مبدأ الالرجعة في المسؤولية المدنية: توجه جديد نحو إبقاء الحال على ما هو عليه نريمان بن سليمان)1(، (1) طالبة دكتواره، مخبر البحث حول فعلية القاعدة القانونية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم القانون الخاص، جامعة عبد الرحمان ميرة-بجاية، الج ازئر. البريد االلكتروني: [email protected] الملخص: يعتبر مبدأ الالرجعة مبدأ حديث نسبيا، يستند على عدة مفاهيم ت شكل أساسا له، فاالعت ارف به كمبدأ قانوني يضمن الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة من الضياع، ويحقق التنمية المستدامة وحماية البيئة، حيث يجسد هذا المبدأ ظاهرة مجردة أساسها عدم القدرة على إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه. اهتم الفقهاء بمبدأ الالرجعة في السنوات الأخيرة، نتيجة ت ازيد الأخطار غير القابلة لإلصالح في الوقت الحالي، إال أنه ال ي ازل مهمشا ضمن قواعد المسؤولية المدنية، حيث ال يجد مكانا في نظامها الحالي الذي وضع أساسا لتحقيق الوظيفة التعويضية، فظهرت الحاجة إلى البحث على أساس جديد للمسؤولية المدنية، ي ع زز الوظيفة الوقائية ويقوم على مبدأي الوقاية والحيطة، وذلك لتفادي وقوع الأض ارر التي ال رجعة فيها، وإبقاء الحال على ما هو عليه. الكلمات المفتاحية: الالرجعة، مبدأ الحيطة، الوقاية، الخطر المحتمل، المسؤولية المدنية. تاريخ إرسال المقال: 1510/21/50، تاريخ قبول المقال: 1512/52/22، تاريخ نشر المقال: 1512/52/30 المؤلف المارسل: نريمان بن سليمان، [email protected] المجلد 71، العدد 0102-17
مبدأ اللارجعة في المسؤولية المدنية: توجه جديد نحو إبقاء الحال على ما هو عليه
ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)
يعتبر مبدأ اللارجعة مبدأ حديث نسبيا، يستند على عدة مفاهيم تُشكل أساسا له، فالاعتراف به كمبدأ قانوني يضمن الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة من الضياع، ويحقق التنمية المستدامة وحماية البيئة، حيث يجسد هذا المبدأ ظاهرة مجردة أساسها عدم القدرة على إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه. اهتم الفقهاء بمبدأ اللارجعة في السنوات الأخيرة، نتيجة تزايد الأخطار غير القابلة للإصلاح في الوقت الحالي، إلا أنه لا يزال مهمشا ضمن قواعد المسؤولية المدنية، حيث لا يجد مكانا في نظامها الحالي الذي وُضع أساسا لتحقيق الوظيفة التعويضية، فظهرت الحاجة إلى البحث على أساس جديد للمسؤولية المدنية، يُعزز الوظيفة الوقائية ويقوم على مبدأي الوقاية والحيطة، وذلك لتفادي وقوع الأضرار التي لا رجعة فيها، وإبقاء الحال على ما هو عليه. The principle of irreversibility is a relatively recent development, it is grounded in conceptual foundations such as the rights of future generations and sustainable development, this principle represents an abstract notion, expressing the inability to restore the previous state of affairs once certain events or damages have occurred. The growing number of irreversible risks in recent years has led to greater legal awareness of irreversibility among jurists, however, this principle has yet to find its place within the framework of civil liability, which remains largely based on its compensatory function, and it is therefore time to seek new foundations for liability—ones that strengthen its preventive dimension, drawing on the principles of prevention and precaution, in order to preserve the existing balance
بن سليمان, نريمان، "مبدأ اللارجعة في المسؤولية المدنية: توجه جديد نحو إبقاء الحال على ما هو عليه"، Revue Académique de la Recherche Juridique، مجلد 17، عدد 1، ص ص 242-259.
متن الدراسة والتحليل الفقهي
18 صفحات مرقمةThe Principle of Irreversibility in Civil Liability: A New The Principle of Irreversibility in Civil Liability: Towards Preserving the Status Quo Abstract: The principle of irreversibility is a relatively recent concept, grounded in several foundational notions, including the protection of the rights of future generations, sustainable development, and environmental preservation. It reflects an abstract legal idea based on the impossibility of restoring the previous state once certain damages or events have occurred. In recent years, growing attention has been paid by legal scholars to this principle due to the increasing emergence of irreversible risks. However, it remains marginal within the framework of civil liability, which is still primarily oriented toward its compensatory function. This has led to the need to rethink the foundations of civil liability by strengthening its preventive dimension, based on the principles of prevention and precaution, in order to avoid irreversible damage and maintain the existing state of affairs. Keywords: Irreversibility, Precautionary Principle, Prevention, Potential Risk, Civil Liability. Le principe d’irréversibilité en matière de responsabilité civile : une nouvelle approche pour maintenir le statu quo Résumé : Le principe d’irréversibilité constitue un principe relativement récent. Il repose sur des fondements conceptuels tels que les droits des générations futures et le développement durable. Ce principe renvoie à un phénomène abstrait traduisant l’impossibilité de revenir au statu quo ante. La multiplication des risques irréversibles apparus au cours des dernières décennies a favorisé une prise de conscience croissante de la notion d’irréversibilité par les juristes. Toutefois, ce principe peine encore à trouver sa place parmi les fondements de la responsabilité civile, laquelle demeure essentiellement attachée à sa fonction réparatrice. Dès lors, il apparaît nécessaire de rechercher de nouveaux المجلد 71، العدد 0102-17
fondements sur lesquels la responsabilité pourrait être établie et de renforcer sa fonction préventive, fondée sur les principes de prévention et de précaution, afin de préserver le statu quo et d’éviter la réalisation de dommages irréversibles. Mots clés : Irréversibilité, Principe de précaution, Prévention, Risque potentiel, Responsabilité civile.
