – في أغلب الأحوال – أن يصل تقييد الحرية إلى درجة الحظر المطلق لها. لذا فإن القضاء ال يقر الحظر المطلق للحرية. إما الحظر النسبي الذي يقتصر على منع النشاط المسموح به في مكان معين أو وقت معين، فإن القضاء قد يجيزه إذا وجد ما يبرر ذلك من مقتضيات المحافظة على النظام العام في تلك الظروف(3) وذلك كأن تمنع الإدارة المرور في شارع معين لضيقه بحيث يخشى أن يصبح مسرحاً للحوادث، أو منع المرور في مناطق معينة في بعض ساعات اليوم، أو منع الوقف في أماكن معينة(4) /2 التناسب العكسي بين القيمة القانونية للحرية وما يتعرض لها من إجراء أن حقوق الإنسان ليست كلها بنفس الأهمية كما سبق القول، فبعض الحريات تعتبر جوهرية وذات قيمه أساسية بالنسبة لحريات أخرى. وتتغير سلطات الإدارة تبعا لقيمه الحرية فهذه السلطات اقل من مواجهة الحرية الأساسية منها أمام الرخصة أو مجرد التساهل. (1) عاطف البناء، حدود سلطة الضبط، ص(94) . (2) نقال عن 48 p. ibid Burdeau د. سعاد الشرقاوي، القانون الإداري، ص(94) . (3) د. سعد الدين الشريف، محاضراته سالفة الذكر، ص(25) . (4) د. عاطف البناء، حدود سلطة الضبط، ص(95-96) . 11

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 12#ص-12

ولهذا السبب كانت سلطات الضبط ضعيفة في مواجهة حرمه الحياة الخاصة. إذ ال تستطيع جهة الإدارة فرض إجراءات إيجابيه تحد بها من حق الفرد في أن تكون له حياته الخاصة. ان كل تملكه سلطات الضبط في هذا المجال هو تحديد هدف معين على الأفراد أن ال يحيدوا عنه ثم يترك لهم حرية التصرف بشرط عدم المساس بهذا الهدف الموضوع(1) فعلى سبيل المثال حرية استعمال المسكن مصونة بشرط أال تهدد النظام أو الصحة أو السكينة العامة. إلى أن االلتزام الموضوع ال يعدو أن يكون التزاما سلبياً يمكن الوصول إليه دون فرض إجراءات إيجابية على الأفراد تحد من حريتهم أو تهدد حرمة الحياة الخاصة. ويعتبر التعرف على نيه المشرع عنصراً أساسيا في تحديد سلطات رجال الضبط الإداري. فإذا كان المشرع قد ابدي عداء لحرية فإن هذا يسمح لسلطات الضبط بالتشديد*. /3 عدم فرض وسيلة معينة لمواجهة الخطر. إن الحرص على حريات الأفراد يقتضي تقييدها على اقل الوسائل مشقة لهم ما دامت الوسيلة المتبعة من شأنها أن تحقق ما يصان به النظام العام. لذلك يتعين على جهة الإدارة أن تكتفي بتوجيه نظر الأفراد إلى أوجه الإخالل بالنظام الذي يراد توقيه وإن تكلفهم بتفادي مصادر تهديد النظام في ممارستهم للحرية، تاركه لهم اختيار الوسيلة، وذلك إذا أمكن أن يقع اختيارهم على إحدى الوسائل المجدية في اتقاء هذا الخطر(2). وإذا ما تعدت جهة الإدارة ذلك التوجيه، في هذه الحالة وتدخلت بفرض الوسيلة كان في ذلك مساس بالحرية ال يقتضيه النظام العام**. إال أن هذه القاعدة ال تطبق إال حين يكون التهديد ضئي ًال ويكاد يرتبط أعمال هذه القاعدة –بصفة عامة على حرية الملك الخاص وارتباطها بأسباب الوقاية من الخطر. /4 يجب احترام حق الدفاع إذا كان إجراء الضبط عقوبة.فالمبدأ العام أن قرارات سلطات الضبط ال يتعين أعالم صاحب الشأن بها قبل صدورها. أما إذا كان الإجراء عقوبة فيتعين أعالم صاحب الشأن حتى يتمكن من إعداد دفاعه(3)

المطلب الثالث: سلطه الإدارة في التدخل واالمتناع مساساً بحقوق الإنسان والحريات

الأصل أن الإدارة تملك بسلطتها التقديرية أن تقرر ما إذا كانت تلجأ إلى التصرف حيال ظروف معينة، أو عدم االلتجاء إلى التصرف كما تملك اختيار وقت تدخلها. إال أن سلطة الإدارة إذا تعلقت بالضبط الإداري تغدو مقيدة، وذلك على التفصيل التالي:

الفرع الأول: االلتزام بالتدخلكما سبق القول أن من ابرز عناصر السلطة التقديرية

لإلدارة سلطتها في تقدير مالءمة التدخل. فلم يحتم القانون على الإدارة أن تتدخل إذا تحققت أسباب معينه. ولكن وبالرغم من ذلك فإن مجرد تتحقق أسباب تدخل الإدارة ال يلزمها بهذا التدخل. ويطبق هذا المبدأ على مختلف مجاالت العمل الإداري – كقاعدة عامة –وكما القول بأنه يطبق أيضا من حيث الأصل –بالنسبة لسلطه الضبط الإداري وعليه فإن مجرد قيام اضطرابات أو قالقل ال يحتم على الإدارة استخدام (1) د. سعاد الشرقاوي، القانون الإداري، المرجع السابق ص(94-95) . *وقد طبق مجلس الدولة الفرنسي هذا المبدأ بمناسبة حرية التظاهر إذ قدر أن فيه المشرع ال تحيز بل وتعارض لمظاهرات، فمنع سلطات واسعة لإلدارة بصدد المظاهرات وعلي العكس فإن مجلس الدولة استشعر أن المشرع يميل إلى تشجيع حرية ممارسة الشعائر الدينية، فكان دائما بجانب هذه الحرية ال يشجع تدخل السلطات في شأنها. (2) انظر د. سعد الدين الشريف، محاضراته سالفة الذكر، ص(326-327) . ** وتطبيقاً لذلك فإن مجلس الدولة الفرنسي يلقي قرارات الضبط التي تكلف بها جهة الإدارة مالك المباني غير الصحية باستخدام أجهزةمحددة أو القيام بأشغال معينة لمواجهة مخاطر الأمراض المعدية، ويفسر المجلس قضاءه بان هيئات الضبط الصحي تملك تكليف الأفراد بإزالة كل أسباب الأضرار بالصحة من مبانيهم وأنها إذا ما تجاوزت ذلك إلى تكليف المالك بالقيام بأشغال محددة في داخل مبانيهم، فأنها تكون قد تجاوزت سلطتها. انظر حكم المحكمة، Mai E16 C. .1947 Gouriet D. 1942 -25 (3) علي سبيل المثال قانون التوالي السياسي السوداني للعام 1998م) في النصوص المتعلقة بتعليق أو وقف نشاط الحزب السياسي حيث أباحت للحزب الحق في الطعن ضد القرار أمام المحكمة الدستورية خالل يوما من تاريخ القرار. 12

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 13#ص-13

سلطات البوليس لقمعها فقد ترى الإدارة أن تدخلها قد يزيد النار اشتعاالً، أو أن تلك القالقل ستنتهي من تلقاء نفسها(1)وإذا كان هذا هو المبدأ المسلم به. إال أن االلتجاء إلى أسلوب الضبط الإداري قد يصبح التزاما قانونياً مفروضاً على الإدارة عندما تحتم دواعي صيانة النظام العام هذا التدخل. ذلك أن صيانة النظام العام واجب على الإدارة. بحيث يكون االلتجاء إلى أسلوب الضبط أحيانا التزاما قانونياً على الإدارة، ألن السالم ال يحتمل الإخالل الخطير به (2)هذا ويجب أن يالحظ أن إلزام الإدارة بالتصرف أحيانا في مجال الضبط الإداري ال يجعل سلطتها في هذا الصدد مقيدة بالكامل، إذ ال يزال لها مجال واسع للتقدير. ذلك أن القضاء في الأصل يترك لجهة الإدارة سلطة تقدير مالئمة التدخل أو االمتناع. إال أنه يراقب الغلو في استعمال هذه السلطة. وصورة الغلو في هذه الحالة تتمثل في عدم مالءمة الظاهر، والمفارقة الواضحة بين الإخالل الخطير باألمن والنظام من ناحية، والمسلك السلبي من جانب الإدارة التي تقف مكتوفة الأيدي من الناحية الأخرى(3)إال أن القاضي في رقابته لتقدير الإدارة في هذا الصدد – في رأيي أن يدخل في اعتباره الوسائل المتاحة لإلدارة، ومدي احتمال انتهاء القالقل من تلقاء نفسها، وتوقع زيادة االضطرابات نتيجة تدخل الإدارة. لكل ذلك فإن القضاء يجب أن يترك لجهة الإدارة سلطة تقديرية واسعة في هذا الشأن.

