القانون المدني ونظرية الالتزامسنة 2026المجلة الجزائرية للقانون والعدالةOpen Access · وصول حر

دور القاضي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار

ح
حمدادو, لمياء
centre de recherche juridiques et judiciairesصفحة 53-8634 أقسام مفهرسة

ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)

بات العقد في التصور الحديث للقانون المدني يُفهم بوصفه أداة قانونية وظيفية لتنظيم المصالح الاقتصادية والاجتماعية، لا مجرد تعبير شكلي عن إرادتين متقابلتين، وهو ما أفرز تحولًا جوهريًا في دور القاضي المدني. فلم يعد هذا الدور مقتصرًا على التحقق من صحة العقد أو ترتيب جزاءات البطلان والفسخ، بل امتد ليشمل رعاية الرابطة العقدية والسعي إلى ضمان استمرارها كلما أمكن ذلك. ويتجسد هذا التحول من خلال مجموعة من الآليات القانونية التي تمكّن القاضي من التدخل في مختلف مراحل العلاقة التعاقدية، سواء عبر استكمال عناصر العقد الناقصة بالرجوع إلى طبيعة المعاملة وأحكام القانون والعرف ومقتضيات العدالة، أو من خلال الحد من آثار البطلان باللجوء إلى تقنيات الإنقاص والتحويل بدل الإلغاء الكلي. كما يبرز الدور القضائي بوضوح عند اختلال التوازن العقدي، لاسيما في حالات الاستغلال، وعقود الإذعان، والظروف الطارئة، حيث يضطلع القاضي بوظيفة إصلاحية تقوم على تعديل الالتزامات أو إعادة ضبطها في حدود المعقول، حفاظًا على جوهر العقد وتحقيقًا للعدالة التعاقدية. ويعكس هذا التوجه انتقال القضاء المدني من منطق الإنهاء إلى منطق الإصلاح، في إطار سعيه إلى التوفيق بين احترام مبدأ سلطان الإرادة وضمان فعاليته الواقعية، بما يحقق استقرار المعاملات والأمن القانوني.

توليد التوثيق الأكاديمي للبحث (Citation):

حمدادو, لمياء، "دور القاضي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار"، المجلة الجزائرية للقانون والعدالة، مجلد 12، عدد 1، ص ص 53-86.

متن الدراسة والتحليل الفقهي

34 صفحات مرقمة
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 1#ص-1

المجل د 12 العد د الأول السنة 2026 ص 53 ص 86 دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار The Role of the Civil Judge in Contract Rescue: Unity of Purpose and Diversity of Roles الدكتورة حمدادو ملياء* ملحقة بالبحث - مركز البحوث القانونية والقضائية [email protected] تا ريخ االرسال: 2026/04/14 تاريخ القبول: 2026/05/11 تاريخ النشر: 2026/06/30 الملخص: ُ بات العقد في التصور الحديث للقانون المدني يفهم بوصفه أداة قانونية وظيفية لتنظيم المصالح ً ً االقتصادية واالجتماعية، ال مجرد تعبير شكلي عن إرادتين متقابلتين، وهو ما أفرز تحوال جوهريا في دور ً القاض ي المدني. فلم يعد هذا الدور مقتصرا على التحقق من صحة العقد أو ترتيب جزاءات البطالن والفسخ، بل امتد ليشمل رعاية الرابطة العقدية والسعي إلى ضمان استمرارها كلما أمكن ذلك. ويتجسد ّ هذا التحول من خالل مجموعة من اآلليات القانونية التي تمكن القاض ي من التدخل في مختلف مراحل العالقة التعاقدية، سواء عبر استكمال عناصر العقد الناقصة بالرجوع إلى طبيعة المعاملة وأحكام القانون والعرف ومقتضيات العدالة، أو من خالل الحد من آثار البطالن باللجوء إلى تقنيات الإنقاص والتحويل بدل الإلغاء الكلي. كما يبرز الدور القضائي بوضوح عند اختالل التوازن العقدي، السيما في حاالت االستغالل، وعقود الإذعان، والظروف الطارئة، حيث يضطلع القاض ي بوظيفة إصالحية تقوم على تعديل االلتزامات أو ً ً إعادة ضبطها في حدود المعقول، حفاظا على جوهر العقد وتحقيقا للعدالة التعاقدية. ويعكس هذا التوجه انتقال القضاء المدني من منطق الإنهاء إلى منطق الإصالح، في إطار سعيه إلى التوفيق بين احترام مبدأ سلطان الإرادة وضمان فعاليته الواقعية، بما يحقق استقرار المعامالت واألمن القانوني. الكلمات المفتاحية: العدالة التعاقدية- سلطة القاض ي المدني- إنقاذ العقد- الت وازن العقدي- سلطان الإرادة. * المؤلف المرسل: حمدادو ملياء

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 2#ص-2

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار Abstract: In the modern conception of civil law, the contract is understood a afunctional legal instrument for regulating economic and social interests, rather than merely a formal expression of two corresponding wills. This evolution has led to a fundamental transformation in the role of the civil judge. Under this approach, the judge’s role is no longer limited to verifying the validity of the contract or imposing sanctions such as nullity or termination, it now extends to safeguarding the contractual relationship and striving to ensure its continuity whenever possible. This transformation is reflected through a set of legal mechanisms that enable the judge to intervene at various stages of the contractual relationship, whether by completing missing elements of the contract with reference to the nature of the transaction, legal provisions, custom, and the requirements of justice, or by mitigating the effects of nullity through techniques such as reduction and conversion instead of total annulment. The judicial role also becomes particularly evident in cases of contractual imbalance, especially in situations involving exploitation, adhesion contracts, and unforeseen circumstances, where the judge assumes a corrective function by adjusting or rebalancing obligations within reasonable limits, in order to preserve the essence of the contract and achieve contractual justice. This approach reflects a shift in civil adjudication from a logic of termination to a logic of restoration, as part of an effort to reconcile respect for the principle of autonomy of the will with ensuring its practical effectiveness, thereby promoting transactional stability and legal security. key words: Contractual justice – Powers of the civil judge – Contract rescue – Contractual balance –autonomy of will.

مقدمة:

ً إن العدالة التعاقدية لم تعد مسألة أخالقية وفلسفية فحسب، بل أصبحت مبدأ مؤسسا في السياسة التشريعية والقضائية على حد سواء، حيث شهد الفكر القانوني ُ تحوال ملحوظا في نظرته للعقد، متأثرا بتيارات فلسفية وقانونية جديدة باتت ت علي من شأن العدالة التعاقدية على حساب المفهوم التقليدي للحرية العقدية المطلقة، ومما ال شك فيه ً أن بروز هذه الفلسفات الحديثة، قد جعل القاض ي مطالبا بالبحث عن "روح العقد" أكثر ُ من االكتفاء ب "نصه"، وبأن يوازن بين مبدأ سلطان الإرادة ومبدأ استقرار المعامالت.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 3#ص-3