خّلف التطور التكنولوجي واالزدهار العلمي السريع أخطا ار حديثة لم تكن معروفة من قبل، فالمخاوف التي كان ِ يحذر منها العلماء ج ارء التجارب العلمية واالستلالل المفرط للموارد الطبيعية أصبحت حقيقة علمية ال يمكن إنكا رها، حيث تؤدي أغلب هذه الأخطار إلى أض ارر جسيمة ال رجعة فيها، تهدد الأجيال الحالية والمقبلة باستحالة . العودة إلى الوارء يقضي مبدأ الالرجعة بالحفاظ على الثروات والموارد الطبيعية وكل ما يتمتع به الأجيال الحالية، ونقله لألجيال الالحقة، وعدم المساومة بها مقابل تطوير العلم، ويهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة، وهو من المبادئ الحديثة الأكثر غموضا وإبهاما، نظ ار لتعلقه بظاهرة مجردة وغالبا ما يرتبط بالضرر المحتمل والذي لم يحدث بالفعل، وهو ما يزيد من صعوبة تقديره وتحديد مالمحه. تقف النصوص القانونية قاصرة على حل مشكلة الالرجعة، حيث أن قواعد المسؤولية المدنية التقليدية القائمة ّ على الوظيفة الإصالحية، لم تخصص أي نص للضرر الذي ال رجعة فيه ولم تضع أحكاما خاصة به، فأخضعته ألحكام الض رر العادي، كما أن بعض النصوص الدولية والوطنية المتفرعة ذكرت هذا النوع من الضرر عند ّ . الحديث عن مبدأ الوقاية ومبدأ الحيطة، إال أن ذلك لم يكن كافيا إلدماجه ضمن نظام المسؤولية المدنية تعاني المسؤولية المدنية في الوقت الحالي من أزمة أمام شبح الالرجعة، حيث يتدخل مبدأ الالرجعة ليختبر جميع أحكامها، ومدى صمودها أمام الأض ارر الحديثة، بداية من أساسها القانوني وصوال لوظيفتها التعويضية، لذلك يجب البحث عن مدى إمكانية إدماج مبدأ الالرجعة ضمن نظام المسؤولية المدنية دون المساس بجوهر قواعدها التقليدية؟ باالعتماد على المنهج التحليلي، يتناول البحث محاولة تجميع شتات مبدأ الالرجعة لفهم ماهيته، (مبحث أول)، ويبين تأثيره على أحكام المسؤولية المدنية (مبحث ثان). المجلد 71، العدد 0102-17
ِ أصبحت الالرجعة حقيقة علمية ال يمكن إنكار وجودها، ونظ ار لخطورتها التي ال ت ازل تت ازيد، اهتم الباحث ون بها، رغم أنها ال ت ازل مهملة في الأنظمة القانونية، باألخص في القوانين الج ازئرية، حيث ال نجد أي نص قانوني َ ّ خاص بالضرر الذي ال رجعة فيه ضمن الأحكام العامة للمسؤولية المدنية، ولم تتناوله الأحكام القضائية. يمكن التعرف على هذا المبدأ وإ ازلة اللموض الذي يدور حوله من خالل بيان الأسس المفاهيمية والخصائص ّ التي توضح معناه، وكذلك أسس تطبيقه . ّ
ِ ت عَّرف الالرجعة عادة من خالل ذكر م اردفاتها، حيث أن الالرجعة هي عدم القدرة على العودة إلى الحالة السابقة، وتذكر كصفة للضرر، فالضرر الذي ال رجعة فيه هو الضرر الدائم أو الضرر غير القابل لإلصالح، لكن معنى مبدأ الالرجعة في القانون يظهر من خالل أسسه المفاهيمية، وعناصره التي ينفرد بها عن غيره.
يتحدد مفهوم الالرجعة من خالل ربطه بالمفاهيم التي تعتبر أساس وجوده، فيمكن القول أنه مبدأ وضع لحماية ّ حقوق الأجيال القادمة، وتحقيق التنمية المستدامة.
تظهر مظاهر الالرجعة تدريجيا، فعواقبها تمس الأجيال القادمة أكثر من الحالية 1 ، والحفاظ على حقوق الأجيال القادمة يقتضي الت ازم الأجيال الحالية بحماية الت ارث الطبيعي والثقافي قدر الإمكان، والحفاظ على الموارد الطبيعية 2 لمنع اختفاء االحتياجات الأساسية على الأقل ، وذلك لتوفير نفس الخيا ارت التي تتمتع بها الأجيال الحالية لألجيال المستقبلية عن طريق تجنب تدميرها بشكل ال رجعة فيه.
4 3 يعتبر حق الأجيال المستقبلية حقا معترفا به د وليا، حيث ذكر في إعالن ستوكهولم ضمن المبدأ الأول الذي 5 بيَّن أن الإنسان يتحمل مسؤولية جسيمة لحماية البيئة وتحسينها لألجيال الحالية والمقبلة، وفي المبدأ الثاني الذي 6 نص على إل ازمية حماية عناصر البيئة لصالح الأجيال الحالية والمقبلة، وداخليا اعترف الدستور الج ازئري ص ارحة بهذا الحق، وذلك من خالل ثالث فق ارت من ديباجة الدستور 7 ، ونص المادة 36 منه 8 ، وذلك يعكس اهتمام الدولة بحماية هذه الحقوق. تسعى الج ازئر على غ ارر الدول الأخرى حاليا للموازنة بين حماية حقوق الأجيال الالحقة ومنعها من الضياع، وبين عدم عرقلة التطور التكنولوجي والتنمية عن طريق ما يسمى بالتنمية المستدامة.
نها تلك التنمية التي تّلبي حاجيات ّ رفت اللجنة العالمية للبيئة والتنمية في 7891، التنمية المستدامة على أ ّ ع َ الحاضر دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة في تلبية حاجياتهم 9 ، أي أنها عملية يتم فيها تحديد طرق استلالل الموارد الطبيعية، بطريقة معقولة، وبطرق آمنة ال تضر بمستقبل الأجيال وأمنهم وتحمي البيئة 10 .