الفرع الثاني: االلتزام باالمتناع عن التدخل

يجب على سلطة الضبط أحيانا تمتنع عن التدخل في الممارسة الحرة للنشاط الخاص، أو تمتنع عن التدخل فيه بوسائل معينة وعلى ذلك يجب على جهة الإدارة بعد أن تقرر التدخل أن تراعي اآلتي: /1 يجب على هيئات الضبط أن تمتنع عن التدخل في تصرفات الفرد الخاصة وأفكاره المتصلة بخصوصياته وضميره، دون أن يمس الحياة االجتماعية، وذلك كحرية العقيدة، وحرية الفكر والوجدان متى ما كان ذلك في حدود القانون (4) /2 من الحريات ماال يقبل التنظيم الضبطي المستقل، كحرية ممارسة شعائر الأديان، وحرية االنتفاع بالملك الخاص، فهذه الحريات وما يماثلها، ال تجوز لإلدارة أن تتصدى لتنظيمها بلوائح مستقلة – أي غير مستندة إلى قانون – ذلك أن تنظيم الحريات الأساسية هو اختصاص اصل للمشرع بسبب طبيعة هذه الحريات وأهميتها الخاصة (5). والواقع أن الفقه لم يضع نظرية عامة تبين نطاق سلطة الإدارة في تقييد الحريات عن طريق إصدار لوائح ضبط مستقلة. (1) د. سليمان الطماوي، النظرية العامة للقرارات الإدارية، ط4، عام (1976م) ، ص(62) . (2) المرجع السابق، نفس الموضع. (3) د. عاطف البناء، حدود سلطة الضبط، ص(101) . (4) انظر على سبيل المثال المادة (24) من دستور السودان2005 م والتي تقرأ " لكل إنسان الحق في حرية الوجدان والعقيدة الدينية وله حق إظهار دينه، أو معتقده ونشره عن طريق التعبد أو التعليم أو الممارسة، أو أداء الشعائر أو الطقوس، وال يكره أحد علي عقيدة ال يؤمن بها ……. ، وذلك دون أضرار بحرية االختيار للدين أو إزاء لمشاعر اآلخرين أو النظام العام ……. ". (5) سعد الدين الشريف، محاضراته السابقة، ص(44) . 13

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 14#ص-14

على أنه يمكن بصفة عامة يمكن تقرير المبادئ اآلتية (1) أ/ ليس للسلطة الالئحية – بحسب الأصل – أن تتدخل في المجاالت المحجوزة للمشرع بمقتضى نص أو عرف دستوري. وذلك كأن ينص الدستور على حرية معينة ال يجوز تقييدها بقانون. ب/ قد يصدر قانون منظم إلحدى الحريات، ولكن تتكشف الظروف عن أنه غير وافي بالفرض. وتجد السلطة التنفيذية أن هذه الظروف تدعوها إلى تكمله ما أورده المشرع من نصوص القانون وتحقق الغاية منها. ج/ حاالت التفويض التشريعي وذلك عندما يجيز الدستور أو القانون لتنظيم الحرية بقرارات الئحية. كما إذا نص الدستور مثالً على أنه يجوز تنظيم إحدى الحريات بناء على قانون، ويصدر قانون يعهد الالئحة بهذا التنظيم. د/ بالنسبة الحريات التي ال يصرح أي نص دستوري أو تشريعي بجواز تنظيمها أو تقييدها بلوائح إدارية، فإنللسلطة التنفيذية أن تتدخل لتنظيمها بمقتضى مالها من سلطة أصلية في إصدار لوائح ضبط مستقلة للمحافظة على النظام العام. ويراقب القضاء ممارسة، على أن القضاء قد يستفاد من بعض أحكامه أنه يضع قاعدة مقتضاها، أن حريات معينة نظراً ألهميتها وطبيعتها الخاصة، ال يجوز تقييدها إال بقانون.

المطلب الرابع: سلطة الإدارة في االلتجاء إلى أسلوبي االذن واإلخطار

(1) د. محمد الطيب عبد اللطيف، نظام الترخيص واألخطار في القانون المصري ودراسة مقارنة، رسالة دكتوراه منشورة، (1956م) ، ص(365-366) . 14

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 15#ص-15

إذا كان الأصل بالنسبة للنشاط الفردي الذي يعتبر ممارسة للحرية، هو إمكان تقييد هذا النشاط، فإن ابرز وسائل هذا التقييد تتمثل في وجوب اخذ الإذن الالزم من جهة الإدارة بممارسة النشاط، أو إخطار الجهة الإدارية عنه. والثابت أن تدخل الدولة في مجال الحريات الأساسية يتأثر بالعوامل السياسية واالقتصادية واالجتماعية التي تمر بها البالد. لذا يالحظ أن حرية من الحريات تتعاقب عليها نظم مختلفة، من حظر إلى ترخيص إلى إخطار، أي النظام الوقائي الذي يعني أن يكون للدولة حق التدخل قبل أن تقع إلى مخالفة للقانون مستهدفة بذلك الحيلولة دون وقوع المخالفات وهذا التدخل يحرم المواطن من حريته ومن حقه في اختيار سلوكه، وتلعب اللوائح دوراً هاما في إرساء النظام الوقائي ويسمي كذلك نظام الضبط أو نظام البوليس(1). أو النظام العقابي الذي يكون فيه المواطن حراً، ولكنه مسئول عن سلوكه ويتعرض الفرد الذي يسئ استعمال حريته لعقوبات مدنية وجنائية. وتكون حقوق وحريات الأفراد محترمة في كنف النظام العقابي ولذا يكيف بأنه نظام قانون أو النظام الحر الذي يدور بين النظامين الوقائي والعقابي. وتختلف النظرة إلى وسائل تنظيم الحرية أو النشاط الفردي بحسب اختالف الظروف المتقدمة، وبحسب النظام المتبع قبل الأخذ بوسيلة معينة. لذا فإن بيان الحدود التي يجب أن يقف عندها تدخل السلطات العامة في الحريات أو النشاط الخاص، وصور هذا التدخل ليس من الأمور اليسيرة، وال يكفي في ذلك الرجوع إلى مجموعات القوانين واللوائح المتعلقة بالقيود المفروضة على أنشطة معينة، ألن هذه النصوص قد ال تصدر عن خطة موحدة وال تلتزم قاعدة ثابتة.

الفرع الأول: سلطة الإدارة في تقرير نظام الترخيص

في هذا المجال يتعين على جهة الإدارة أن تراعي الضوابط واألسس المبنية أدناه:

أولا: إذا نص الدستور أو القانون على حرية من حقوق الإنسان دون أن يخضع النشاط الذي

يعتبر ممارسة لها لنظام الترخيص، فإنه ال يجوز لجهة الإدارة أن تفرض هذا النظام (الترخيص). وعلى ذلك، فإن الأصل العام هو أن نظام الإذنالسابق أما أن يفرض بقانون، وأما أن تفرضه الإدارة بالنسبة لممارسة الحريات التي ال يضمنها الدستور أو القانون (2) على أن العمل قد جري على التوسع في فرض نظام الترخيص بمقتضى السلطة الالئحية في مجال حريات نظمها القانون. ومن ذلك حرية التجارة والصناعة التي طبق نظام الترخيص الإداري في بعض أحوال ممارستها (3) فالمحال الصناعية الخطرة والمتعلقة للراحة والمضرة بالصحة يخضعها المشرع عادة للنظام الترخيص الذي يرسم القانون حدوده (4) ثانياً: يجوز التنظيم الالئحي أن يفرض نظام الترخيص بالنسبة لممارسة النشاط الذي يتصل بحق استعمال المال العام استعماالً خاصاً أو استعماالَ غير عادي (5) ويجد فرض الترخيص إداريا ما يبرره هنا في أن الإدارة باعتبارها مالكه للمال العام، يجب أن تعمل على وقايته والمحافظة على نوع تخصيصه للنفع العام، فضالً عن اعتبارات المحافظة على النظام العام. (1) راجع محمد الطيب عبد اللطيف، رسالته سالفة الذكر، ص(365) (2) انظر د. سعاد الشرقاوي، القانون الإداري، المرجع السابق، ص.121 (3) في السودان انظر على سبيل المثال قانون رخص التجار للعام (.193 م) المادة (2) وقانون الأمن الصناعي للعام (1976م) المادة (.1 ) وقانون العالقات الصناعية للعام (1976م) المادة (.1 ) وقانون ترخيص الوكالء التجارية ومراقبتهم للعام (1972م) المادة (6) . (4) في السودان وعلي سبيل المثال انظر قانون المناجم والماجرللعام (1972م) المادة (6) . (5) انظر قانون رخص التجار للعام والمناجم والمحاجر. 15

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 16#ص-16

ثالثاً: يجوز لالئحة الضبط أن تفرض نظام الترخيص السابق لممارسة النشاط الذي يتصل بالنظام العام بشكل مباشر - وبصورة قوية ومثال ذلك فتح المحال الصناعية الخطرة(1) أو الضارة بالصحة (2) أو المقلقة للراحة. إذ يجوز لإلدارة أن تفرض على منحها الترخيص نظراً لخطرها على النظام العام. وكذلك فرض الترخيص في أوروبا على فتح محال اللهو.