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ّ ّ ٌ بالتالي، ترتب عن التحوالت التي طالت مفهوم العقد توسع واضح في دور القاض ي، إذ لم ً ُ ّ يعد مقتصرا على تقرير صحة العقد من عدمها، بل منح أدوات مرنة تخوله التدخل لحماية الرابطة العقدية ومنع زوالها. وقد تطورت وظيفته نحو ممارسة أكثر ديناميكية، ُ عرفت في الفقه الحديث ب "رعاية العقد" أو "إنقاذه"، وهي وظيفة قضائية حديثة أملتها متطلبات العدالة التعاقدية. ً ً رغم أن مصطلح "إنقاذ العقد" قد يبدو أدبيا أو بالغيا، إال أنه في الواقع مصطلح يعبر ّ عن مفهوم أو تصور قانوني دقيق، فهو يعبر عن تدخل منظم يهدف إلى معالجة اختالالت جوهرية تهدد استمرار العقد، ويعمل كأداة قانونية عملية لضمان استقرار المعامالت، ً بعيدا عن أي أبعاد إنشائية أو مجازية، فإنقاذ العقد يعكس وظيفة القاض ي الحديثة كضامن الستمرار العالقات القانونية وتحقيق العدالة التعاقدية، فهو يظهر التحول في دور القضاء المدني من مجرد الفصل في النزاع إلى الحفاظ على الرابطة العقدية، بما يعكس مرونة القانون الخاص في مواجهة تعقيدات العالقات المعاصرة، مع ضرورة وجود إطار ّ قانوني يحدد معايير هذا التدخل ويضمن مشروعيته. وإن كان إنقاذ العقد الخيار المفضل في فقه القضاء الحديث، فهو انعكاس طبيعي لتطور فهمنا للعقد كأداة لتنظيم العالقات االقتصادية واالجتماعية ال كمجرد نصوص جامدة، فإنه ال يعني المساس الجوهري بحرية الإرادة، بقدر ما يسعى إلى ضمان احترامها الحقيقي، فتدخل القاض ي إلنقاذ العقد ال يعد خرقا ملبدأ سلطان الإرادة، بل هو في جوه ره تصحيح ملسار هذه الإرادة إذا تبين أنها أفضت إلى نتائج غير متوازنة، أو نشأت عنها التزامات تخل بمبدأ العدالة التعاقدية. ً ً إن التوجه نحو إنقاذ العقود يعكس نهجا قانونيا حديثا يهدف إلى الحفاظ على استمرار العقد وفعاليته بدل القضاء عليه بالجزاءات التقليدية كالبطالن أو الفسخ، إذ ً أثبت الواقع أن النموذج الكالسيكي لقانون العقود لم يعد مالئما لتعقيدات العالقات

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 4#ص-4

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار التعاقدية المعاصرة، ويقوم هذا الأخير على إصالح العقد من خالل حذف أو تعديل أو ً إضافة بعض الشروط لجعله قابال للتنفيذ دون المساس بجوهره. ً بناء على ما سبق، يبرز دور القاض ي في إنقاذ العقود كقضية جوهرية في القانون المدني، إذ يتعلق بالحفاظ على استقرار المعامالت وحماية المصالح المشروعة لألطراف. ولم يعد ً ً ُ مقبوال االكتفاء بالمنهج التقليدي القائم على البطالن أو الفسخ تلقائيا، بل يطالب القاض ي باستخدام سلطته إليجاد حلول قانونية بديلة تضمن استمرار العالقة التعاقدية متى ُ ً أمكن ذلك، فاللجوء إلى البطالن أو الفسخ كأول رد فعل اتجاه أي خلل في العقد يعد نهجا ً ُ هداما، يفرغ الإرادة التعاقدية من مضمونها، وهو ما جعل من سلطة القاض ي في إنقاذ العقد تصل للحد الذي يسمح له بإحداث تغيير في العقد تحقيقا لالستمرارية واستقرار المعامالت، فيصبح القاض ي بشكل مجازي وكأنه طرف ثالث في العقد يمكن له إحداث تغييرات فيه متى كان ذلك في سبيل الحفاظ على العقد وتجنب إزالته. ورغم أن القانون المدني لم ينص عليه صراحة، إال أن التحوالت االقتصادية الراهنة ّ تفرض تبني سياسة تشريعية تكرس هذا التوجه، من خالل تطوير الوسائل واآلليات القانونية القائمة ملواجهة اختالالت التوازن التعاقدي في مختلف مراحل العقد، فإلى أي مدى يستجيب قانون العقود المعاصر ملتطلبات حماية العقد من الزوال، وهل يملك القاض ي ما يكفي من الأدوات للتدخل في هذا السياق؟ لإلجابة على هاته االشكالية ركزت الدراسة على تحديد اآلليات القانونية المتاحة للقاض ي لحماية العقد وكذا الضوابط القانونية المحددة لنطاق سلطته في هذا المجال، وعليه سيتم عرض الدراسة من خالل الخطة اآلتية اعتمادا على المنهج التحليلي الوصفي.

المبحث الأول: القاض ي كضامن الستمرارية العقد: من الكشف عن الإرادة إلى

إعادة بنائها ُ ّ ً ً يعد دور القاض ي في الحفاظ على استمرارية العقد محورا أساسيا في الفكر القانوني ً الحديث، إذ لم يعد دوره مقتصرا على الكشف عن الإرادة، بل تجاوز ذلك إلى إعادة بنائها

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 5#ص-5

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار بما يضمن توازن العالقة التعاقدية. ويتجلى هذا الدور من خالل منهجين الأول عبر إكمال العقد (المطلب ا ألول)، والثاني عبر مواجهة حاالت البطالن من خالل آليات الإنقاص والتحويل (المطلب الثاني).

المطلب الأول: استكمال العقد بمقتض ى السلطة القضائية: القاض ي طرف ثالث

باالطالع على نصوص القانون المدني نجد أن تكملة العقد تجد أساسها القانوني في نص المادة 65 منه، وكذا نص المادة 2-107، دون التطرق إلى تعريف هذه الأخيرة، الأمر الذي يؤكد أن المشرع الجزائري قد ترك مسألة تحديد مفهوم تكملة العقد للفقه، لذا سيتم التعرض إلى المقصود بالتكملة وتحديد مقتضياتها في الفرع الأول ، ليتم بعدها التطرق إلى تقدير حدود دور القاض ي فيها في الفرع الثاني.

الفرع الأول: تكملة العقد: المفهوم واألساس القانوني

يمثل نص المادة 65 من القانون المدني الأساس التشريعي المباشر لنظام تكملة العقد، ّ ّ حيث قرر المشرع أنه إذا اتفق الطرفان على العناصر الجوهرية للعقد، وتركا بعض التفاصيل ملرحلة الحقة دون اشتراط عدم ترتيب أي أثر للعقد عند عدم االتفاق عليها، ُ ّ فإن العقد يعد مبرما. وفي حال نشوء خالف حول هذه التفاصيل، يختص القاض ي ً بالفصل فيها استنادا إلى طبيعة المعاملة والقواعد القانونية والعرف والعدالة. وعلى هذا الأساس، فإن اتفاق الطرفين على العناصر الأساسية للعقد يكفي النعقاده، ّ ً حتى لو أجال االتفاق على تفاصيل الحقة. ويتضح ذلك مثال في عقد البيع عند االتفاق على المبيع والثمن فقط، مع إرجاء تحديد موعد التسليم أو مكانه أو نفقاته. وينطبق الأمر ذاته على عقد الإيجار متى حدد المؤجر والمستأجر العين المؤجرة، قيمتها الإيجارية، والمدة، دون االتفاق على تفاصيل فرعية كتوزيع مصاريف الخدمات أو الضرائب.1 1ابتسام دزيري، سلطة القاض ي في تكملة العقد، بحوث، جامعة الجزائر1، الجزء الأول، العدد 12، الجزائر،2018، ص .139

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 6#ص-6

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ّ ً فإذا توصل المتعاقدان الحقا إلى اتفاق حول هذه النقاط التفصيلية، سقط الخالف ً واستقر العقد. أما إذا تعذر االتفاق، يتدخل القاض ي لضبط ما أغفل منه، بناء على طلب ً أحد الطرفين أو كليهما، مسترشدا بطبيعة التصرف والقانون والعرف ومقتضيات العدالة. وهنا ال يقتصر دوره على تفسير قصد المتعاقدين، بل يبادر إلى استكمال عناصر العقد وإزالة ما يشوبه من فراغ. وللقاض ي في سبيل ذلك سلطة تقديرية واسعة، سواء في التحقق من ماهية المسائل ً الأساسية أو في تمييزها عن الجوانب التفصيلية، معتمدا على الإرادة الظاهرة أو الضمنية ّ للمتعاقدين. كما يعزز هذا االتجاه ما نصت عليه المادة 2/107 من القانون المدني التي ً تقض ي بأن العقد ال يقتصر على ما تم االتفاق عليه صراحة، بل يشمل أيضا مستلزماته التي يقتضيها القانون والعرف والعدالة وطبيعة االلتزام. ً وبناء على ما سبق، يمكن تعريف إكمال العقد على أنه الدور الذي يقوم به القاض ي ً استجابة لطلب أحد طرفي العقد أو كليهما، لسد النقص في تنظيم العقد الصحيح، وذلك بإضافة المسائل التفصيلية التي لم يتفق عليها المتعاقدان، سواء أكانت مطروحة أثناء المفاوضات ولم يتم التوصل إلى اتفاق بشأنها، أو أغفلها الطرفان لعدم العلم أو الدراية ً ً الكافية، أو نتيجة الإهمال، ويكون تدخل القاض ي محدودا ومقيدا بطبيعة المعاملة، وأحكام القانون، والعرف، ومقتضيات العدالة.