واحدة من 147887 أشارت عدة اتفاقيات إلى عدم إمكانية الإصالح، ولكن تعتبر اتفاقية حماية جبال الألب 15 القالئل التي أثارت المدة الالزمة لإلصالح في ديباجتها ، حيث تنص على ما يلي: "مع العلم أن المطالب المتازيدة لإلنسان تهدد بشكل متازيد منطقة جبال الألب ووظائفها البيئية، وأن الضرر ال ّ ّ يمكن إصالحه إال بشكل استثنائي، بجهد كبير وتكاليف كبيرة، وكقاعدة عامة، فقط على مدى فتارت زمنية طويلة". ِ اهتم كذلك المنشور رقم: CRIM/2015-9/G416 الصادر في 5172 ضمن الإطار االج ارئي للمعالجة القضائية لألض ارر التي تلحق بالبيئة بالنطاق الزمني، حيث ينص أنه: ّ "من الضروري أن يؤخذ في الحسبان النطاق الزمني الذي يحتمل في نهايته إعادة استيعاب الضرر، من بضعة أيام إلى عدة عشارت أو حتى مئات السنين، ينبلي تفضيل المالحقات القضائية عندما يكون الضرر الذي يلحق بالبيئة غير قابل لإلصالح أو ال يمكن إصالحه خالل فترة زمنية معقولة". نالحظ أنه لم يتم تحديد المدة التي يعتبر فيها الضرر ال رجعة فيه، فلم يضع أي نص قانوني ولم يصدر أي اجتهاد قضائي معيا ار يحدد المدة الزمنية الطويلة، أو غير المعقولة، ومنه يرجع ذلك للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع.
ّ نكون أمام ال رجعة عندما يتم تجاوز عتبة معينة، ويمكن تعريف العتبة على أنها الحد الذي إذا تم تجاوزه ينتج عنه ضرر غير قابل لإلصالح، وقد يكون قيمة كمية أو معيا ار مرجعيا يسهل فهم القاعدة القانونية وتطبيقها، ّ وتتجسد الحدود في الالرجعة في وضع تدابير لتنظيم استلالل الموارد، إذا تم تجاوزها سيتم الإض ارر بالبيئة ّ والصحة بشكل ال يمكن فيه العودة إلى الحالة الأولية، مثل تجاوز العتبة المحددة لصيد الأسماك، ما يؤدي لتهديد . 17 المو رد ، التي 18 نجد العتبة في العديد من االتفاقيات، كاتفاقية التجارة الدولية فيما يتعلق باألنواع المهددة باالنق ارض ّ ه: ّ َذكرت الأنواع المهددة باالنق ارض في الملحق الأول منها، ونصت في المادة 5 على أن 14 اتفاقية جبال الألب، متوفر على الموقع: https://web.archive.org/web/20170412061725/http://www.alpconv.org/sl/publications/alpine/Docu 1513 50 52 ments/AS1_sl.pdf تم االطالع عليه يوم: / / .
"يشتمل الملحق الأول على كل الأنواع المهددة باالنقارض والتي تتأثر أو يحتمل أن تتأثر بالتجارة، ويجب أن تخضع التجارة في عينات هذه الأنواع لتنظيم صارم خاص حتى ال يتعرض أكثر من ذلك بقاهها للخطر. ويجب أال يسمح بالتجارة فيها إال في حاالت استثنائية. " يتم تحديد العتبات باالستناد إلى أفضل التقنيات المتواجدة في الوقت الحالي، فحسب اتفاقية حماية واستخدام 19 المجاري المائية العابرة للحدود والبحي ارت الدولية ، يتعين وضع حدود النبعاثات التصريفات في المياه السطحية ّ من المصادر الثابتة استنادا إلى أفضل التكنولوجيا المتاحة 20 ، ويجب أن تكون هذه الحدود مرنة، للتمكن من م ارجعتها وفقا لحالة البيئة 21 ، والتقدم التكنولوجي والتقنيات التي توفر اليقين العلمي. ّ تعتبر المصالح االقتصادية والمالية كذلك معيا ار لوضع عتبات الالرجعة، حيث أن الضرر الذي ال يمكن ّ إصالحه إالّ بتكلفة باهظة غير قابلة للتحقيق وفقا للقد ارت المالية للدول، يكون ضر ار ال رجعة فيه 22 ، وهو ما 24 23 ت ؤكده ديباجة اتفاقية جبال الألب سابقة الذكر ، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تلير المناخ ، حيث تنص المادة 16 منها على وجوب اتخاذ تدابير وقائية حيثما توجد تهديدات بحدوث ضرر جسيم أو غير قابل لإلصالح، على أن يؤخذ في االعتبار أن هذه التدابير ينبلي أن تتم بفعالية الكلفة، بما يضمن تحقيق منافع عالمية بأقل كلفة ّ ممكنة. ينتقد بعض الفقهاء االعتماد على العتبة، ويستندون في ذلك على أن لها طابعا تعسفيا نظ ار لعدم اليقين المالزم ّ لظاهرة الالرجعة، فال يجب تعميمها بل يتم تحديدها حسب درجة الضرر في كل حالة، فتستخدم كأداة مساعدة . 25 التخاذ الق ارر وليس كحل مطلق لمشكلة الالرجعة، ويستخدمها القاضي لوصف خطورة الوضع فقط Gaborone, le 30 avril 1983, In : https://cites.org/sites/default/files/fra/disc/CITES-Convention- FR.pdf Consulté le 18 Novembre 2023.
تظهر الالرجعة في الأض ارر غير القابلة لإلصالح، سواء بفعل الإنسان أو الطبيعة، هذه الأض ارر قد يكون حدوثها مؤكدا علميا، وهي موضوع مبدأ الوقاية، ولكن يندر أن تكون الالرجعة مؤكدة في النشاطات الحديثة نظ ار لسرعة التطور التكنولوجي، حيث ظهرت أخطار حديثة ومعقدة يصعب الإحاطة العلمية بكل جوانبها ألن المعرفة ّ الحالية غير كافية، لذلك ظهر مبدأ الحيطة لمواجهة هذه الأخطار واالحتياط منها.