رابعا: يجب أن تكون هناك ضرورة بفرض نظام الترخيص إداريا، وإن يكون استعمال هذه

السلطة بالقدر الالزم، وإال كان استعمالها غير مشروع، ويخضع تقرير ذلك لرقابة القضاء. واخلص إلى أن للسلطة الالئحية في مجال الضبط أن تقيد بعض أنواع النشاط بغير ترخيص متي كانت معتبرة من قبيل ممارسة لبعض الحريات غير الأساسية – واإلدارية – من باب اولى – أن تفرض نظام الترخيص على أنواع النشاط الضارة، أو التي ال تتصل بحرية أو حق فردي. والمبادئ سالفة الذكر يمكن أن توجد تفسيراً – بصفة عامة – لقيود الترخيص التي يجيز القضاء لإلدارة فرضها على مختلف أنواع النشاط، وبصفة خاصة صور النشاط المتصل بحرية التجارة والصناعة كما سبق القول. سلطة الإدارة في منح الترخيص أو رفضه (1) مثل قانون المناجم والمحاجر السوداني رقم (.6 ) للعام (1972م) . (2) مثل قانون تنظيم العمل باإلشاعات المؤبنة السوداني للعام (1971م) رقم (69) كما في قانون الصيدلية والسموم السوداني عام (1963م) الذي يحظر وبصفة قطعية عدا في حاالت استثنائية علي أي شخص غير مسجل تسجيالً قانونياً بوصفة صيدلياً بموجب قانون المجلس الطبي للعام (1973م) أن يتجر أو يزاول مهنة الصيدلة أو يزاول صنعة الدواء. انظر المادة (1) من القانون. 16

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 17#ص-17

قد يحدد المشرع سلطة الإدارة في حالة معينة ويقيدها بقيود واضحة محددة بحيث يتعين عليها أن تتصرف على نحو معين، إذا ما توافرت ظروف خاصة. وفي ما عدا ذلك فإن الأصل – في أعمال الإدارة عموماً – أن تمارس بسلطة تقديرية بحيث يكون لإلدارة وحدها أن تقرر مالئمة تدخلها ووقته، ونوع التصرف الذي تتخذه حيال وقائع أو ظروف معينة وال رقابة عليها في ذلك القضاء مادام تصرفها قد خال من إساءة استعمال السلطة. ولكن هذا المبدأ ال يطبق في مجال الضبط الإداري، وبصفة خاصة بالنسبة لسلطة الإدارة في منح الترخيص أو منعه، إذ تصبح سلطتها – كقاعدة عامة – سلطة مقيدة حتى ولو لم يكن اختصاصها مقيداً بنصوص تشريعية أو الئحية خاصة. ويمكن إجمال المبادئ التي تحكم الموضوع فيما يلي (1) قد يحدد المشرع بدقة الشروط التي يجب عند استيفائها أن تمنح الإدارة الترخيص لطالبه(2) فتكون سلطة الإدارة هنا مقيدة. وواضح إن نظام الترخيص في هذه الحالة ليس له خطورة كبيرة على ممارسة الحرية، ألن جهة الإدارة تكون ملزمة بإعطاء الإذن إذا توافرت شروطه المعينة والمحددة سلفاً بالقانون، فهو(الترخيص) ال يفترق كثيراً عن التنظيم. وعلى أنه وحتى عندما يقيد المشرع سلطة الإدارة، وذلك بتحديد الشروط التي يتعين عند توافرها للموافقة على الترخيص، فإن سلطة الإدارة ال تصبح مقيدة بالكامل، بل يبقي لها جانب من التقدير في وزن بعض الشروط التي يطلبها القانون، وتحديد مضامين بعض الأفكار التي يستخدمها دون يحددها تحديداً كافياً، وذلك الختالف ظروف لكل حالة عن الأخرى (3) كما أن لإلدارة أن تنظيم أوضاع تطبيق الشروط القانونية، وإن تخضع الموافقة على الترخيص لتوافر شروط واحتياجات معينة وغير ذلك من التفصيالت التي عليها أنواع الترخيص وظروف الموافقة عليه مثالً المادة (التاسعة) من قانون التوالي السياسي السوداني لسنة (1998م) حيث تقرأ " -1 يقدم طلب تأسيس التنظيم للمسجل ويرفق النظام الأساسي وإعالن التزام بأحكام الدستور والقانون ويوقع على ذلك كل أعضاءه المؤسسين". ومن ناحية ثانية فإن لإلدارة سلطة تقدير الوقت المالئم إلصدار قرار الترخيص إذ يجب أن يسمح لها بالوقت الكافي لفحص طلب الترخيص والتحقق من استيفاء شروطه في حدود الغرض(4) وتطبق المبادئ المتقدمة عندما يكون الترخيص استثناء على حرية وقيداً على ممارستها. إذ تكون سلطة الإدارة إزاء طلبات الترخيص سلطة مقيدة ألن الحرية هي الأصل. أما إذا كان النشاط الفردي ال يرقي إلى مرتبه الحقوق والحريات، أو كان الأصل فيه اعتبار استثناء من خطر إباحة، فإن سلطة الإدارة تصبح تقديرية. على أن ذلك ال يعني إنها سلطة مطلقة، وإنما هي تتقيد بالقيود التي تردد على السلطة التقديرية بوجه عام. وللترخيص باالنتفاع بالمال العام أحكام خاصة، إذ يتميز هذا الترخيص بأن سلطة الإدارة إزاءه أوسع من سلطتها بالنسبة لممارسة الحريات التي ال تنصب على المال العام تستند إلى فكرة التخصيص للمنفعة العامة، وإلى النظر إلى المال كثروة قومية، فضالً عن اعتبارات النظام العام )5(

الفرع الثاني: نظام الأخطار

أحياناً يكون تنظيم الحرية عن طريق الأخطار، فيتعين على الأفراد أو الهيئات إحاطة جهة الإدارة علماً بانعقاد العزم على ممارسة النشاط الأخطار بقصد تمكينها من مراقبته، واتخاذ (1) د. عاطف البناء – حدود سلطة الضبط -ص 18) (2) مثالً أنظر المادة (9) من قانون التوالي السياسي للعام (1998م) حيث تقرأ " -1 يقدم طلب تأسيس التنظيم للمسجل ويرفق النظام الأساسي وإعالن التزام بأحكام الدستور والقانون ويوقع على ذلك كل أعضاء المؤسسين". (3) د. عاطف البناء، حدود سلطة الضبط، ص(19) . (4) وذلك كتقدير صالحية موقع المحل وتقدير القرب عن المناطق السكنية ومراعاة الجوانب الفنية في الترخيص. ولكن هذه الجوانب الفنية مقيدة بالغايات التي تقررت من أجلها السلطة وبأن تكون االحتياطات المطلوبة ضرورية لتحقيق الغاية من فرضها وبالقدر الالزم ومتناسبة مع طبيعة النشاط وأهميته وليس مقيدة فقط وال تكون شديدة. (5) المرجع السابق – نفس الصفحة. 17

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 18#ص-18

االحتياطات الالزمة لمنع ضرره ومنع ممارسته في الخفاء. وكثيراً ما يكون نظام الأخطار مقترناً بسلطة الإدارة في االعتراض على ممارسة النشاط المخطر عنه عند عدم استيفاء الشروط المقررة سلفاً بشأنه وكما يكون نظام الأخطار أحياناً غير مقترناً بحق الإدارة في االعتراض ويكون أقرب بذلك إلى النظام العقابي. إالّ أنه يالحظ أن االحتياطات الوقائية التي يمكن أن تتخذها الإدارة على أثر الأخطار ال تترتب حتماً على قيام الأفراد به. كما أنه ليس ثمة ما يمنع من اتخاذ هذه االحتياطات حتى دون أخطار. واألخطار ليس طلباً أو التماساً بالموافقة على ممارسة النشاط، إنما هو يحوي بيانات تقدم لجهة الإدارة المختصة حتى تكون على علم مقدماً بما يراد ممارسته من نشاط، وتقتصر سلطة الإدارة حياله على التحقق من صحة البيانات الواردة فيه واستيفائه للشروط واألحكام التي قررها القانون. ومن ناحية أخرى فإن الأصل في الأخطار الذي يخول لإلدارة حق االعتراض أنه يجوز للفرد مزاولة النشاط بمجرد مضي المدة التي حددها القانون. الن سكوت الإدارة خالل المدة المحددة قانوناً يعتبر عدم اعتراض على مزاولة النشاط. ذلك ألن المشرع يفرض نظام الأخطار ال العتبارات النظام العام بالنسبة للحريات. كالحريات المعنوية * لتمكين الإدارة من اتخاذ االحتياطات الالزمة واالعتراض على النشاط إذا لم يكن مستوفياً الشروط المقررة أو لم يكن في استطاعة الإدارة حماية النظام بالوسائل واالحتياطات التي لديها. ويكون لألفراد بالتالي مزاولة النشاط إذا لم تعترض الإدارة خالل المدة المحددة لها. والجدير بالذكر أن تقييد النشاط بقيد الترخيص أو الأخطار يتوقف على طبيعة النشاط وأهميته، ويتوقف على درجة ممارسة بالنظام العام، فمن الحريات ما ال تخضع ممارستها حتى لقيد الأخطار مثال حرية العبادة داخل الأماكن المخصصة لها وذلك ألن لهذه الحرية أهمية خاصة لصلتها الوثيقة بعقيدة الإنسان وحياته الروحية فضالً عن أن ممارستها ال تمس في الأصل النظام العام في غالب الأحيان. كما أن من الحريات ما ال تتفق طبيعتها وأهميتها مع تقييدها بأكثر من نظام الأخطار. وذلك كالحريات المعنوية. وترجع أهمية هذه الحريات إلى اتصالها بالفكر والوجدان، وإلى لزومها لممارسة الحقوق السياسية وهي لذلك من اغلي الحريات لدي الإنسان وأكثرها إحساسا بما يرد عليها من قيود. فهذه الحرية ال يقتصر أثرها على الفرد وإنما إلى المجموع والي السلطة الحاكمة، ويخشى بالتالي من إخضاعها لنظام الترخيص السابق، أن يؤدي رفض الترخيص إلى حظرها ولو بصفة جزئية. والواقع أن تقييد حريات الرأي بقيد الترخيص يفتح الباب لحظر ممارستها على الأشخاص الذين تخشاهم السلطات العامة وتمكين الحكومة من إسكات الأصوات المعارضة (1) رغم الضمانات الشكلية التي تمنحها الإدارة لالعتراض والطعن ضد قرار رفض الإدارة رفض منح الترخيص، ويالحظ ذلك بصفة عامة في الأنظمة الديكتاتورية ذات الرأي الواحد.