الفرع الثاني: سلطة القاض ي في التكملة: تصحيح ملسار الإرادة أم تجديد لصياغة

العقد؟ ّ من خالل الأحكام الواردة أعاله، يتبين أن المشرع أراد تمكين القاض ي من توسيع نطاق ّ العقد ليشمل ما يتطلبه تنفيذه بصورة كاملة، شريطة عدم المساس بمبدأ "العقد شريعة ً المتعاقدين". وانطالقا من المفهوم الأساس ي للعالقة العقدية القائم على هذا المبدأ يطرح التساؤل حول مدى حدود دور القاض ي في هذه العالقة بناء على تكملة العقد الناقص: فهل يقتصر تدخل القاض ي على تكملة العقد بما يكشف إرادة الأطراف التي لم يتطرق إليها

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 7#ص-7

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ً ً العقد صراحة؟ (أولا)، أم أن هذا التدخل قد يتجاوز ذلك ليصبح القاض ي مساهما فعليا في صياغة العقد وفق المقتضيات القانونية، بما يضمن استقرار المعام الت؟ (ثانيا).

أولا- القاض ي مفسر ومكمل إلرادة المتعاقدين

ّ على الرغم من أن مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين "يكرس سيطرة الإرادة المشتركة للطرفين على مضمون العقد وااللتزامات المترتبة عليه، إال أن التساؤل يبرز حول الدور الفعلي للقاض ي عندما يتطلب إنقاذ العقد باستكماله الكشف عن إرادة الأطراف؟ أ - دور القاض ي في كشف الإرادة الحقيقية لألطراف يرى جانب من الفقه أن القاض ي عند تكملة العقد يعتمد على إرادة المتعاقدين كأساس ً ُ ً ً للعملية القانونية، مستعينا بوسائل محددة في هذا الإطار. فالعقد يعد تصرفا قانونيا ً إراديا، ومن المفترض أن تهيمن إرادة الأطراف على تنظيم جميع جوانبه، سواء فيما يتعلق بإنشائه أو بترتيب آثاره. وال يجوز إلرادة خارج إرادة المتعاقدين أن تتدخل في تنظيم أي جانب من العالقة العقدية. ومع ذلك، اختلف الفقهاء في تحديد الوسائل التي يمكن للقاض ي االستناد إليها عند ممارسة هذه الوظيفة، وسيتم التطرق إلى مختلف االتجاهات الفقهية المعتمدة في تحديد هاته الوسائل فيما يلي: -1 استكشاف إرادة المتعاقدين وفق الضوابط التشريعية: تساعد طبيعة المعاملة ُ وطبيعة االلتزام القاض ي على استخالص إرادة الأطراف بدقة، حيث تعد الظروف الخارجية وسيلة للكشف عن هذه الإرادة وتحديد مضمون االلتزام المتفق عليه. ويقتصر دور القاض ي على تكملة التعبير الرئيس ي لإلرادة في المسائل الجوهرية، مع تنظيم المسائل ً التفصيلية استنادا إلى الإرادة الضمنية المستخلصة من هذه الظروف1. 2 –القاض ي يستعين بتفسير إرادة الأطراف: يذهب جانب آخر إلى أن دور القاض ي يقتصر على كشف إرادة الأطراف، باالستناد إلى النصوص القانونية المفسرة، فتكون 1ابتسام دزيري، المرجع السابق، ص .139

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 8#ص-8

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار البداية باإلرادة الصريحة، وعند غيابها ينتقل إلى الكشف عن الإرادة الضمنية. 1، وقد منح المشرع الجزائري قاض ي الموضوع صالحية واسعة في تفسير العقود، حيث يقتصر دوره عند النزاع على فحص شرعية العقد وتوضيح مقصود الأطراف، من خالل وضع نفسه مكان المتعاقدين لفهم إرادتهم. لقد اقترح جانب آخر من الفقه أن دور القاض ي في الكشف عن ارادة المتعاقدين بتفسير العقد يختلف بحسب الحالة: فإذا لم يتوقع الطرفان مسألة معينة، يكشف القاض ي عن إرادتهما الحقيقية، أما إذا تركا المسألة التفاق الحق محتمل، يكمل العقد بإرادة مفترضة نص عليها المشرع.2 لكن بالنظر إلى المواد 65 و2-107 من القانون المدني، يتضح أن المسائل التفصيلية ُ ً للعقد لم يتفق عليها مسبقا، وال يوجد ما يفترض إرادة الأطراف فيها. فبينما تحدد هذه ً النصوص االلتزامات الجوهرية، يتولى القاض ي تحديد االلتزامات التفصيلية استنادا إلى ّ ً القانون والعرف ومبادئ العدالة، ما يبين أن جزءا من مضمون العقد ال ينبع مباشرة من إرادة المتعاقدين3. وقد خلص أصحاب هذا االتجاه إلى أن القاض ي عند تنظيم المسائل التفصيلية ال يخلق العقد أو يساهم في تكوينه، بل يحدد نطاقه فقط، حيث تتدخل إرادته مساندة إلرادة الأطراف في تنظيم الجوانب غير الجوهرية للعقد الذي اكتملت نشأته باالتفاق على المسائل ّ الأساسية4. تعتمد سلطة القاض ي هنا على تفسير إرادة الأطراف، فإذا تبين أنهما علقا 1العربي بلحاج، النظرية العامة لاللتزامات في القانون المدني الجزائري، الجزء الأول، المصادر الإرادية، العقد واإلرادة المنفردة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2015، ص .198

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 9#ص-9

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ُ انعقاد العقد على هذه المسائل التفصيلية، تتحول إلى مسائل جوهرية، بينما تعد ّ االلتزامات التي يضيفها القاض ي التزامات ثانوية تكمل االلتزامات الأساسية للعقد1. ب - إكمال العقد بصرف النظر عن إرادة الأطراف بالرجوع إلى نص المادتين 65 و107 ف 2 من القانون المدني، يشير المشرع إلى إعالن ُ الإرادة فقط في المسائل الجوهرية للعقد، بينما لم يعبر عن المسائل التفصيلية أو ً مستلزماته صراحة أو ضمنا. ولهذا، يمكن القول أن االلتزامات التفصيلية التي يضيفها ُ القاض ي ال تنشأ عن إرادة الأطراف المعلنة، إذ أن العقد قد يكمل في أمور لم يتوقعها ً الطرفان أصال، فال يمكن نسبتها إلرادتهما.2 يرى بعض الفقه أن هذه الإرادة مفترضة وليست حقيقية، وبالرجوع إلى المواد المتعلقة بااللتزامات التفصيلية، تنص المادة 65 على أن الطرفين قد يتفقان على المسائل الجوهرية ويتركان التفصيلية التفاق الحق، بينما توضح المادة 107 أن االلتزام يشمل ما يترتب على ُ ً العقد من مستلزماته. ومن ذلك نستنتج أن المسائل التفصيلية لم يتفق عليها مسبقا، وال توجد مؤشرات تدل على وجود إرادة مفترضة لألطراف فيها3. من هذا المنطلق، وإذا كان تدخل القاض ي في تكملة العقد ال يقتصر على كشف إرادة ً المتعاقدين، بل يساهم فعليا في تحديد مضمون االلتزامات، فهل يمكن اعتبار القاض ي ً ً طرفا ثالثا في العقد ملساهمته في بناء أركانه؟