يقضي مبدأ الوقاية بإل ازم كل شخص قد يلحق ضرار جسيما بالبيئة بم ارعاة مصالح اللير قبل التصرف، 26 باستعمال أحسن التقنيات المتاحة، وبتكلفة اقتصادية مقبولة ، وهو مبدأ معترف به دوليا في المجال البيئي، حيث نجده في العديد من االتفاقيات، منها اتفاقية التنوع البيولوجي 27 في الفقرة 19 من الديباجة والتي تنص: "وإذ نالحظ أهمية توقع الأسباب المؤدية النخفاض التنوع البيولوجي أو خسارته على نحو خطير، ومنع تلك الأسباب والتصدي لها عند مصادرها". نجد مبدأ الوقاية في القانون الج ازئري تحت مسمى "مبدأ النشاط الوقائي وتصحيح الأضارر البيئية باألولوية عند المصدر" وذلك في قانون حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة 28 ، حيث جاء في المبدأ الخامس من المادة
"مبدأ النشاط الوقائي وتصحيح الأضارر البيئية باألولوية عند المصدر، ويكون ذلك باستعمال أحسن التقنيات المتوفرة وبتكلفة اقتصادية مقبولة، ويلزم كل شخص يمكن أن يلحق نشاطه ضرار كبيار بالبيئة، مارعاة مصالح اللير قبل التصرف". نالحظ غياب مصطلح الالرجعة أو معناه في تعريفات مبدأ الوقاية، والذي يقوم على الضرر الكبير، إال أننا ال يمكن أن ننكر أنه أساس قانوني لّالرجعة، فالضرر الجسيم بالبيئة قد يكون ال رجعة فيه، بل يعتبر أكثر الحاالت التي تستوجب الوقاية، لتفادي الضرر الذي ال يمكن إصالحه، فكل ضرر ال رجعة فيه هو ضرر كبير. يكون تطبيق مبدأ الوقاية في حالة توفر يقين بوجود أخطار مؤكدة ثابتة علميا وتجريبيا، حتى ولو كان وقت حدوثها غير مؤكد 29 ، وذلك عن طريق وضع آليات تسمح بم ارعاة خطر الالرجعة، ويمكن أن تكون الإج ارءات 26 لحسين بن شيخ آث ملويا، نظام المسؤولية في القانون الإداري، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، الجازئر، 1523 ، ص 205 . 2990 52 223 90 27 مرسوم رئاسي رقم - مؤرخ في يونيو ، يتضمن المصادقة على االتفاقية بشأن التنوع البيولوجي الموقع عليها 2990 28 31 2991 50 في ريو دي جانيرو في يونيو سنة ، ج.ر.ج.ج عدد ، صادر في يونيو . 28 قانون رقم 53 - 25 ، المرجع السابق. 29 بن خليفة الحبيب، "الحماية القانونية التي يوفرها مبدأ الوقاية والحيطة للبيئة والصحة العامة"، المجلة الإفريقية للدارسات القانونية 220 1512 51 50 والسياسية، جامعة أحمد د ارية أدارر، المجلد ، العدد ، ، ص . المجلد 71، العدد 0102-17
منصوصا عليها في القانون مثل نظام القوائم التي تحدد الأنواع أو المناطق المهددة وآليات منع الإض ارر بها المذكورة في االتفاقيات الدولية 30 ، كاتفاقية التجارة الدولية فيما يتعلق باألنواع المهددة باالنق ارض سابقة الذكر. ٍ يبقى مبدأ الوقاية غير كاف، وال يمكن االعتماد عليه وحده لحماية البيئة من حاالت الالرجعة، ألنها ظاه رة غارقة في عدم اليقين، حيث أن الالرجعة صفة للضرر تظهر بعد مدة زمنية طويلة من وقوع الفعل المسبب لها وتكون مالزمة لعنصر االحتمال خاصة في الأض ارر الحديثة التكنولوجية وفي الأض ارر البيئية المحضة، ولهذا ظهر مبدأ الحيطة.
يمنع مبدأ الحيطة حدوث أض ارر تكون عواقبها غير معروفة لعدم توفر اليقين العلمي في الوقت الحالي، أو الجدل العلمي حول عواقبها الحقيقية، وذلك من خالل فرض اتخاذ كافة الإج ارءات الوقائية لتفاديها د ون انتظار التيقن منها، فال يمكن االنتظار حتى تكون العواقب واضحة إلى وقت يكون قد فات فيه الأوان وال تنفع فيه هذه . 31 التدابير، لعدم إمكانية إصالح الأض ارر يعتبر مبدأ الحيطة حديثا نسبيا في القانون عامة، وموضوع للنقاش في القانون الدولي البيئي خاصة، نظ ار لتعقيده وعدم االتفاق على مفهوم موحد له، وحول قيمته القانونية، وقد اعترف القانون الدولي بمبدأ الحيطة في العديد من المؤتم ارت واالتفاقيات الدولية، وبعدها دخل في القوانين الداخلية للدول. تعتبر الالرجعة عنص ار أساسيا في مبدأ الحيطة، حيث نجدها كشرط في أغلب النصوص القانونية المتعلقة به، ولكن ال يقتصر تطبيقه فقط على الأض ارر التي ال رجعة فيها، بل يتم فرض تدابير وقائية على الأض ارر الجسيمة، والتي قد تكون غير قابلة لإلصالح عند ت اركمها 32 . نالحظ اختالف النصوص القانونية في تحديد درجة الضرر المطلوبة لتطبيق مبدأ الحيطة، حيث نجد أن إعالن ّ 33 ستوكهولم الذي يعتبر أول ظهور ضمني لمبدأ الحيطة ذكر مجموعة من التدابير االحتياطية ضمن مبادئه، وأّكد