المطلب الخامس: مدي صحة االدعاء بان إخضاع الحريات المعنوية لقيدي الأخطار والترخيص

يستهدف وقاية النظام العام أن تحليل القيود الواردة على الحريات بصفة عامة وعلى حرية الرأي في جانبها السياسي بصفة خاصة، لحماية النظام العام أو أمن الجماعة المادي سالفة الذكر(2) يثبت أن القليل منها ينصرف (1) (1) انظر علي سبيل المثال المادة (9) من قانون تنظيم التوالي السياسي للعام (1998م) الملغي في السودان والتي تقرأ: /1 يقدم طلب تأسيس التنظيم للمسجل ويرفق النظام الأساسي وإعالن التزام بأحكام الدستور والقانون. . . . . . . . . ./2 /3 إذا رأى المسجل إن الطلب يستوفي كل الشروط الدستورية والقانونية بحكم هذا القانون يتخذ القرار بتسجيل لتنظيم ويمنح شهادة بذلك، وإذ رأى عدم االستيفاء للشروط يقرر رفض التسجيل، وفي هذه الحالة يمنح مقدمي الطلب فترة أسبوعين الستيفاء الشروط، ويتخذ المسجل القرار خالل شهر من تاريخ تقديم الطلب، ويبلغ المقدمين وينشر للرأي العام القرار واألسباب للقبول والرفض /4 يكون قرار المسجل ملزماً ما لم يطعن فيه أمام المحكمة الدستورية (2) راجع حديثنا عن النظام العام كقيد علي الحرية. 18

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 19#ص-19

إلى تحقيق هذا الفرض. ويتمثل ذلك في جرائم السب والقذف والتحريض على ارتكابه جرائم أخرى معينة، إذا كانت عن طريق ابدأ الرأي أو النشر في الصحافة (1) فإذا انتهي اجتماع إلى شجار اشتبك فيه الحاضرون، أو جمعية تقوم بتجهيز فرق عسكرية خاصة من أعضائها، أو تضبط أسلحتها المعدة النقالب. ففي هذه الحاالت وما يماثلها يظهر تدخل جهة الإدارة أو القضاء كأمر طبيعي، ألن ممارسة الحرية قد انتهي بالفعل إلى ارتكاب جريمة من جرائم القانون الجنائي أو الشروع فيها أو إلى وقوع إخالل باألمن. غير أن هذه الحاالت قليل نسبياً إذا ما قورن بالحاالت الكثيرة التي تقر فيها الدولة الحديثة أو القضاء. تدخل الإدارة لمنع ممارسة حريات الرأي السياسي – خاصة في صوره ما من صور التعبير عنه أو إنهائها بالعقاب على ممارستها. ولقد صار مألوفاً أن يسخو الشارع أو القاضي على جهة الإدارة بسلطات تقديرية واسعة في هذا المجال بحجة توخي اختالل محتمل باألمن أو النظام (2) غير أن ما هو اخطر من ذلك، وما هو اكثر احتماالً من الوقوع بل وجد بالفعل في اعرق الديمقراطيات، أن تستعمل سلطة الحكم هذه السلطات البوليسية الواسعة العتبارات سياسية واجتماعية محضة منقطعة الصلة بالنظام العام. والحقيقة أن المطالع للقوانين التي تنظم الحريات في الديمقراطيات المعاصرة سوف يفزعه أن يعلم أن حقوق الإنسان، وعلى الأخص، حرية التعبير عن الرأي معطلة أو شبه معطلة، أو إنها أصبحت في وضعها العملي تناقض أصولها النظرية التي ارتفعت إلى مستوي الواجبات ال مجرد رخص بل تعلق ممارستها أو إنهائها على مشية الإدارة وحدها(3) وتأييداً لما تقدم سأعرض لبعض القيود التي تفرضها الديمقراطيات على حرية الرأي بحجة المحافظة على النظام العام فيما تدعيه والتي يتضح منها أن الصلة تكاد تكون معلومة بين هذه القيود تمثل سلطات واسعة تستطيع جهة الإدارة أن تسخرها ألغراض سياسية. وسأكتفي في هذا الصدد برسم الخطوط العامة لهذه القيود بالنسبة لحرية التعبير في بعض مظاهرها، أو وسائل التعبير عنها.

الفرع الأول: في مجال حرية الصحافة (4)

وهي تعني " نقل الأفكار واآلراء والمعلومات بدون قيود حكومية، بهدف تشجيع نقل الأفكار التي تتيح سهولة ودقة اتخاذ القرارات المناسبة حول الشئون العامة ومصالح المجتمعات(5) وتعني حرية الصحافة تقليل الرقابة من جهة الإدارة، كما تعني حق الناس في إصدار الصحف دون قيد أو شرط يعوق هذه الحرية (6) وقد نصت معظم الدساتير على هذه الحرية الفكر والتعبير، حيث تقرأ "...، وتكفل لهم حرية التعبير وتلقي المعلومات والنشر والصحافة دون ما قد يترتب عليه من أضرار باألمن أو النظام أو السالمة أو اآلداب العامة وفق ما يفصله القانون "وهي ذات شقين، حرية إصدار الصحف، حرية الصحف القائمة فعالً في أن تباشر نشاطها دون تدخل أو تعويق إداري. غير أنه ترد على هذه الحرية بشقيها قيود ثقيلة في معظم الديمقراطيات. وذلك على التفصيل التالي:

أولا: حرية إصدار الصحف

(1) راجع المادة (66) من القانون الجنائي السوداني (1991م) علي سبيل المثال والتي تنص علي أنه "من ينشر أو يذيع أي خبر أو إشاعة أو تقرير مع علمه بعدم صحته، قاصداً أن يسبب خوفاً أو ذعراً للجمهور أو تهديداً للسالم العام أو انتقاصا من هيبة الدولة يعاقب بالسجن مدة ال تجاوز ستة اشهر أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً كذلك راجع المواد (147، 149، .16 ) من نفس القانون. (2) انظر د. محمد جالل حماد، حرية الرأي، المرجع السابق نص(279) . (3) راجع د. محمد عصفور، الحرية، المرجع السابق ص(138) . (4) بالنسبة ألوضاع الصحافة في العالم انظر د. عبد هللا البستاني، حرية الصحافة، رسالة دكتوراه لجامعة القاهرة 1982م (5) د. محمد سعيد إبراهيم، حرية الصحافة، دراسة في السياسة التشريعية وعالقتها بالتطور الديمقراطي. دار الكتب العلمية، القاهرة (1996م) ، ط1، ص(24) . (6) كرم شلبي، معجم المصطلحات الإعالمية، دار الشروق، القاهرة (1988م) ، ص(247) . 19

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 20#ص-20

هذه الحرية، حرية إصدار الصحف، مقيدة بالعديد من الضوابط والقيود بحيث يتشكك في قيمتها الحقيقية وهي تشترك كلها في تخويل الإدارة سلطة تمكنها من التحكم في حياة الصحف التي هي في سبيل الإصدار(1)وإذا كانت نظم ديمقراطية قليلة قد خلت من كثير من هذه القيود القانونية إال أن الكثير منها اآلن يتجه نحو التشدد في أستلزمها