ثانيا- القاض ي يساهم في بناء العقد:

لم تعد سلطة القاض ي في قانون العق ود محصورة ومقيدة، إذ توسعت بفعل ظروف تؤثر على تنفيذ االلتزامات، فالعقد لم يعد يقتصر على إرادة الطرفين فقط، بل تتدخل في 1جميل الشرقاوي، النظرية العامة لاللتزام، الكتاب، الأول، مصادر االلتزام، دار النهضة الع ربية، القاهرة، 1981، ص .347 2 سعاد بوختالة، دور القاض ي في تكملة العقد، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الجزائر1، -2015 2016، ص .57 3 ابتسام دزيري ، المرحع السابق، ص .145

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 10#ص-10

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار بنائه نصوص القانون، كاملادتين 65 و2/107، واألعراف المجتمعية، ومقتضيات العدالة، لتدعيم االلتزامات الإرادية1. بحيث يستعين بها القاض ي إلضافة التزامات جديدة، الأمر ً ً ً الذي يوصلنا إلى دور القاض ي الحاسم، إذ يصبح صانعا للعقد ومعدال ألحكامه مستندا إلى مستلزمات القانون ، وبمقتض ى هذه السلطة، يمكنه إضافة التزامات تكميلية لضمان حسن تنفيذ العقد بما يعكس إرادة المشرع وتوجيهاته. أ -أدوات القاض ي في صياغة الحلول ال يمكن للتشريع أن يغطي جميع االحتماالت، ومع تعقد العالقات القانونية، يظهر ً الدور المنش ئ للقاض ي، حيث يتمتع هذا االخير بسلطة تقديرية واسعة، مستعينا بعوامل معينة، لتكملة المسائل غير المفصلة في التشريع وهي كاآلتي: 1 - طبيعة المعاملة : لم يحدد المشرع مفهوم طبيعة المعاملة التي يعتمدها القاض ي في ً تكملة العقد، مما دفع بعض الفقه إلى تفسيرها استنادا إلى التنظيم القانوني للعقد، باعتبار أن القانون هو الذي يحدد طبيعتها ومضمونها، حيث تعرف بأنها الطبيعة القانونية لنوع العقد الذي قصد المتعاقدان إبرامه، أو هو التنظيم القانوني للمادة التي عالجها المتعاقدان في عقديهما.2 2 -القانون: أشارت المادتان 65 و107 فقرة 2 أن القانون عنصر أساس ي يعتمد عليه ً القاض ي لتحديد مستلزمات العقد وفقا لطبيعة االلتزام، دون أن يحدد المشرع ما إذا كان المقصود هو القواعد اآلمرة أم المكملة. ويجوز للقاض ي االستعانة بكليهما لتغطية النقص في بنود العقد3. 1جمعة زمام، العدالة العقدية في القانون الجزائري، رسالة دكتوراه علوم،كلية الحقوق، جامعة الجزائر1، 2014-2013، ص .356 2عامر علي حسن أبو رمان، دور القاض ي في استكمال العقد في القانون المدني، دراسة مقارنة، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان الأردن، ط1، 2015، ص .13 3سالم عبد هللا الفتالوي، إكمال العقد، دراسة مقارنة، المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان، ط1، 2012، ص .91

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 11#ص-11

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ُ -3العرف: يعد العرف من أهم الوسائل التي يستعين بها القاض ي في تكملة العقد، إذ يرى ُ ّ ً بعض الفقه أنه لو فعل هذا الدور أكثر لكان العرف الأداة الأكثر تطبيقا1. -4 العدالة: تتمثل وظيفة العدالة في المادتين 65 و107 فقرة 2 من القانون المدني في سد النقص في العقد من خالل حلول يبتكرها القاض ي، تحقق التوازن بين الطرفين وتحافظ في الوقت ذاته على استقرار العقد. ب- سلطة القاض ي في إدراج التزامات جديدة لضمان العدالة العقدية ُ باسم العدالة تدمج في العقد التزامات تنشأ بقوة القانون، إذ قد يتجاوز القاض ي إرادة ُّ الأطراف عند تكملتها، فال تقتصر االلتزامات على ما اتفق عليه، بل تمتد إلى مستلزمات العقد القائمة على مبادئ العدالة واإلنصاف، وتمثل إضافة التزامات جديدة لم يتضمنها العقد عند إنشائه صورة من صور تكملته، ومن أمثلتها ما يلي:

1 االلتزام باإلعالم

ُ في هذا السياق، ال يقصد بالدراسة االلتزام باإلعالم ما قبل التعاقد باعتباره وسيلة لضمان رضا المتعاقد وحمايته، وإنما المقصود هنا، هو االلتزام الذي يستحدثه القاض ي ضمن عقد تم إبرامه بصورة صحيحة، بحيث تسهم إضافته في تحقيق حسن تنفيذ االلتزامات التعاقدية .

2 االلتزام بتوفير السالمة

يظهر االلتزام بالسالمة في الكثير من العقود من بينها عقد العمل فيما يتعلق بحوادث العمل، وعقد الفندقة بالنسبة لألضرار التي قد تصيب النزيل أثناء إقامته. ويقض ي هذا ُ ً ً االلتزام على المدين بعدم إلحاق أي ضرر جسدي بالمتعاقد معه، ويعد التزاما تفصيليا ً تكميليا يضاف إلى االلتزام الأصلي للعقد، وله طابع عقدي.2. 1 علي فياللي، مقدمة في القانون، موفم للنشر، الجزائر، ط 2010، ص .255 2سعاد بوختالة، المرجع السابق، ص .152

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 12#ص-12

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار يتضح أن االلتزامات التي يضيفها القضاء في العقود ال تستند إلى إرادة الأطراف بل إلى سلطة القاض ي، مما يحد من مبدأ سلطان الإرادة لصالح مبدأ الإجبار القانوني. فالقضاء والقانون، عند استنباط التزامات لضمان السالمة، يستجيبان لروح العدل واإلنصاف ً والتوازن القانوني، بما يشير إلى أن صناعة القانون التعاقدي لم تعد حكرا على الأطراف، بل توجد سلطة عليا توجه استخدامهم له وتحدد آليات تطبيقه1. خالصة القول، إن سلطة القاض ي في تكملة العقود توسعت لتضمن استمرارية العقد واستقرار المعامالت، فلم يعد المتعاقدان وحدهما صانعي العقد، بل أصبحت هناك عدة ً جهات تساهم في بنائه، ويبرز هنا القاض ي بوصفه صانعا للعقد.

المطلب الثاني: القاض ي في مواجهة البطالن: منهجية الإنقاذ عبر الإنقاص

والتحويل يهدف القاض ي في مواجهة البطالن إلى حماية استقرار المعامالت، من خالل إنقاذ العقد باإلنقاص أو التحويل (الفرع ا ألول )، ومعالجة الغبن االستغاللي عبر تعديل االلتزامات ً (الفرع الثاني)، حفاظا على استمرار الرابطة التعاقدية.

الفرع الأول: القاض ي كمقرر للبدائل: نحو استبعاد البطالن تحقيقا الستقرار المعامالت

رغم أن البدائل القانونية ملواجهة البطالن مستمدة في الأصل من القانون حيث حددها المشرع في نصوص واضحة، يظل للقاض ي دور محوري في إقرار هذه البدائل وتفعيلها ً عمليا. فالقاض ي ال يكتفي بتطبيق النصوص صراحة، بل يتدخل لتكييفها مع خصوصيات ً كل حالة، حيث له السلطة التقديرية في اختيار البديل الأنسب أو دمج عدة بدائل معا ً لتحقيق التوازن العقدي الأمثل وضمان استقرار المعامالت، ما يجعل من دوره عنصرا ً أساسيا في ترجمة هذه البدائل إلى واقع عملي ملموس. 1محمد صديق محمد عبد هللا، موضوعية الإرادة التعاقدية، دراسة تحليلية مقارنة، دار الكتب القانونية، دار شتات للنشر والبرمجيات، مصر، القاهرة، 2012، ص .535

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 13#ص-13

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار للتقليل من حاالت البطالن وحفظ االستقرار والثقة في المعامالت، وضع المشرع بدائل قانونية لإلبقاء على العقد واستمرا ره، ومنح القاض ي سلطة تقديرية لتطبيق هذه الأخيرة ً ً عند ت وافر الشروط الالزمة، وسنتطرق ل إلنقاص (أولا )، والتحويل (ثانيا)، كما نصت عليهما المادتان 104 و105 من القانون المدني.