35 34 من خالل ديباجته أن الجهل والالمباالة قد يلحق ضرار جسيما ال رجعة فيه ، وينص الميثاق العالمي للطبيعة ّ ص ارحة في المادة 77 منه على وجوب تجنب الأنشطة التي يحتمل أن تلحق أض ارار ال يمكن عالجها أي ال رجعة 36 فيها، أما إعالن مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية ريو دي جانيرو وإعالن برغن الوازري بشأن التنمية 38 37 المستدامة واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تلير المناخ ، ميزت بين الضرر الجسيم وغير القابل لإلصالح ّ حيث اشترطت لتطبيق المبدأ أن يكون الضرر جسيما أو غير قابال لإلصالح 39 ، فيفهم من ح رف "أو"، أنه يمكن تطبيق المبدأ في الضرر الجسيم حتى ولو لم يكن ال رجعة فيه. اكتفى المشرع الج ازئري باشت ارط الضرر الجسيم لتطبيق مبدأ الحيطة، ولم يميز بين الضرر الجسيم والضرر الذي ال رجعة فيه، فالقانون رقم 71-16، المتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة 40 ، يشترط لتطبيق مبدأ الحيطة وجود افت ارض خطر الأض ارر الجسيمة المضرة بالبيئة 41 ، والقانون 51-10 المتعلق بالوقاية من الأخطار 42 الكبرى وتسيير الكوارث في إطار التنمية المستدامة ، يشترط الخطر الذي يهدد الممتلكات واألشخاص والبيئة 2 34 تنص الفقرة من الديباجة: "لقد وصلنا إلى نقطة في التاريخ حيث يتعين علينا أن نشكل تصرفاتنا في جميع أنحاء العالم بمزيد من العناية الحكيمة بعواقبها، من خالل الجهل والالمباالة، يمكننا أن نلحق ضرار جسيما وغير قابل لإلصالح بالبيئة الأرضية"... 2941 19 35 الميثاق العالمي للطبيعة، مؤرخ في أكتوبر ، متوفر على الموقع:
على العموم 43 ، وذلك على عكس القانون الفرنسي الذي اشترط في قانون بارنييه 44 الضرر الخطير الذي ال رجعة فيه.45 نالحظ أن المشرع الج ازئري لم ينص على مبدأ الالرجعة، ومنه يطبق مبدأ الحيطة في حالة الضرر الجسيم ّ حتى وإن كان قابال لإلصالح. يطبق مبدأ الحيطة في حالة عدم اليقين العلمي، وقد يتعلق عدم اليقين بالخطر، أو ب اربطة السببية بين النشاط ّ وأثره المحتمل 46 ، ولكن ال يكون بافت ارض الأسوأ دائما، وأخذ االحتياطات على أساس ذلك، بل يجب أن يكون مبنيا على شك معقول يعتمد على فرضية علمية موثوقة 47 ، دون وجود دليل علمي قاطع . يكون الق ارر الذي يتم اتخاذ التدابير االحت ارزية فيه في حالة عدم اليقين العلمي قابال للم ارجعة 48 ، ألن حالة عدم اليقين العلمي حالة قابلة للزوال بتطور الأبحاث العلمية والتطور التكنولوجي.49
تقوم المسؤولية المدنية على ثالث أركان، الخطأ، الضرر، والعالقة السببية بينهم، فإذا اجتمعت أركانها يكون على الشخص الذي ارتكب الخطأ الت ازم بتعويض المضرور، حسب نص المادة 750 من القانون المدني الج ازئري 50 ، التي تنص على ما يلي: "كل فعل أيا كان يرتكبه الشخص بخطئه، ويسبب ضرار باللير يلزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض". تعتبر هذه المادة المرجع الأساسي للمسؤولية المدنية عند إمكانية إثبات أركان المسؤولية، والقدرة على إعادة الحال إلى 43 بينت المادة 4 منه أن "مبدأ الحيطة والحذر الذي يجب بمقتضاه أال يكون عدم التأكد، بسبب عدم توفر المعارف العلمية والتقنية ّ ّ حاليا، سببا في تأخير اعتماد تدابير فعلية ومتناسبة ترمي إلى الوقاية من أي خطر يهدد الممتلكات واألشخاص والبيئة على العموم".
ما كان عليه أو التعويض عن الضرر، لكننا قد نكون أمام تناقض عند محاولة استعمال الوظيفة الإصالحية للمسؤولية المدنية في حالة الضرر الذي يكون أساسا غير قابل لإلصالح .
تطورت المسؤولية المدنية منذ ظهورها إلى غاية يومنا هذا بتطور الحياة االجتماعية، فقد كانت تقوم على الخطأ الواجب الإثبات كأساس حصري لها، لكن مع الوقت بدأ هذا الأساس بالت ارجع بظهور فكرة الخطأ المفترض سواء القابل إلثبات العكس أو غير القابل إلثبات العكس حسب حاالت المسؤولية، حتى ظهرت المسؤ ولية الموضوعية التي تعتبر الضرر أساسا لها دون حاجة إلثبات الخطأ، وبظهور أنواع جديدة من الأض ارر كاألض ارر البيئية المحضة، والتي يكون المضرور فيها ليس شخصا واحدا، ومصدرها متعدد، وتظهر بشكل مت ار ٍخ بعد مدة طويلة، وال رجعة فيها يثور التساهل حول مدى صالحية هذه الأسس.