ثانياً: حرية الصحف في مباشرة نشاطها دون تدخل أو تعويق إداري

وتتعلق هذه القيود التي تفرض على الصحف قبل إصدارها، والمعني بذلك تخويل الإدارة سلطة ما يعترض على نشرة من أخبار من مواد معينة سياسية أو فهي الجانب الهام من حرية الصحافة، وهي التي تتعرض لعديد من القيود بعض يفرض على الصحف قبل إصدارها كالرقابة (2) اجتماعية، وقد تكون الرقابة مفروضة فعالً ال قانوناً، ويتم ذلك بتوجيه من السلطة الحاكمة إلى دور الصحف(3) إما السلطات التي تمارسها الإدارة على الصحافة بعد إصدارها، فتدرج في شدتها من الإنذار إلى تعطيل أو الوقوف الإداري إلى الإلغاء إلى إعدام الصحيفة. كما تمارس الإدارة أحيانا أما استناداً إلى نص في القانون أو إلى سلطتها في الضبط الإداري، سلطة الحجز والمصادرة (4) وحقيقة فإنه وباإلشارة إلى القيود المفروضة على حرية الصحافة في وجهيها سالفي الإشارة أليهما، قد بلغ من تعددها أن صارت هذه الحرية اقرب إلى الأوهام منها إلى الحقائق، ألنها صارت حرية موجهة فعالً وإن لم تكن موجهة قانوناً. وليس من المقبول كما يقرر البعض (5) – بحق- االدعاء بان مصدر كل هذه القيود هو حماية الأمن والنظام العام، إذ أنه لم يبلغ حداً من االختالل يبرر هذه القيود الثقيلة، كما أن سلطة الدولة الديمقراطية لم تتدهور وتبلغ حداً من الوهن ألن تفرض على اآلراء قيوداً كثيرة على هذا النحو. وإنما مرد هذه القيود – في الحقيقة – هو ال اعتبارات سياسية محضة – في أغلب الأحوال. تتعلق بتأمين السلطة على نفسها حيال المنظمات والجماعات القوية. وال يستطيع أحد بعد ذلك أن يدعي أن فكرة الحرية في مجال التعبير السياسي، ال تزال على حسب وضعها الأصلي في الفكر الديمقراطي مع وجود هذه القيود الثقيلة التي تكبلها فمن المعلوم أنه ال قيام للحريات في الديمقراطيات إال بأمرين هما. * أن تمارس الحرية بأخطار دون ترخيص. * أن تؤمن ممارسة الحرية إلى أقصى مدي وال تخل بحريات اآلخرين أو النظام العام. وليس هناك شيء من هذا المعني المزدوج للحرية في ظل التشريعات الحديثة المنظمة لحرية التعبير عن الرأي (6) ذلك بعد خولت الإدارة تشريعياً سلطتي القمع والتوقي في هذا المجال.

الفرع الثالث: في مجال تكوين الجمعيات

يالحظ إن سلطة الإدارة في مجال تكوين الجماعات – سواء من حيث إنشائها أو إنهائها ال تقل في أتساعها عن سلطة الإدارة بالنسبة لحرية الصحافة. (1) محمد عصفور، الحرية، ص(179) . (2) راجع د. عبد هللا البستاني، حرية الصحافة، المرجع السابق ص(139-142) . )3( (4) انظر كذلك قانون الصحافة والمنشورات السوداني للعام 1996م في المواد(4، 6) شاملة والذي من حقه وقف إصدار الصحف سواء إن كان وقفاً مؤقتاً أو دائماً وغير ذلك من العقوبات التي يجوز له توقيعها علي الصحف. (5) د. جالل حماد، حرية الرأي، المرجع السابق ص (.3 1) (6) انظر قانون الصحافة الإداري الذي يفرض نصابا معينا يرفع كاحتياطي لجهد الإدارة حتى يرخص لها بممارسة حرية النشر. وكذلك قانون الصحافة والمنشورات السوداني (.193 م) حيث يقرر تحصيل تامين من ناشر الجريدة مبلغ قدره مائه جنيه مصري وهو العملة المزاولة في السودان في ذلك الوقت ويعتقد أن الهدف من هذا التأمين هو تقيد إصدار الصحف علي فئة معينة، ألن المبلغ كان كبيراً بمقاييس ذلك الوقت وإن يدفع التامين من خالل شهرين بالنسبة ألصحاب الصحف السابقة كما يجوز خصم الغرامات من التأمين في حالة وجود مخالفات علي أن يكمل التأمين فيما بعد، انظر حسن محمد مكي الصحافة والقانون، (1988م) ، ص(112) .5 . جنيه وهو مبلغ كبير حينذاك. وكذلك قانون الصحافة والمنشورات للعام (1993م) حيث يوجب إيداع مبلغ مليونا للسماح للصحيفة باإلصرار. وهناك قيود مفروضة متعلقة بالملكية حيث نص قانون الصحافة والمنشورات للعام (1993م) وقانون (1996م) علي اشتراط ملكية الصحف الخاصة أن تكون في ملكية المؤسسات " الشركات الهيئات ". 20

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 21#ص-21

فمن ناحية الإنشاء نجد إن للتنظيمات التشريعية في مختلف الدول من االتساع والشمول بحيث يصعب القول بأن نظام هذه الحرية هو مجرد نظام أخطار، وإنما هو نظام ترخيص بالفعل، ذلك أن تخويل الإدارة سلطة تقديرية في منح الأهلية القانونية الخاصة للجمعيات يمكنها من أن تتحكم في أمور الجمعيات دون أن تخضع لرقابه فعالة من جانب القضاء (1) فضالً عن ذلك فإن الإدارة تمارس بالنسبة للجمعيات سلطة واسعة للغاية خالل حياتها وبعد انقضاءها حيث تجوز بعض القوانين ومن بينها قانون الجمعيات غير المشروعة السوداني لسنة (1919م) مطاردة الجمعيات التي ال تستوفي الشروط التي تفرضها السلطة بل وتفرض عليها عقوبات جنائية قاسية تصل إلى حد السجن لمدة ال تجاوز عشر سنوات أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً، ومصادرة أو هدم إلى مبنى أو هيكل أو مكان اجتماع تستعمله الجمعية غير المشروعة وكذلك مصادرة محتويات أو معدات ذلك المبنى أو الهيكل أو مكان االجتماع وأية أوان أو مادة أو شيء مستعمل أو طقوس تلك الجمعية(2) وال يكتفي القانون بذلك بل إن القانون أباح وخالف لألصل العام في علنية الجلسات أن تسمع الدعوى سراً أمام المحكمة الجنائية (3) أما من ناحية الحل تتفاوت النظم القانونية فيما بينها في الأسلوب الذي تنتهجه في حل الجمعيات. ففي النظام الإنجليزي مثالً، ال تخضع قرارات الحل ألية رقابة قضائية. أما في فرنسا فتخضع هذه القرارات التي تصدرها جهة الإدارة لرغابة القضاء(4) أما في السودان تخضع قرارات حل الجمعيات والتنظيمات للرقابة القضائية وآياً كان الأسلوب المتبع، فإنه يالحظ إن حماية النظام االجتماعي أو السياسي تشغل مركزاً هاماً للتشريعات التي تبيح حل الجمعيات.

الفرع الثالث: في مجال عقد االجتماعات العامة

الأصل في ممارسة حرية التجمع في السودان هو الإباحة، بمعنى أنه يجوز للمنظمين له أن يمارسوه من خالل أخطار، إال إذ رأت جهة الإدارة أن هذا التجمع قد يحدث إخالالً باألمن أو مضايقة للجمهور كافة أو لفئة منه، وفي هذه الحالة يحق لجهة الإدارة أن تطلب – بإعالن خاص أو عام – من المنظمين لالجتماعات الحصول مقدماً على ترخيص بهذا االجتماع (5) وقد نظم قانون القوانين هذا الأمر والتي تنص على أنه: "يجوز ألي والي أو محافظ في حدود دائرة اختصاصه أن يصدر أمراً يحظر أو يقيد أو ينظم بموجبه إلى اجتماع أو تجمهر أو موكب في الطرق أو الأماكن العامة مما يحتمل أن يؤدي إلى الإخالل بالسالم العام(6) إذا مسألة الحظر والتقيد هي أمور استثنائية. هذا مع مالحظة أن خطر التقيد هو أمر تنظيمي محض وتخضع الضوابط المشار إليها قبال. ولكن السودان منذ استقالله كان الحظر والتقيد هو الطابع العام والقاعدة للمواكب وحرية التجمعات واالجتماعات. ذلك أن السودان قد تعرض للحكم الشمولي اكثر من الحكم الديموقراطي وقد صدرت في السودان العديد من التشريعات التي تكفل تكوين وتنظيم نشاط هذه الجمعيات واالتحادات والنقابات والهيئات منها، قانون نقابات العاملين للعام 1977م وقانون تنظيمات المزارعين للعام 1976م وقانون تنظيمات أصحاب العمل للعام 1973م وقانون تسجيل الجمعيات للعام 1957م. كل هذه القوانين تكفل للقطاعات المعينة الحق في تكوين نقابات تكسب الشخصية االعتبارية بمجرد تسجيلها وتخضع في تكوينها وتنظيم نشاطها، إلشراف ورقابة الدولة من حيث كيفية تنظيم تشكيلها، وتحديد أهدافها وأغراضها وكيفية ممارسة نشاطها. (2) أنظر المواد من 5 – 7 شاملة من القانون. (3) أنظر المادة 318 من القانون المذكور بأعاله. (4) أحمد جالل حماد، حرية الرأي -ص (.3 3) (5) وقد حدث أن تقدمت الجبهة الإسالمية أبان الديمقراطية الثالثة 1985 – 1989م إلى جهة الإدارة لتسير موكب واجتماع عام تحت أسم " أمان السودان " وقد رفضت جهة الإدارة منح الترخيص الالزم، إال أن حزب الجبهة الإسالمية سيد الموكب رغم رفض جهة الإدارة. وكذلك اجتماع الحزب االتحادي الديمقراطي احتفاال بعيد االستقالل في يناير 1999م ومجابهة الشرطة له. واحتفال أنصار الإمام المهدي في مدينه الحصاحيصا. بعيد االستقالل في يناير (1999م) (6) منها المادة /97 أ من قانون الإجراءات الجنائية السوداني للعام 1974م والمادة .51 3 من قانون الإجراءات الجنائية السوداني للعام 1983م 21