أولا- إنقاص العقد كوسيلة إلبقائه نافذا

يتمثل إنقاص العقد في أن يقوم القاض ي بحذف شق من العقد، بحيث يكون هذا الشق باطال أو قابال لإلبطال، ويبقى العقد صحيحا وساري المفعول بالشق المتبقي.1 ً ويهدف إنقاص العقد إلى حصر البطالن في الجزء المتأثر فقط، بدال من شمول العقد ً ً ً كله، حفاظا على استقرار المعامالت وبقاء العقد جزئيا بدال من إلغائه بالكامل وهو ما نصت عليه المادة 104 من القانون المدني. ً يشترط إلنقاص العقد توافر ثالثة عناصر رئيسية وفقا للمادة 104 من القانون المدني، وهي أن يكون هناك بطالن أو قابلية لإلبطال مقصو را على جزء من العقد دون التأثير على صحته ككل، وعادة ما يتعلق ذلك بتضمين شرط أو بعض البنود القابلة لإلبطال. كما ً يشترط أن يكون العقد قابال لالنقسام، بحيث ال يؤثر بطالن هذا الجزء على طبيعة العقد أو تكييفه القانوني، مما يتيح استمرار الأجزاء الصحيحة، إضافة إلى ذلك، ينبغي أن يكون ُ الجزء الباطل غير مؤثر على إرادة الأطراف وأال يشكل الدافع الأساس ي إلبرام العقد، ويقدر ذلك بالرجوع إلى سلوك الرجل العادي، إذ يهدف إنقاص العقد بشكل أساس ي إلى حفظ استقرار المعامالت وتفادي أي ضرر ناتج عن البطالن الجزئي. 1يطلق عليه أيضا البطالن الجزئي، فللمحافظة على العقود هناك قاعدة مفادها عدم جواز بطالن العقد كله لبطالن جزء منه. راجع في ذلك عبد الحي حجازي، النظرية العامة لاللتزام وفقا للقانون الكويتي، دراسة مقارنة، الجزء الأول، مصادر االلتزام، المصادر االرادية (العقد واالرادة المنفردة)، المجلد الأول، نظرية االلتزام، تحليل العقد، مطبوعات جامعة الكويت، الكويت، 1982، ص .1084

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 14#ص-14

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار إن فكرة الإنقاص هي نتيجة لسعي المشرع للحفاظ على استقرار المعامالت، بالحيلولة دون زوال العقد كله وإنقاذ ما يمكن إنقاذه ولعل أهم التطبيقات التي أوردها المشرع في القانون المدني، شرط تملك الدائن للمال المرهون عند عدم استيفائه لحقه وقت حلول أجله، وكذلك شرط الطريق الممهد الذي يرخص للدائن بيع المال المرهون دون اتباع الإجراءات القانونية في حالة عدم السداد، وكالهما باطل ومحظور قانونا (المادة 903 مدني)، لكن أهم ما يالحظ في نص هذه المادة أنها لم تحدد مصير العقد الذي اقترن بأحد الشرطين، لذلك يمكن القول أن المسألة تخضع للقاعدة العامة الواردة في المادة 104 والتي تتعلق بإنقاص العقد بحيث يقتصر البطالن على الشرط الباطل وحده (على شرط تملك العقار المرهون وحده دون أن يمتد إلى عقد الرهن الرسمي) ويبقى العقد صحيحا إال في حال كان الشرط هو الدافع للتعاقد فيبطل العقد.

ثانيا- تطبيق نظرية التحويل كآلية إلنقاذ العقد

ً الأصل أن العقد الباطل ال ينتج آثارا قانونية كالعقد الصحيح، إال أنه، باعتباره واقعة قانونية، قد تترتب عليه آثار مختلفة إذا لم يحقق الغرض العملي للمتعاقدين، لذلك، أقر ً المشرع نظام تحويل العقد، حيث يتحول العقد الباطل إلى عقد آخر ينتج آثارا مغايرة.1 ً ً ّ ً ّ ّ يكتسب القاض ي دورا محوريا وفعاال في عملية تحول العقد الباطل، إذ تشكل المادة ً 105 من القانون المدني، المشار إليها سابقا، الأساس القانوني العام الذي يمنح القاض ي صراحة سلطة االعتماد على هذه الوسيلة لتفادي إبطال العقد، ومع ذلك، فإن نطاق تدخل القاض ي ال يقتصر على الحاالت التي تتوافر فيها شروط النص فحسب، بل يشمل ً أيضا مراقبة الحاالت التشريعية التي نص عليها القانون بشكل مباشر. ّ يتفاوت نطاق تدخل القاض ي في عملية تحول العقد بين االتساع والتضييق بحسب المعيار الذي تعتمد عليه التشريعات في تطبيق هذه النظرية. ففي الأنظمة القانونية التي ّ تتبنى نظرية التحول صراحة، مع اشتراط التحقق من الإرادة المحتملة للمتعاقدين ونيتهم في 1عبد الحي حجازي، المرجع السابق، ص .1085

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 15#ص-15

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ّ االلتزام بالعقد الجديد، أي التي تعتمد على المعيار الذاتي أو الشخص ي للتحول، ال يقوم القاض ي بإحياء العقد الباطل أو إنشاء عقد جديد، بل يقتصر عمله على الكشف عن التحول والتثبت من استكمال شروطه من خالل الكشف وتفسير نية المتعاقدين.1 لكن يطرح في هذا السياق التساؤل التالي: ما هي الوسائل التي يمكن للقاض ي من خاللها التحقق من إرادة الأطراف؟ يمكن القول إن الكشف عن الإرادة الحقيقية للمتعاقدين يقتض ي من القاض ي الخوض في مختلف الوقائع والمالبسات المحيطة بالعقد، باعتبار أن الإرادة أمر داخلي ال ُ ُ يدرك مباشرة، وإنما يستدل عليه من سلوك الأطراف، وتعاملهم السابق، والغاية ّ االقتصادية التي سعوا لتحقيقها. ومن هذا المنطلق رسخ المشرع الجزائري، من خالل المادة 105 من القانون المدني، مبدأ مفاده أن القاض ي ال يمكنه استبدال العقد الباطل بعقد ّ ً آخر بصورة تلقائية، بل يجب أن يتيقن أولا من وجود إرادة افتراضية لدى المتعاقدين تق ود إلى االعتقاد بأنهما لو علما ببطالن العقد الأصلي الختارا صياغة عالقة تعاقدية ذات طبيعة أخرى تحقق نفس الهدف. وهكذا يمارس القاض ي دوره في تحويل العقد عبر إعادة بناء إرادة محتملة لألطراف، عندما يتبين له أن سبب الخلل يكمن في اختيار أداة قانونية غير مناسبة مع بقاء نية إبرام عالقة تعاقدية صحيحة قائمة، فيعمل على تكييفها بالشكل الذي يحفظ غايتهم المشتركة. ّ وعلى العكس من ذلك، في الأنظمة التي تتبنى المعيار الموضوعي لتحول العقد، فإن دور ً القاض ي يتجسد في صورة أكثر اتساعا، إذ ال يتوقف على الكشف عن إرادة الأطراف أو افتراضها، بل يرتكز على التحقق من توافر مقومات العقد الجديد داخل إطار التصرف ّ الباطل، ما دام هذا التحول يضمن استمرار الغاية االقتصادية واالجتماعية المراد تحقيقها، وبهذا التصور ينتقل التركيز من الإرادة الفردية إلى منطق المصلحة العامة، 1سفيان سواملة، نظرية تحول العقد في القانون المدني الجزائري، مجلة دراسات وأبحاث، المجلة العربية في العلوم الإنسانية واالجتماعية، السنة التاسعة، عدد 29 ديسمبر2017، ص .144