نتحدث عن المسؤولية بكافة أنواعها عندما يكون لإلنسان دخل في إحداث الضرر الذي ال رجعة فيه، فيكون الضرر الحاصل بخطأ منه، والخطأ هو إخالل بالت ازم قانوني، أي كل عمل غير مشروع. حسب هذا التعريف يمكن تطبيق المسؤولية المدنية القائمة على الخطأ في حالة الضرر الذي ال رجعة فيه، بإثبات الخطأ، والذي يكون حسب نص المادة 752 من القانون المدني الج ازئري 51 بفعله أو بامتناعه وحتى لو كان بإهماله . 52 أو عدم حيطته يبدو ذلك تطبيقا مألوفا لقواعد المسؤولية المدنية، لكن بما أن الضرر الذي ال رجعة فيه ناد ار ما يكون مؤكد ّ الوقوع، وذلك ألنه يظهر بصفة تدريجية، كما يصعب إثبات مصدره الذي قد يكون ناتجا عن عدة أنشطة 53 ، ّ كتلوث البيئة، الذي يكون بصفة تدريجية ويأخذ عدة سنوات ليظهر ويتحقق بفعل عدة مصادر. ظهر مبدأ الحيطة لحل هذه المشكلة، وقد فرض الت ازمات لتفادي الضرر الذي ال رجعة فيه، باتخاذ جميع التدابير الوقائية حتى في غياب اليقين العلمي بحدوث الضرر، وأرى البعض أن بذلك يستعيد الخطأ مكانته بقوة، فيكون ّ أساسا للمسؤولية المدنية، فيكمن الخطأ في مخالفة تدابير الحيطة وااللت ازمات الجديدة التي تفرضها، كااللت ازم 04 00 51 أمر رقم - ، المرجع السابق. 52 تنص المادة على ما يلي: "ال يسأل المتسبب في الضرر الذي يحدثه بفعله أو امتناعه أو بإهمال منه أو عدم حيطته إالّ إذا كان ممياز". 53 كريم زينب وكريم كريمة، "مدى إمكانية تطويع القواعد العامة للمسؤولية المدنية للتطبيق على المنازعات البيئية"، مجلة البحوث 229 1528 52 58 العلمية في التشريعات البيئية، جامعة سيدي بلعباس، المجلد ، العدد ، ، ص . المجلد 71، العدد 0102-17
باإلعالم، اليقظة، وغير ذلك، فتكون مس ؤولية قائمة على خطأ عدم االحتياط المشدد 54 ، دون حدوث الضرر بالفعل، بل يكفي مجرد احتمال وقوع ضرر ال رجعة فيه. يبقى الإشكال مطروحا في حالة حدوث ضرر ال رجعة فيه نتيجة عمل مشروع، فال وجود لمخالفة أي الت ازم سابق، فهل يمكن أن يكون هذا الفعل موجبا للمسؤولية دون خطأ؟ بالرجوع إلى ق ارر محكمة االستئناف في باريس 7885، نجدها فرضت مسؤولية على طبيب أم ارض جلدية لفرض الإشعاع على مريض مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية رغم أن عواقب الإشعاع لم يكن معروفا لدى هؤالء ّ . 55 المرضى نتساءل هنا هل تعتبر المسؤولية في هذه الحالة مسؤولية دون خطأ، لعدم وجود أي الت ازم سابق خالفه الطبيب، أو مسؤولية عن خطأ عدم احتياط الطبيب؟ مع العلم أن عدم توفر اليقين العلمي يجعل من الطبيب غير قادر على ّ توقع الضرر، حتى ولو قام بكافة االحتياطات الممكنة، فال يعقل أن يع ّطل نشاطه وال أن يؤكد عدم احتمالية وقوع أي ضرر في كل نشاط يقوم به، ومنه لم يقم بأي خطأ.
تقوم المسؤولية الموضوعية على الضرر، دون إل ازمية إثبات الخطأ، حيث يصعب إثبات الخطأ وفاعله في حالة الأض ارر الناتجة عن الأخطار الحديثة، وذلك لتحقيق اللرض من المسؤولية المدنية المتمثل في حماية المضرور 56 وليس معاقبة الفاعل . يشترط لقيام المسؤولية المدنية أن يكون الضرر محققا، فإما يكون قد وقع فعال أم أنه مؤكد الوقوع، كما يجب أن يكون هذا الضرر مباش ار، أي أنه نتيجة طبيعية للفعل الضار، يظهر ذلك في نص المادة 795 من القانون المدني الج ازئري 57 التي تنص على ما يلي : "يشمل التعويض ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب بشرط أن يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بااللتازم أو التأخر في الوفاء، ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية إذا لم يكن في استطاعة الدائن أن يت وقاه ببذل جهد معقول". 54 بوشليف نور الدين وخالف فاتح، "الحيطة: مبدأ للوقاية أم للمسؤولية المدنية في مجال حماية البيئة؟"، المجلة النقدية للقانون والعلوم السياسية تيزي وزو، المجلد 28 ، العدد 52 ، 1529 ، ص. 130 .
يرتبط مبدأ الالرجعة في المسؤولية المدنية بركن الضرر، والضرر الذي ال رجعة فيه هو الضرر غير القابل لإلصالح، والذي ال يمكن عالجه، ومن هذا المنطلق يمكن التسليم أن المسؤولية الموضوعية مالئمة له، فيكون ّ الضرر الذي ال رجعة فيه موجبا للمسؤولية، دون الحاجة إلثبات الخطأ. يبدو للوهلة الأولى أن المسؤولية الموضوعية تضمن حق المضرور، لكن يتميز الضرر الحديث والذي ال رجعة ّ فيه بممي ازت قد تخرج عن شروط تطبيق المسؤولية الموضوعية، وفي هذه الحاالت تضيع هذا الحق، حيث أن َ ّ ّ الضرر الموجب للمس ؤولية يجب أن يكون مباش ار ومحققا أو مؤكد تحقيقه ولو كان مت ارخيا إلى المستقبل 58 ، ما ال ينطبق على الأنواع الحديثة للض رر. يكون غالبا الضرر الذي ال رجعة فيه عاما ال يصيب شخصا بالذات، كالضرر البيئي الذي يمس العناصر البيئية، المتمثلة في الكائنات الحية، كالماء والهواء، كما يكون غير مؤكد الوقوع، لعدم توفر اليقين العلمي وقت حدوث الفعل المولِد للضرر، ومنه يخرج عن مجال المسؤولية المدنية، وهو ما أكدته محكمة النقض الفرنسية التي . 59 قررت أن الخطر المحتمل في حالة عدم تحققه ماديا، ال يكفي لتحديد الخسارة المحتملة نالحظ أن المسؤولية بجانبها العالجي التقليدي لم تعد صالحة لمواجهة الأض ارر الحديثة، وهذا ما يدعوها ّ للتكيف مع التلي ارت الحديثة، بتوسيع دائرة الضرر، لتشمل الخطر االحتمالي المؤكد منه وغير المؤكد، الشخصي وغير الشخصي. يذهب البعض ألكثر من ذلك، حيث بلاية تعزيز الدور ال وقائي للمسؤولية المدنية يقترح البعض تعويض كل من 60 أنفق لتفادي الخطر عم ا خسره، وكذلك تعويض الأشخاص عن القلق الذي أصابهم حول حدوث الخطر المحتمل، ّ باعتباره ضر ار معنويا عندما يكون هناك ما يبرره.