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 22#ص-22

لقواعد القانون، اصبح بناء عليه تسير المواكب والتظاهر السلمي هو االستثناء وال يصرح به إال إذا كان مؤيدا للنظام السياسي الحاكم(1) ومع ذلك فإن الإفراط في استعمال ذلك الحق قد يودي إلى الفوضى إذا البد من التنظيم دون التقييد ويعطي القانون الوالي المحافظ حق االستعانة بأجهزة الشرطة في تسيير وتنظيم المواكب باعتبارها الجهد المنوط بها ضبط الأمن. وعليه يصبح االجتماع أو التجمهر مشروعا إذا وافق الضوابط والشروط المحددة من قبل جهة الإدارة، وغير مشروع في الحالة الثانية. وعلى هذا فإن الترخيص المتطلب للتجمهر هو مسالة إدارية بحتة تستطيع الإدارة بموجب هذه السلطة أن تكون لها السلطة في منح هذا الترخيص أو منعه دون وجود رقابة عليها في هذا الصدد، مما يجعل منها قيدا شبه مطلق على حرية الأفراد في االجتماعات العامة وقد يشكل هذا القيد في كثير من الأحيان حماية للسلطة السياسية بمعني القيود المفروضة على حرية االجتماعات العامة عموما ال تهدف حماية النظام أو السالمة العامة بقدر ما هي تستهدف حماية السلطة السياسية. ويتوقف هذا الأمر على نوع النظام السياسي في الدولة وبطبيعة الحال يكون أكثر وضوحاً وقوة في النظم الدكتاتورية غير الخاضعة إلى قانون عنه في التنظيم الديمقراطي.

ثانياً: في الديمقراطيات الغربية

يتفاوت وضع حرية االجتماعات في الديمقراطية تبعاً لطبيعة وضعها الدستوري ففي النظام الإنجليزي ال تعتبر حرية االجتماع قائمة بذاتها، بل هي نابعة عن الحرية الشخصية التي تجد مصدرها في الشريعة العامة، وإن كان تقيدها القوانين الصادر عن البرلمان(2) وفي النظام الأمريكي أكتفي بالنص على حرية االجتماع في الدستور. وقد أضفي عليه التعديالن الأول والرابع عشر، نفس الحماية الدستورية التي أضفاها على حرية الرأي والعقيدة وحرية االجتماع، هو أن الأخيرة إحدى وسائل التعبير عن حريتي الرأي والعقيدة، كما إنها تتصل بحق المواطنين في النقد السياسي والشكوى والتنظيم إلى الحاكم. بعض النظم الديمقراطية ال تنص على حرية االجتماع في الدستور وإنما يقرر لها قانوناً خاصاً مفصالً إجراءات عقدها وسلطات الإدارة حيالها. على أنه حين يكفل الدستور حرية االجتماع – سواء صدر تنظيم تشريعي يفصل حرية االجتماع أو لم يصدر – فإن المفروض إن اعتراف الدستور للمواطنين بحق االجتماع يكفل ممارسة هذه الحرية غير معلقة على ترخيص من جانب الإدارة، وإن كان ذلك ال ينفي على الإطالق وجوب إخضاعها في نفس الوقت لنوع من التنظيم الذي يستهدف كفالة الأمن والنظام. ولذلك تكاد تشترك الديمقراطيات في خصائص هذا التنظيم الذي يفرض ضرورة الإخطار بمكان عقد االجتماع وزمانه عن طريق لجنة مسؤولة دون أن يتجاوز هذا التنظيم غايته وحدوده، حيث يغدو متسقاً مع الإخطار، فيفرض تسلطاً إدارياً حقيقياً على الحرية ويجعل من كلمة الإدارة القول الفصل في ممارسة هذه الحرية أو عدم ممارستها غير أن الوضع الفعلي لحرية االجتماع يتناقض مع وضعه الدستوري بحيث يبدو االنفصال واضحاً بين النظرية الديمقراطية والتطبيق في مجال حرية االجتماع إذ صارت ممارسة هذه الحرية لمعظم الديمقراطيات معلقة على مشيئة الإدارة (3) وقد تحقق هذا الوضع عندما جردت حرية االجتماع بين صفتها الدستورية، أو حتى في تلك الدول التي تكفل هذه الحرية دستورياً نتيجة استخدام الإدارة للسلطة البوليسية، وحيث يقصد (1) انظر د- يس عمر يوسف – شرح قانون الإجراءات الجنائية للعام (1991م) . (2) راجع د. محمد عصفور – الحرية- المرجع السابق ص (142) (3) د. عبد هللا البستاني – حرية الصحافة، المرجع السابق ص (145) . 22

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 23#ص-23

االجتماع، سواء في أماكن عامة أو خاصة، تتذرع الإدارة باعتبارات الأمن العام لتعطيل حرية االجتماع. ولقد كانت أهم القيود التي فرضت على حرية االجتماع اشتراط تطبيق هذا الشرط (1) سلطة الإدارة في منع عقد االجتماع: إن أخطر ما تتعرض له حرية االجتماع، ليس هو الترخيص فحسب، بل سلطة الإدارة في منع االجتماع قبل عقدة بحجة توقي إخالل باألمن، أما نتيجة الأقوال التي تبدي أو نتيجة ما يحدثه .للاخلإاب نملأا ددهتي لعف در نم هتاذ عامتجلاا على أن تشريعات قليلة العدد هي التي حولت جهة الإدارة – صراحة – الحق في منع االجتماع قبل عقدة (2) غير أن القضاء في معظم الديمقراطيات قد أقر سلطة الإدارة في منع االجتماع قبل عقدة – رغم عدم النص عليها في قانون ما. ففي إنجلترا أقر القضاء منع عقد اجتماع عام قبل عقدة وبحجة توقي إخالل باألمن بإحدى وسيلتين (3) /1 وسيلة غير مباشرة، حيث يستخدم قضاء الصلح وسلطاته في تقييد الأشخاص الراغبين في عقد االجتماع بأخذ موثق عليهم في أن يسلكوا سلوكاً حسناً، أو أن يحافظوا على السلم. كما يستطيع القضاء إلزامهم بأن يدفعوا مبلغاً من المال على سبيل الكفالة ويفعل القضاء ذلك بناء على طلب من جهة الإدارة، استنادا إلى أدلة تقدمها إليه تثبت أنه لو عقد هوال الأفراد االجتماع، .نملأاب للاخإ كلذ ىلع بترتي فوسف وعندما يرفض راغبو عقد االجتماع ما يأمره به قاضي الصلح يتعرضون للحكم عليهم بالحبس لمدة ال تتجاوز ستة اشهر. /2 أما الوسيلة المباشرة في منع عقد االجتماع – توقيا من إخالل محتمل باألمن فقد تقررت بالحكم المهم في قضية JOWCS-1P36 .DUNCAN على أن القضاء ال يكتف بإقرار هذه السلطة الخطيرة بل أقر حق البوليس في حضور االجتماعات، والتي عقدت في أماكن خاصة. اذا هو توقع حدوث إخالل باألمن، أو حتى وقوع مخالفه للقانون(4) وفي فرنسا: على الرغم من حرية االجتماع تخضع لنظام الأخطار. إال أن القضاء الإداري، اقر سلطة الإدارة أن تمنع ممارسة هذه الحرية توقياً إلخالل محتمل باألمن – الحكم في قضية Benjamin-1935 وهذا يعني حظر ممارسة الحرية ال بسبب اضطراب حال فحسب، بل بسبب اضطراب محتمل أو التهديد بوقوعه. أما الواليات المتحدة: فلئن كانت المحكمة االتحادية العليا قد أنكرت في قضية Hague كمبدأ – سلطة الإدارة في منع عقد اجتماع عام قبل عقده بحجة توقي إخالل أن يحدث كرد فعل لعقد هذا االجتماع من خصوم عاقدي االجتماع. إال أن موقفها في أحكام أخرى يدل على أنها ال تمانع من إقرار هذه السلطة في بعض الحاالت(5) وخالصة الأمر لم تعد حرية عقد االجتماعات بأحسن حاالً من حرية تكوين الجمعيات سواء في قيامها أو في إنهائها، بل وربما كان تطورها اكثر لفتاً لألنظار. فلقد صارت مرهونة فعالً بمشيئة الإدارة. لألسباب المتقدمة – في معظم الأحيان اكثر تأثراً باالعتبارات السياسية منها باعتبارات الأمن، سواء في إصدار الترخيص، أو االمتناع عن إصداره مثل ما هو شأنها –أيضا في الإبقاء على االجتماع أو إنهائه. (1) أنظر حسين جميل – حقوق الإنسان والقانون الجنائي - المرجع السابق ص (69) (2) ومن قبيل ذلك قانون االجتماعات المصري للعام 1929م. فقد سلم لرجال الإدارة (المركزية والمحلية) بسلطة منع إلى اجتماع " إذا راوا إن من شأنه أن يترتب عليه اضطراب في النظام أو الأمن العام، بسبب الغاية منه، أو بسبب ظروف الزمان والمكان المالبسة، أو بأي سبب خطير غير ذلك " (3 )45 P. CONSTITYTION OF LAW THE DICEY: نقالً عن أحمد جالل حماد – حرية الرأي المرجع السابق ص (.3 6) (4) د. محمد عصفور، الحرية، المرجع السابق ص(145) . (5) انظر قضية 1944 s u. ,337 chieogo. v. Terminicllo وكذلك قضية 315 s u. 34. yourk New v. Feiner وإن كانت هاتان القضيتان خاصتين باجتماع شرع في عقدة ووجه فيه إلى كل من الخطيب تهمه السلوك غير النظام (conduct .disorderly . ) 23

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 24#ص-24

فضال عن ذلك فإن مدى حرية االجتماع صار يتوقف على نظره المشرع أو القاضي أو رجل الإدارة –في ضد السياسية العامة للبالد –إلى نفس المنظمة آلتي تطالب به. لذا لم تعد هذه الحرية حقا عاما بل صارت اقرب إلى االمتيازات إذ أنها ال تمنح لمن تشك سلطه الحكم في ميولهم السياسية.