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 16#ص-16

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ّ ً فيغدو التحول مشروعا طاملا أمكن إنفاذ الهدف المقصود بالعقد دون حاجة للعودة إلى نية المتعاقدين، ففلسفة هذا االتجاه تقوم على أن بطالن الشكل أو الوسيلة الأولى ال يحول دون إمكانية االستعانة بآلية قانونية بديلة قادرة على الوصول إلى النتيجة ذاتها، كما يتجلى ّ ّ ذلك بوضوح في النماذج الكالسيكية كتحول الهبة إلى وصية، أو تحول البيع بثمن تافه إلى هبة، حيث إن كل هذه الصور تشترك في الحفاظ على المقصد االقتصادي نفسه الذي سعى إليه الأطراف منذ البداية، وإن اختلف الإطار القانوني الذي يتم اعتماده لتحقيقه.1 ً ولإلشارة، فقد منح المشرع الجزائري بعض التطبيقات التي تسمح بتحويل العقد تلقائيا ً وبقوة القانون، دون الحاجة إلى تحقق الشروط المنصوص عليها سابقا، ففي هذه الحاالت، ً يقتصر دور القاض ي على معاينة الحاالت التشريعية المحددة قانونا وإصدار القرار ّ بالتحويل، دون االلتزام بالشروط الخاصة بالتحول التي نصت عليها المادة 105 من القانون المدني الجزائري. 2 ويتمثل مبرر تدخل المشرع إلنقاص العقد الباطل أو تحويله إلى عقد صحيح في حماية مصلحة المجتمع عبر تحقيق االستقرار والتوازن العقدي، وضمان الأمن القانوني للعالقات العقدية، من خالل الحد من حاالت البطالن، إلى جانب صون مصلحة الطرف الأضعف في العقد، وتحقيق المنفعة منه، وتكريس وظيفته االقتصادية.3

الفرع الثاني: تدخل القاض ي لتجاو ز الغبن االستغاللي كوسيلة لحماية العقد

1 نفس المرجع، ص .145 2 ومن هذه التطبيقات نذكر منها ما نصت عليه المادة 204 من قانون المدني، التي جاء فيها : الهبة في مرض الموت واألمراض والحاالت المخيفة تعتبر وصية، وكذا ما نصت عليه المادة 776 منه، والتي جاء فيها أن : كل تصرف قانوني يصدر عن شخص في حالة مرض الموت بقصد التبرع يعتبر تبرع مضافا إلى ما بعد الموت وتسري عليه أحكام الوصية، كما قضت المادة 14 من القانون 11-90 المتعلق بعالقات العمل المعدل والمتمم بتحول عقد العمل محدد المدة الذي يبرم بمخالفة ألحكام هذا القانون إلى عقد عمل غير محدد المدة، حيث جاء فيها يعتبر عقد العمل المبرم ملدة محدودة خالفا ملا تنص عليه أحكام هذا القانون عقد عمل ملدة غير محدودة دون الإخالل باألحكام الأخرى الواردة في القانون. 3جمعة زمام، المرجع السابق، ص .2019

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 17#ص-17

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار منح المشرع القاض ي سلطة تقديرية عند الحكم بإبطال العقد الناتج عن االستغالل، إذ ال يقتصر دور القاض ي هنا على الإبطال كما في باقي العيوب، فقد يحكم القاض ي باإلنقاص ً ً في التزامات المتعاقد المغبون أولا ، أو يقبل الزيادة التي يعرضها المتعاقد المستفيد ثانيا، ً تطبيقا للسلطة التقديرية الممنوحة له، على عكس العيوب الأخرى التي اقتصرت آثارها على الإبطال لحماية الرضا المعيب.

أولا- استبعاد االبطال باإلنقاص من االلتزامات

ً ً القاعدة في العقود هي صحتها وسريانها، واالستثناء هو الإبطال الذي يعد أثرا عرضيا. فإذا استبعد القاض ي إبطال العقد في دعوى االستغالل من خالل تعديله لرفع الغبن الفاحش، يكون بذلك قد حفظ العقد وأنقذه من الزوال1. ً وفقا للمادة 90 من القانون المدني، يمكن للمتعاقد المغبون رفع دعوى الإبطال لحماية نفسه من الغبن، وفي هذه الحالة، تمنح المادة القاض ي سلطة تقديرية لالختيار بين إبطال العقد أو االكتفاء بإنقاص التزامات المتعاقد المغبون إذا رأى أن الغبن يمكن تالفيه باإلنقاص دون الإبطال، وتهدف هذه السلطة التقديرية إلى الحفاظ على العقد والتقليل من حاالت البطالن، بما يحقق استقرار المعامالت2. وفقا للفقه الغالب، فإنه وتبعا ملا جاء به نص المادة 90 من القانون المدني، القاض ي غير ملزم باالستجابة لطلب المتعاقد المغبون في إبطال العقد حتى مع توافر شروط الإبطال، إذ يجوز للقاض ي استبدال حكم الإبطال بتعديل العقد عبر إنقاص التزامات المتعاقد المغبون إلى الحد الذي يكفي لرفع الغبن عنه، فاإلبطال يعني إنهاء العقد بالكامل، لكن القاض ي يمكنه االكتفاء باإلنقاص باعتباره أقل من طلب المدعي، إذ "من يملك الأكثر 1فطيمة نساخ، الوظيفة االجتماعية للعقد، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق ، جامعة الجزائر1، 2013، ص .144 2خليل أحمد حسن قدادة، الوجيز في شرح القانون المدني الجزائري، مصادر االلتزام، ج1، ديوان المطبوعات الجامعية، 1994، ص .69

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 18#ص-18

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ُ ً ً يملك الأقل"، ويعتبر طلب الإنقاص مضمنا ضمن طلب الإبطال، خالفا للحالة التي يقتصر فيها طلب المتعاقد المغبون على الإنقاص فقط1. يستند القاض ي في المفاضلة بين إبطال العقد أو االكتفاء بإنقاص التزامات المتعاقد المغبون إلى ما تفرزه ظروف الدعوى ومالبساتها، فإن تبين له أن الإبطال هو السبيل ّ الأنسب لرفع الغبن قض ى به، أما إذا قدر أن تخفيف التزامات الطرف المغبون يحقق الغاية دون المساس ببقاء العقد، فإنه يكتفي بذلك الإجراء. وفي هذا السياق، يالحظ أنه عندما يرفع المتعاقد المغبون دعوى الإبطال، يمكن للقاض ي االستجابة لطلبه بإبطال العقد إذا رأى أن المتعاقد لم يكن ليبرم العقد لوال االستغالل، أما إذا رأى أن االستغالل لم يفسد رضا المتعاقد إلى هذا الحد، وأنه كان سيبرم العقد بشروط أقل شدة، فيرفض إبطال العقد ويكتفي بإنقاص االلتزامات المرهقة2.