تواجهنا عدة صعوبات عند محاولة تطبيق قواعد المسؤولية المدنية على الضرر الذي ال رجعة فيه، وهذا ارجع أساسا إلى عامل الزمن اللصيق بوصف الالرجعة، حيث تميل المسؤولية المدنية نحو الماضي، نحو الضرر الذي حدث وتحقق قصد إصالحه، لكن في هذا النوع من الضرر ال مجال للحديث عن الإصالح، لذلك يكمن التحدي في البحث عن كيفية تفاديه سواء في الحاضر أو في المستقبل . 111 2998 58 أحمد محمود سعد، استقارء لقواعد المسؤولية المدنية في منازعات التلوث البيئي، دار النهضة العربية، مصر، ، ص . 59 زيد المال صافية، حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة على ضوء أحكام القانون الدولي، رسالة لنيل شهادة دكتواره في العلوم، تخصص القانون الدولي، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة مولود معمري تيزي وزو، 1523 ، ص 329 . 60 حمدادو لمياء، "مبدأ الحيطة كبعد جديد للمسؤولية المدنية: من التعويض إلى الوقاية"، مجلة المفكر للدارسات القانونية والسياسية، 353 1529 52 51 جامعة الجياللي بونعامة خميس مليانة، المجلد ، العدد ، ، ص . المجلد 71، العدد 0102-17
وضع المشرع الج ازئري على غ ارر التشريعات الأخرى نظام التعويض بنوعيه كطريقة إلصالح الأض ارر في َ مجال المسؤولية المدنية، فاألصل يكون التعويض عينيا، ولكن إن لم يكن ذلك ممكنا يكون التعويض نقديا، وذلك كمقابل لألض ارر التي أصابت المضرور. تنص المادة 730 من القانون المدني الج ازئري 61 على ما يلي: "يجبر المدين بعد إعذاره طبقا للمادتين 791 و797 على تنفيذ التازمه تنفيذا عينيا متى كان ذلك ممكنا. " أرينا أن الضرر الذي ال رجعة فيه ال يمكن إعادته إلى الحالة التي كان عليها من قبل، وإذا افترضنا إمكانية إعادته إلى حالة قريبة من حالته السابقة قد يصعب تحديد الحالة الأصلية التي كان عليها، فمثال إذا تعلق الأمر بضرر بيئي جسيم كتلوث المياه، يصعب تحديد كمية الثروات الباطنية المفقودة، حتى مع االستعانة بالخب ارء.62 يسعى الجانب الوقائي للمسؤولية المدنية إلى عدم االعتماد على نظام إعادة الحال إلى ما كان عليه، والذي يعتبر مستحيال في الضرر الذي ال رجعة فيه، والسعي إلى محاولة إبقاء الحال على ما هو عليه، والحفاظ عليه لصالح الأجيال الحالية والمقبلة . ننطلق من شعار الوقاية خير من العالج، لنطبق مجموعة من الإج ارءات الوقائية لتفادي الضرر، وذلك بتقييم وإدارة المخاطر المؤكدة وغير المؤكدة قبل تحولها إلى أض ارر، باالعتماد على تعزيز الخبرة وتدريب المتخصصين . 63 على إدارة عدم اليقين، للوصول إلى ق ارارت مرنة قائمة على النهج االحتياطي والوقائي يعتبر الإثبات المسبق من الإج ارءات الوقائية، ففي حالة وجود شك بأن منتوجا أو نشاطا قد يسبب أي خطر بالبيئة أو الصحة يكون على المنتج أو صاحب النشاط إثبات العكس، قبل عرضه في متناول الجمهور 64 ، وذلك نظ ار لخصوصية الضرر الذي ال يمنحنا فرصة العودة إلى الوارء، أي يستدعي اتباع إج ارءات قبل وقوع الضرر وليس بعده. ِ
يمكن تطبيق الإج ارءات الوقائية الممكنة، والتي تتوافق مع الإمكانيات المادية واالقتصادية، ورغم ذلك يحدث الضرر الذي ال رجعة فيه، وفي هذه الحالة يكون التعويض النقدي الناقص وغير المتناسب خير من عدم التعويض، 04 00 61 أمر رقم - ، المرجع السابق. 62 زيد المال صافية، "معوقات التعويض عن الأضارر البيئية وفقا ألحكام المسؤولية المدنية"، المجلة النقدية للقانون والعلوم السياسية، جامعة تيزي وزو، المجلد 22 ، العدد 58 ، 1512 ، ص 188 .