النتائج والتوصيات

هدفي هنا أن أسجل أهم الخالصات التي توصل إليها الكتاب بعد هذه الرحلة الطويلة الممتعة في رياض حقوق الإنسان وهي: تعد حقوق الإنسان لإلنسان واجبات شرعية تصل إلى درجة الضرورات وتحميها عقوبات، وهي بهذا االعتبار تدخل في حمي هللا تعالى. وعليه ليس ألحد من البشر أن يعطلها أو يعتدي عليها، ويصبح بالتالي الذود عنها، وحمايتها وصونها قربي هلل.  إن الفارق بين غاية حقوق الإنسان في الفقه الإسالمي والقانون، يتمثل في أن الأولى غير قابلة للنقد والتغيير، فهي تقوم بوضع الأطر العامة والمبادئ الأساسية وتترك التفصيالت والجزئيات حسب التطور الزماني والتغيير المكاني بين ما تقوم دول التشريعات الوضعية بتعديد أوضاعها الأساسية لتنسجم مع مفاهيم المجتمع الجديدة المتطورة، وقد أدى ذلك إلى تغيير الهياكل الأساسية للنظام القانوني.  كما يتمثل الفارق في إرادة الشعب ورضاه، وسلطة الشعب المبنية على إرادته ورضاه في دول التشريعات الوضعية ال تحدها حدود. أما في التشريعات الإسالمية، فأرادت الشعب ورضاه يتعين أن ال تتضارب مع أحكام الشريعة الإسالمية. وبنا ًء عليه فإنه يجب على الحكام والمحكومين أن يخضعوا وهم يمارسون وظائفهم المتعلقة بالحريات إلى الحدود التي رسمتها لهم القواعد الشرعية.  يعتبر الدين الإسالمي هو الدين الوحيد الذي نص على الحريات عامها و خاصها بياناً لها وتحديداً لضماناتها دون طلب أو ثورة من الشعب ضد حاكمه أو انقالب ضد سلطة، عكس معظم النظم الوضعية التي جاءت وليدة أفكار وثورات وجهود أجيال من الفالسفة على مر السنين، كذلك لم يحدث في تاريخ الأنظمة والمذاهب المعروفة أن جيء بالنظرية والتطبيق معا. إذ أن الفارق بين النظرية والتطبيق مراحل طويلة من عمر الإنسانية تختبر فيها النظرية وتنجح أو تفشل حسب المعطيات التاريخية. إال الدين الإسالمي.  أنه ال يوجد في النظام الإسالمي ما يحول دون الأخذ باآلليات المعمول بها في الديموقراطيات الوضعية مثل االستفتاء الشعبي أو نظام المفوض البرلماني وبعض نظم االنتخابات، فهذه مجرد عملية إجرائية لسلطات الدولة على تعددها، فهو مبدأ تنظيمي مجرد ال يطرح فكراً أو مبادئ تخالف الشريعة الإسالمية في جوهرها بل قد يترتب على الأخذ بها بعض النتائج الإيجابية التي تكفل حسن سير وإدارة أمور الدولة وإيجاد ضمانه للحريات العامة.  يمثل مبدأ القانون الوضعي ضمانه هامة وجدية لإلفراد في مواجهة السلطة، حيث يكونون بمقتضاها في مأمن من أن تعتدي عليهم الدولة على خالف ما يجيزه القانون أو بأكثر مما يرخص به. وتظهر أهمية هذا المبدأ متي ما اخذ في االعتبار ما هو مسلم به من أن للسلطة امتيازات متعددة، تكفل لها وحدها حق الأمر والنهي بإرادتها الذاتية الملزمة ثم التنفيذ المباشر ألوامرها ونواهيها، وفضال عن حيازتها لآلليات التي تمكنها من وضع قراراتها وضع التنفيذ الجبري. فإنه وفي مقدرتها - أي كان نوعها وطريقة وصولها إلى سدة الحكم - أن تصوغ الظلم قواعد. وتنسج الباطل قوانين تنتهك في ظلها الحريات وحرمات، وترتكب باسمها الجرائم. وهكذا يظل القانون عاجزا من إقامة شرعية فعلية للناس. أما الفقه الإسالمي تجد الشرعية قيمتها واحترامها إذا كانت السلطة 24

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 25#ص-25

والشعب يخضعان لسلطة أعلى منهما، اقوي واكبر وكان القانون من وضعه. الذي ال مبدل لكلماته وكل من بعده - عابد ومطيع- تلك هي الشرعية المأمولة.  من كل ما تقدم من فوارق بين الفقه الإسالمي والقانون الوضعي يظهر التفوق لألول في شأن الحرية، فتكون المقدمات التي تسلم بالضرورة إلى النتيجة الهامة التي تتمثل في تفوق الإسالم وارتقائه في أحكامه وموجهاته المتعلقة بتلك الحرية على ما عداه من سائر الأنظمة الوضعية.  أن الفلسفة التي تستند عليها مفاهيم الحرية العامة في دول الغرب المسيحي، غريبة عن مجتمعاتنا باعتبار أنها تجد سندها التاريخي في الفلسفة اليونانية والرومانية المرتكزة على مذهب القانون الطبيعي. هذه الأفكار والفلسفات الوجود لها في ارثنا الثقافي الذي يستند على مفاهيم دينة وعقائدية تختلف على ما هو معروف لدي المجتمعات الغربية بصفة عامة. ويظهر تأثير الثقافة الغربية بوضوح في المسائل المتناولة للحريات العامة، رغم أنه ينشأ في بيئة ثقافية وحضارية لها نماذجها الحضارية والمعرفية المختلفة، ولكنه ومع هذا نجد نمازج أخرى تحاول أن تفرض نفسها على مجتمعه، وعلى وجدانه وفكره منذ نهاية القرن الثامن عشر مع انتشار الإنسان الغربي التدريجي في العالم من خالل التشكيل االستعماري -بصوره المتعددة- وقيامه بتدويل وعولمة نماذجه الحضارية والمعرفية.  وبدأ أيضا ما يسمي بالغزو الثقافي، الذي هو محاولة الإنسان الغربي فرض نماذجه هذه على شعوب العالم. هذه النماذج الثقافية ليس لها بالضرورة عالقة قوية بواقع شعوب العالم الإسالمي وغالبة شعوب الأرض. وهي لهذا السبب ليست قادرة على التفاعل مع هذا الواقع. أو على الإسهام في تفسيره أو تغييره، وبل يؤدي تبنيها أحيانا إلى تدميرها  أن اختالف الأفكار العقائدية وااليدلوجية في القانون الوضعي تعكس اختالف الرأي بين أولويات حقوق الإنسان الواجب اتباعها.  إن الحرية بدون تدخل السلطة العامة لتنظيمها تجعل منها فوضي، ويجب أن يعطي التنظيم القانوني للحرية إمكانية الوجود الواقعي لها، فضال عن تسهيل ممارستها.  إن ما تقرره النظرية الديموقراطية من أن قيود حقوق الإنسان ال تستوحي من االعتبارات إال ما كان متصال بحماية أمن الجماعة ونظامها المادي، تكذبه التشريعات الديموقراطية المعاصرة والتي صارت في معظمها تكره النقد حتى ولو لم يؤدي إلى إخالل باألمن أو التحريض عليه - خاصة في حريات التعبير- ويبرز ذلك بصفة أخص بالنسبة للرأي المعارض ألسس النظام االجتماعي واالقتصادي والسياسي، فهو يؤثم حتى ولو لم يبلغ درجة الفعل الإجرامي أو المحرض على ارتكابه أو المهدد به. ومهني ذلك أن بعض اآلراء واألفكار تجرم في ذاتها ال بسبب الإخالل باألمن أو االعتداء على النظام وإنما افتراضا الحتواء الرأي على الخطر أو انطواء المذهب المعني على االنقالب. وعليه يمكن التوسع في فكرة النظام العام بحيث تشمل حماية نظم الدولة السياسية من مجرد اآلراء المعارضة.  إن الحريات تتأثر بالظروف الطارئة التي تتعرض لها الدولة سواء في التشريعات الإسالمية أو الوضعية. هذا التأثر يتفاوت من ناحية الحجم والمدة الزمنية وجسامة الضرر تبعا للظروف التي تفرض فيها القيود على الحرية العامة.  أن للحرية معني إيجابي يرتبط بمدلول معين للنظام العام ، حيث ال ينظر إلى الحرية على أنها مجرد تقدير المرء لما يجب أن يجري عليه سلوكه تقديرا نابعا من إن للحرية هدفا اجتماعي ترتبط به كما أن فكرة المصلحة العامة نفسها فكرة مطلقة ذات مضمون نسبي، بمعني أنها ال تتغير من مجتمع إلى آخر وال من زمان إلى زمان بل إن كل ما يغير هو 25