ثانيا- استبعاد الإبطال بالزيادة في االلتزامات

ً يبرز دور القاض ي أيضا عند إنقاذ العقد القابل لإلبطال بسبب االستغالل حين يرفع المتعاقد المغبون دعوى الإبطال، فيعرض الطرف المستفيد من االستغالل زيادة التزاماته ً العقدية، فيرفض القاض ي طلب الإبطال ويقبل هذا العرض، فيعدل االلتزامات وفقا له ً ً ً ويبقي على العقد قائما، إذ وفقا للمادة 90 ف3 من القانون المدني، رتب المشرع حكما ً ً ً ً خاصا باالستغالل، مانحا المتعاقد المغبون خيارا متميزا للبقاء على العقد وتفادي الإبطال، من خالل السماح للطرف المستغل بعرض زيادة في التزاماته العقدية بالقدر الذي يراه 1حميد بن شنيتي، سلطة القاض ي في تعديل العقد، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الجزائر 1، 1996، ص .36 2 نبيل إسماعيل عمر، سلطة القاض ي في المواد المدنية والتجارية (دراسة تحليلية وتطبيقية)، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، ص .255

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 19#ص-19

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ً القاض ي كافيا لرفع الغبن، وهذه الرخصة تقتصر على عقود المعاوضة، إذ ال تسمح عقود التبرع بوجود عوض يمكن زيادته لتعويض المتعاقد المغبون1. أما الهدف من منح المشرع رخصة عرض الزيادة للطرف المستغل وإعطائه الحرية في توقي دعوى الإبطال، فهو ضمان استقرار العقد وحمايته، ورعاية مصالح المتعاقدين والفوائد المترتبة عليهما، باإلضافة إلى صون حقوق الغير المكتسبة. كل ذلك يعكس الواقع الفعلي للعقد وآثاره، ويضمن استقرار المعامالت2. وعليه، يمكن القول أن القاض ي يمارس سلطته التقديرية في قضايا االستغالل من خالل سلطته في االختيار بين الحكم باإلبطال أو االكتفاء بإنقاص التزامات المتعاقد المغبون عند رفع دعوى الإبطال، كما له قبول عرض الزيادة الذي يقدمه الطرف المستغل في عقود المعاوضة، مع تقدير كفاية هذه الزيادة لرفع الغبن.

المبحث الثاني: إنقاذ العقد كوظيفة قضائية: بين منطق الإصالح وحدود التدخل

ً يلعب القاض ي دورا محوريا في إنقاذ العالقة التعاقدية من الزوال، متبنيا منطق الإصالح الذي يوازن بين تصحيح الخلل في العقد وحماية التزامات الأطراف. ويعكس هذا المنطق نهجين متكاملين: منع اللجوء المفرط إلى الفسخ بما يحقق االستقرار العقدي (المطلب الأول)، وفي الوقت ذاته تيسير التنفيذ وحماية التوازن بين الحقوق وااللتزامات ً (المطلب الثاني)، ليظل التدخل القضائي محدودا ضمن إطار القانون والعدالة التعاقدية.

المطلب الأول: الحد من اللجوء إلى الفسخ في إطار فلسفة الحفاظ على العقد

نهدف هنا إلى توضيح كيفية الحد من اللجوء إلى الفسخ ضمن فلسفة الحفاظ على العقد، من خالل استعراض آليتين قضائيتين أساسيتين: الأولى تتعلق بسلطة القاض ي في 1 محمد صبري السعدي، الواضح في شرح القانون المدني، النظرية العامة لاللتزام، مصادر االلتزام، العقد واالرادة المنفردة، دار الهدى للنشر والطباعة والتوزيع، الطبعة الرابعة، الجزائر 2007--2060، ص .202 2عرعارة عسالي، التوازن العقدي عند نشأة العقد، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الجزائر1، 2015-2014، ص .108

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 20#ص-20

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ً ّ منح المدين أجال للتنفيذ بما يمكنه من الوفاء بالتزاماته (الفرع الأول)، والثانية سلطة القاض ي في رفض طلب الفسخ عندما يكون االلتزام المخل به قليل الأهمية، بما يحقق استمرار العقد واستقرار المعامالت (الفرع الثاني).

الفرع الأول: الأجل القضائي: بين ضرورة إنقاذ العقد وضوابط تدخل القاض ي

ُ ّ يعد منح الأجل القضائي إحدى اآلليات التقليدية التي يعتمد عليها القاض ي للتدخل في ُ ً العقود عبر تعديلها، وهو معتمد في أغلب التشريعات الحديثة ويعتبر شكال من أشكال ً التدخل غير المباشر للمشرع في العقد، وبينما يعتبره بعض شراح القانون تدخال للمشرع، يرى آخرون أنه تدخل مباشر من القاض ي، سنركز هنا على هذه اآللية من منظور سلطة ً ً القاض ي، باعتبار منح الأجل القضائي أمرا جوازيا يخضع لتقديره، مع مراعاة شروط أهمها عدم وجود نص قانوني يمنع منحه، كما هو الحال في المادة 476 من القانون التجاري الجزائري التي تحظر منح الأجل القضائي في قضايا السفاتج والسندات ألمر والشيكات.1 وقد أشار العديد من الفقهاء إلى أنه ال جدوى من مقارنة الأجل القضائي الممنوح بمناسبة الفسخ باألجل القضائي الممنوح ضمن دعوى التنفيذ2، ورغم وجود بعض االختالفات الطفيفة، فإن الجوهر يبقى أن القاض ي يتمتع بسلطة معترف بها ملنح الأجل ُ ً ً القضائي للمتعاقدين لتمكينهم من تنفيذ التزاماتهم، وتعد هذه السلطة تدخال صريحا في ُ العقد وممارسة فعلية لتعديله، ويمنح الأجل القضائي عادة في دعاوى التنفيذ كاستثناء ُ ً على قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين" لتخفيف حدة هذا المبدأ، كما يستخدم أيضا للحد 1ابتسام دزيري، إنقاذ العقد، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة العربي بن مهيدي، أم البواقي، الجزائر، 2022-2021، ص .355 2تتعدد صور الأجل القضائي ومن ذلك الأجل الذي يضربه القاض ي لحضور الخصوم حسب تقديره وحسب طبيعة النزاع، ومن ذلك الأجل الذي يمنحه القاض ي للخصم إلحضار البينة التي تؤيد دعواه ومن ذلك الأجل الذي يمنحه القاض ي للمدين المعسر للوفاء بدينه لحين ميسرة، فؤاد محمد معوض، دور القاض ي في تعديل العقد، دراسة تحليلية وتأصيلية في الفقه الإسالمي والقانون الوضعي، دار الجامعة الجديدة، مصر، 2008، هامش ص .456

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 21#ص-21

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ً من الفسخ وتفادي نتائجه السلبية، وهو ما يمثل جزءا من سلطة القاض ي الممنوحة له من المشرع لضمان استمرار العقد وإنقاذه. ً ً وقد اعتمد المشرع هذه اآللية ومنح القاض ي سلطة تقديرية إلعطاء المدين أجال معقوال للوفاء بالتزامه ويبرز ذلك في نص المادة 119 من القانون المدني، حيث تتجلى مظاهر هذه ً ً ً السلطة في جانبين: أولا ، منح المدين أجال لتمكينه من تنفيذ التزاماته غير المنفذة، وثانيا ، رفض طلب الدائن بفسخ العقد إذا كان المدين قد أنجز معظم التزاماته المنصوص عليها في العقد. سيتم التطرق في هذا المقام للخيار ا أل ول في عنصرين، وستتم دراسة الخيار الثاني الحقا.