رغم أنه ال يمكن تلطية كل الأض ارر عن طريقه، فيمر التعويض على مرحلة التعويض التلقائي ثم يتحول إلى نهائي. يساهم نظام التعويض التلقائي في ضمان قيمة التعويض عند تحقق الضرر، وفي وقتنا الحالي يعتبر التأمين أساسيا لتلطية الأض ارر، ونظ ار ألهميته نظمه المشرع الج ازئري باإلضافة لنصوص المواد 378 وما بعدها من القانون المدني الج ازئري 65 ، بقانون خاص يتمثل في الأمر رقم 6611-82 المعدل بالقانون رقم 6710-13 ، لكن التساهل يكمن في مدى تلطية نظام التأمين لألض ارر في ظل مبدا الالرجعة؟ تخرج معظم الأض ارر الخطيرة التي ال رجعة فيها عن العالقة الثنائية التي تجمع شركات التأمين باألط ارف، حيث أنها أض ارر ال تصيب أشخاصا محددة بالذات بل تعتبر مخاطر جماعية، كاألض ارر التي تصيب البيئة . 68 والتي تسعى الجهات الفاعلة والمؤسسات المختلفة لحمايتها يصعب توقع نوع الخطر الذي ال رجعة فيه لذلك ال يمكن تحديده في عقد التأمين، ما ينتج عنه استحالة 69 إحصاء قيمة الأض ارر النقدية ومجانستها مع القسط الواجب دفعه من المؤمن له ، باإلضافة إلى أن هذا النوع ّ 70 من الضرر يخرج عن حدود الخسارة المادية، إلى الخسارة غير المادية والتي ال يمكن قياسها . َ يستحيل أن يكفل التأمين كامل حاالت الأض ارر الجسيمة والتي ال رجعة فيها، كما يكون للتلطية التأمينية حد أقصى محدد في العقد والباقي يقع على المسؤول الذي قد يكون معس ار، وقد يضيع حق المضرور عند عدم إثبات َ مسؤولية الشخص المسؤول، في حاالت الإعفاء من المسؤولية، أو أن الضرر حدث تدريجيا حيث يكون المسؤول ّ مجهوال، أو ناتجا عن عدة أسباب وت اركمات كتلوث البيئة. اعتمدت الدول على نظام التعويض عن طريق صناديق الضمان لحماية المتضررين حماية كاملة، وأنشأت الج ازئر بدورها الصندوق الوطني للبيئة وإ ازلة التلوث والذي يتماشى مع مبدأي الحيطة والوقاية من التلوث البيئي، حيث يتولى تمويل نفقات الإج ارءات الوقائية المتمثلة في الإعالم والتوعية بالمسائل البيئية، واإلنفاق على عمليات 04 00 65 أمر رقم - ، المرجع السابق. 2990 4 23 2990 10 50 90 66 أمر رقم - مؤرخ في يناير ، يتعلق بالتأمينات، ج.ر.ج.ج عدد ، صادر في مارس . 2990 10 50 90 1552 15 58 52 67 أمر رقم - مؤرخ في فب ارير ، يعدل ويتمم الأمر رقم - ، مؤرخ في يناير ، يتعلق بالتأمينات، 1552 21 20 ج.ر.ج.ج عدد ، صادر في مارس .
م ارقبة التلوث والتدخل االستعجالي في حاالت التلوث 71 ، باإلضافة لصناديق أخرى كصندوق الكوارث الطبيعية واألخطار التكنولوجية الكبرى الذي يتولى التعويضات التي تدفع لضحايا الكوارث الطبيعية، ونفقات الد ارسات المتعلقة بالوقاية من الأخطار التكنولوجية الكبيرة 72 ، والصندوق الوطني لحماية الساحل والمناطق الشاطئية 73 ، وغيرها من حسابات التخصيص لضمان تعويض المضرورين والوقاية من الأخطار. ِ يحدد كل من نظام التأمين وصناديق الضمان قيمة التعويض بشكل ج ازفي، وعند تحقق الضرر يقدر القاضي ّ قيمة التعويض النقدي، وينتقل التعويض من احتياطي إلى نهائي.
نستنتج من خالل د ارستنا وتحليلنا لمبدأ الالرجعة في المسؤولية المدنية، غموض المبدأ وتجريده، نظ ار الرتباطه بالمستقبل، حيث أنه مبدأ يرتبط أساسا بحقوق الأجيال القادمة والتنمية المستدامة، كما أن الالرجعة تكون غالبا غير م ؤكدة، وهي موضوع مبدأ الحيطة، الذي يفرض اتخاذ كافة الإج ارءات الالزمة لمنع تحققها، رغم غياب اليقين العلمي. ينبلي إدماج مبدأ الالرجعة ضمن أحكام المسؤولية المدنية، كمبدأ يقضي بتقديم التدابير الوقائية على الإصالح في الحاالت التي يكون فيها خطر محتمل بحدوث أي ضرر غير قابل لإلصالح. يعتبر مبدأ الالرجعة امتدادا لمبادئ حماية البيئة، يهدف إلى منع تحقق الضرر غير القابل لإلصالح، وإبقاء الحال على ما هو عليه نظ ار لعدم إمكانية إعادته إلى ما كان عليه، وعجز نظام التعويض عن الإصالح، لذلك: -يجب وضع معايير تبين حدود الالرجعة وتسهل على صناع الق ارر والقضاة تطبيق المبدأ. -ينبلي تعزيز الوظيفة الوقائية للمسؤولية المدنية، ووضع قواعد خاصة بالضرر الذي ال رجعة فيه. -توسيع نطاق ركن الضرر ليشمل الأض ارر المحتملة. -إدارة المخاطر مسبقا باالعتماد على مبدأ الحيطة دون انتظار اليقين العلمي بحدوث الضرر. -العمل على تخصيص صناديق ضمان إضافية تكفل جميع الأض ارر دون إقصاء الأض ارر غير اليقينية. 351 520 2994 23 280 94 71 مرسوم تنفيذي رقم - مؤرخ في مايو ، يحدد كيفيات تسيير حساب التخصيص الخاص رقم - ، الذي عنوانه الصندوق الوطني للبيئة، ج.ر.ج.ج عدد 32 ، صادر في 20 ماي، 2994 ، معدل ومتمم. 72 مرسوم تنفيذي رقم 95 - 851 مؤرخ في 20 ديسمبر 2995 ، يتضمن تنظيم صندوق الكوارث الطبيعية واألخطار التكنولوجية الكبرى وسيره، ج.ر.ج.ج عدد 00 ، صادر في 29 ديسمبر 2995 . 351 223 1558 51 103 58 73 مرسوم تنفيذي رقم - مؤرخ في سبتمبر ، يحدد كيفيات سير حساب التخصيص الخاص رقم - الذي عنوانه الصندوق الوطني لحماية الساحل والمناطق الشاطئية، ج.ر.ج.ج عدد 02 ، صادر في 50 سبتمبر 1558 . المجلد 71، العدد 0102-17