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 26#ص-26

مضمونها فحسب، باعتبار إن الحياة العامة في كل المجتمعات يحدوها تصور لما يكون عليه الصالح العام. ولتحقيق وتنزيل ما يتعلق بشئون حقوق الإنسان على صعيدنا الوطني البد من إجراء اآلتي من التوصيات:  البد من إقرار حقوق الإنسان في الدول النامية والعمل على تقويمها وتطويرها، بحيث تتفق وخصائص هذه المجتمعات واختياراتها السياسية واالقتصادية واالجتماعية والثقافية من جهة، واالنقطاع عن الرابط االستعمارية الغربية من جهة أخرى. لتقديم مفاهيم جديدة لحقوق الإنسان وحرياته العامة وتمنحها بعدا جديدا ومجاالت عديدة وتشمل مفاهيم لم ينص عليها في االتفاقيات والمعاهدات الدولية. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية يتعين على الدول إن ال تعطل حقوق الإنسان بحجة إنها تعطي الأولوية حل مشاكلها االقتصادية واالجتماعية، إلى الدرجة التي تسيطر فيها تلك الدول على مقدرات الأمر بها، مما يؤدي تواري حقوق المواطنين وحرياتهم خلف مطالب التنمية.  البد من إعادة النظر في الفرضية المنهجية في البحوث والدراسات والتي مفادها إن الباحث شخص مجرد بال هوية وال ثقافة وال عقيدة، وال أفكار مسبقة، بل هو مجرد مرآة تنعكس فيها حقائق الكون والوجود كانعكاس الأشياء على سطح المرأة. إذ ال تزال هذه الفكرة تسيطر على معظم علماء هذه الأمة باعتبارها فكرة علمية تسول لهم إن الحقيقة يمكن الإمساك بها والتعبير عنها بصورة كاملة من قبل الكاتب الموضوعي إذا التزم بمجموعة من القواعد المنهجية التي ينبغي أن يتبعها الكاتبون والتي تفترض التجرد من الأفكار. هذه الفكرة مجرد أداة غربية تم توظيفها في معظم الأحيان توظيفا استعماريا، لهدف التأثير على المسلمين في آرائهم وأفكارهم.  إذ يفترض في الباحث المسلم إن يري الحقائق من منظور الإسالم ومن واقع تجربته الشخصية ورؤيته الكلية والنماذج المنبثقة عنها، هذه الأبعاد ينبغي أن تشكل رؤية الكاتب المسلم وتحدد زاوية النظر والتحليل والتفكير، وتؤثر بدرجة أو أخرى على نتيجة تحليله وطريقة فهمه وتفسيره.  وعلى المشرع وهو بصدد تنظيم الحرية إن يوائم بين الحرية وإمكانية ممارستها من ناحية ومقتضيات النظام االجتماعي والسياسي واالقتصادي الذي تقوم عليه الدولة. ذلك أن الحريات عامها وخاصها ليست نصوصا تدرج أو تزين بها الدساتير والقوانين فحسب، بل هي ممارسة فعلية وواقعية في المقام الأول، فالبد من إن تتيح السلطة قدرا من الحرية لتتداول بين الناس.  يتعين على السلطة عندما تتذرع بالظروف االستثنائية أو الصالح العام أو النظام العام لتجاوز الدستور أو القانون المنظم للحرية أو عند تعليق نصوصه أو حتى عندما تطرحه جانبا حينما يطرأ من الظروف ما يستدعي ذلك أن يكون هدفه -أي السلطة - تحقيق المصالح الفعلية والي تحقيق المصالح التي من أجلها رفعت النصوص التي تقيد الحرية ال لتحقيق مصالح النظام السياسي بمعناه الضيق على أن تظل الضوابط القانونية التي تحد من آثار الأضرار التي تعود على المواطنين قائمة مع عدم تحصين أعمال وتصرفات الإدارة من الرقابة القضائية وإيجاد الوسائل واآلليات القانونية الكفيلة بالرقابة على السلطة التي تفرض حاالت الطوارئ.  أنه من المتعين إدخال حقوق الإنسان بصفة عامة ضمن مناهج التدريس في الجامعات. قائمة بالمراجع - القرآن الكريم 26

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 27#ص-27

- السنة النبوية - أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450ه دار الحديث - القاهرة الماوردي، الأحكام السلطانية - الإمام عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي المعروف بابن كثيرابن كثير، تفسير القرآن العظيم، - محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَ ْرحالقرطبي، الجامع ألحكام القرآن، والمبين لما تضمن من السنة وأحكام الفرقان - احمد المناوي في الكنوزكنوز الحقائق في حديث خير الخالئق – طبعة قديمةبدون تاريخ - عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر بن محمد سابق الدين خضر الخضيري الأسيوطي المشهور باسم السيوطي : الصغير في احاديث البشير - الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبرانيالطبراني في المعجم الأوسط - نعيم عطية ، اعالنات حقوق االنسان والمواطن من التجربة الدستورية الفرنسية ، مجلة قضايا الحكومة ، العدد الثالث ، السنة السادسة1972 - عثمان خليل – القانون الإداري. إال نجلو مصرية عام (1957م) - ثروت بدري – القانون الإداري – عام (.198 م) – المجلد الثاني – النشاط الإداري - سعاد الشرقاوي – القانون الإداري – دار النهضة العربية – (1983م) - طعيمة الجرف، القانون الإداري، دار النهضة، القاهرة (1978م) ، - سليمان الطماوي – مبادئ القانون الإداري دار الفكر العربى للطباعة والنشر , 1979 - محمد عصفور – الدولة البوليسية المعاصرة – عام (1972م) - يس عمر يوسف – شرح قانون الإجراءات الجنائية للعام (1991م) . - عاطف البناء، حدود سلطات الضبط الإداري، مقال منشور في مجلة القانون واالقتصاد عام (1948م) العددين /3 4 - فتحي فكري، االعتقال الإداري، دار النهضة العربية عام (1989م) - عبدالحميدمتولي، الحرياتالعامة، ونظراتتطورهاوضماناتهاومستقبلها، منشأة. المعارف،. .1974 ، القاهرة. –. مصر - محمد سعيد إبراهيم، حرية الصحافة، دراسة في السياسة التشريعية وعالقتها بالتطور الديمقراطي. دار الكتب العلمية، القاهرة (1996م) ، ط1، - كرم شلبي، معجم المصطلحات الإعالمية، دار الشروق، القاهرة (1988م) - حسين جميل – حقوق الإنسان والقانون الجنائي - الرسائل العلمية - منيب ربيع ، ضمانات الحرية في مواجهة سلطات الضبط االداري ، القاهرة ، رسالة مقدمة لكلية الحقوق لجامعة عين شمس (منشورة) (1981) - سعد الدين الشريف، محاضرات في النظرية العامة للضبط الإداري، كلية حقوق القاهرة عام (1962م1963-م - محمود حسنين عبد العال، فكرة السبب في القرار الإداري، رسالة دكتوراه، القاهرة، عام (1974م - محمد الطيب عبد اللطيف، نظام الترخيص واألخطار في القانون المصري ودراسة مقارنة، رسالة دكتوراه منشورة، (1956م) - حرية الصحافة، رسالة دكتوراه (منشورة )لجامعة القاهرة 1982م التشريعات االساسية والقوانين السودانية - الجريدة الرسمية لجمهورية السودان العدد 1895 المؤرخ في 2019/10/3 – مرسوم دستوري رقم (38) باعتماد الوثيقة الدستورية للفترة االنتقالية 27

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 28#ص-28

- الدستور االنتقالي للعام والمادة 2005 - دستور السودان لعام (1998م) - قانون الشرطة السودانية للعام2008 - قانون التوالي السياسي السوداني للعام 1998م - قانون رخص التجار للعام (.193 م) - قانون الأمن الصناعي للعام (1976م) - قانون العالقات الصناعية للعام (1976م) - قانون ترخيص الوكالء التجارية ومراقبتهم للعام (1972م) - قانون المناجم والماجر للعام (1972م) - القانون الجنائي السوداني (1991م) - قانون الإجراءات الجنائية السوداني للعام 1974م - قانون الإجراءات الجنائية السوداني للعام 1983م - قانون تنظيم العمل باإلشاعات المؤينة السوداني للعام (1971م) رقم (69) - قانون الصيدلية والسموم السوداني عام (1963م قانون المجلس الطبي للعام (1973م) - قانون االجتماعات المصري للعام 1929م 28