أولا- قيود تدخل القاض ي في منح المدين الأجل القضائي

ً ً يتعلق منح المدين أجال قضائيا بتعديل أحد عناصر العقد أو أركانه، وهو مدة تنفيذ االلتزام العقدي، فبعض العقود تتسم بطبيعة تتطلب تأخير التنفيذ، مثل عقود الإيجار أو التوريد، بينما يعتمد تنفيذ بعضها على حلول الأجل المتفق عليه، كما في عقود القرض، ُ وبمجرد حلول الأجل، يفترض أن يؤدي المدين التزامه طواعية، وإذا امتنع عن ذلك وكان ً ُ قادرا على الوفاء، يجبر على التنفيذ1، وإذا تعذر على المدين الوفاء رغم استطاعته، فإنه يستحق فرصة إلنقاذ العقد، شريطة توافر عدة شروط نلخصها فيما يلي: ُ ّ َّ -1أن يكون المدين حسن النية: يعتد باألجل القضائي عندما يكون تأخر المدين مرده لظروف خارجة عن إرادته، ال لسوء نية، مثل صعوبة تصريف أمواله أو انتظار حلول موارد قادمة، وفي إطار حسن النية، يفترض تعاون الدائن، فإذا غاب هذا التعاون، أصبح تدخل القاض ي بمنح الأجل الوسيلة المناسبة ملساندة المدين إنقاذا العقد. ُ -2أال يترتب على منح المدين أجال قضائيا ضررا جسيما بالدائن: ال يمنح الأجل القضائي ُ ً ً إذا كان التأجيل يلحق ضررا جسيما بالدائن، كحاجته الفورية للمبلغ لتسوية دين أو 1 فؤاد محمد معوض، المرجع السابق، ص .485

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 22#ص-22

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار إلتمام صفقة، أما في غياب هذا الضرر، فيجوز للقاض ي منح المهلة، بل قد يمتنع عن ً الفسخ عندما يكون تدخل الدائن متعسفا. -3أن يكون الأجل الممنوح للمدين معقوال: وفي هذا السياق، يتمتع القاض ي بسلطة تقديرية ملنح المدين مهلة معقولة، تراعي الوقت الضروري لتمكينه من الوفاء بالتزامه، مع إمكانية تقسيط الدين بما يتناسب مع قدرته على السداد. ويقتصر استفادة الأجل على ُ المدين نفسه الذي منح، دون غيره من المدينين المتضامنين، ويجب أن يختص بالدائن المحكوم له فقط1. -4أال يوجد نص قانوني يمنع منح الأجل القضائي: تستند سلطة القاض ي في منح الأجل إلى ً نصوص قانونية تمنحه هذه الصالحية، لكنها محصورة في بعض الحاالت، خصوصا في المجال التجاري، كما ينص على ذلك المادة 476 من القانون التجاري، التي تمنع منح الأجل القضائي في قضايا السفاتج والسندات ألمر والشيكات.

ثانيا- خصوصية تدخل القاض ي في منح الأجل القضائي

يبدو أن المشرع منح القاض ي سلطة واسعة في منح الأجل مقارنة بحاالت تعديل العقد الأخرى، إذ لم يحددها لنوع معين من العقود أو ظرف محدد، ويمكن تطبيقها على جميع العقود القابلة للفسخ، ومع ذلك، يجب على القاض ي ممارسة هذه السلطة بحذر، وعدم المبالغة في منح المهلة، حتى ال تتحول إلى سبب لالستهتار بتنفيذ االلتزامات العقدية2. يجب التنويه هنا، أن هناك إشكال جوهري حول حدود سلطة القاض ي في منح الأجل ُ ّ القضائي، السيما وأن المادة 119 من القانون المدني لم تح ِّدد الشروط أو المعايير التي يستند إليها القاض ي في تقدير هذا الأجل، واكتفت باإلحالة إلى "الظروف المحيطة" دون 1 نفس المرجع، ص .485 2فايزة طبيب، سلطة القاض ي في تعديل العقد في مرحلتي التكوين والتنفيذ، رسالة دكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الحميد بن باديس، مستغانم، الجزائر، -2018 2019، ص .307

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 23#ص-23

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ً ّ ً بيان طبيعتها أو مدى أهميتها. وهذا الغموض يطرح تساؤال :هل يكون القاض ي مقيدا بعدد َ ُ معين من المهل القضائية، أم أن الأمر يترك لتقديره المطلق؟ يبدو أن الإجابة على هذا التساؤل هي قائمة على السلطة التقديرية الواسعة التي يتمتع بها القاض ي في هذا المجال، إذ ال يوجد نص قانوني يحد من عدد المرات التي يمكنه فيها منح المدين مهلة قضائية، ويجوز للقاض ي منح مهلة تلو أخرى متى توافرت مؤشرات حسن نية ُ ً ً ً المدين، وثبت أن المهلة الجديدة لن تلحق ضررا جسيما بالدائن. ونظرا لغياب نصوص ُ ّ ّ واضحة تنظم هذه السلطة، يبدو من الض روري تعزيز دور المشرع بتقنين آليات أكثر دقة إلنقاذ العقود، بما يضمن اتساق السلطة التقديرية للقاض ي مع متطلبات استقرار المعامالت.

الفرع الثاني: ضوابط سلطة القاض ي في رفض طلب الفسخ

ً طبقا للمادة 119 من القانون المدني، يتمتع القاض ي بسلطة تقديرية في تقرير فسخ ً العقد، إذ له أن يحكم بالفسخ متى توفرت شروطه وبناء على طلب الدائن، كما له أن ً يرفض طلب الفسخ إذا رأى أن تقصير المدين في تنفيذ التزامه ال يؤثر جوهريا على االلتزام الرئيس ي للعقد1. يبقى تحديد المعيار الذي يستخدمه القاض ي لتقدير ما إذا كان االلتزام المخالف ذو أهمية بسيطة أو جوهرية مقارنة بإجمالي االلتزامات، مسألة أساسية، ومن هذا المنطلق، هناك معيار موضوعي يعتمد على مقارنة قيمة االلتزام غير المنفذ مع مجموع االلتزامات العقدية، فإذا تبين للقاض ي أن هذا االلتزام ضئيل التأثير على جوهر العقد، فإنه يرفض طلب الفسخ، أما المعيار الشخص ي، فيركز القاض ي من خالله على إرادة الدائن ونظرته إلى االلتزام غير المنفذ، أي ما إذا كان هذا االلتزام يمثل السبب الرئيس ي الذي دفعه إلبرام 1حسينة حمو، انحالل العقد عن طريق الفسخ، مذكرة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة تيزي وزو، 2011، ص.80

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 24#ص-24

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ُ العقد، فإذا ثبت أن االلتزام ذو أهمية جوهرية بالنسبة للدائن، يقض ى بالفسخ، أما إذا ً ُ كان ثانويا فال يقبل طلب الفسخ1. يتبين من نص المادة 119 من القانون المدني في فقرتها الثانية اعتماد المشرع للمعيار الموضوعي لتقدير أهمية االلتزام غير المنفذ، حيث وردت صياغة عامة تشير إلى "قليل الأهمية بالنسبة إلى كامل االلتزامات"، ومع ذلك، اعتمد المشرع المعيار الشخص ي في بعض ُ العقود الخاصة، مثل عقد البيع في المادة 365، حيث ينظر إلى إرادة الطرف المتضرر في تحديد أهمية االلتزام. 2 وعليه، إذا تبين أن االلتزام غير المنفذ قليل الأهمية مقارنة بكامل االلتزامات، يجوز للقاض ي االقتصار على إجبار المدين على تنفيذ ما تبقى من االلتزام أو تعويض الدائن عنه، ً ً كما يمكنه اللجوء إلى الفسخ الجزئي للعقد بدال من إلغائه كليا، وذلك للحفاظ على العقد واستقرار المعامالت، شريطة أن يكون الإخالل الجزئي ضئيل الأثر بالنسبة إلى كامل االلتزامات3.

المطلب الثاني: القاض ي كضامن للتوازن العقدي: بين تيسير النفاذ وتحقيق

العدالة التعاقدية 1 علي فياللي، المرجع السابق، ص .461 2 تنص المادة 365 مدني على أنه " إذا عين في عقد البيع مقدار المبيع كان البائع مسؤوال عما نقص منه بحسب ما يقض ي به العرف، غير أنه ال يجوز للمشتري ان يطلب فسخ العقد لنقص في البيع إذا اثبت أن النقص يبلغ من الأهمية درجة لو كان يعلمها المشتري ملا أتم البيع". 3 العربي بلحاج، المرجع السابق، ص .896 ويتحقق الفسخ الجزئي في العقود التي تتضمن أداءات متتابعة أكثر من غيرها، حيث تتضمن سلسلة من االلتزامات المتقابلة المستقلة عن بعضها البعض، حيث يمكن فصل كل جزء من باقي الأجزاء دون أن يمس ذلك بالغرض الذي استهدفه المتعاقدان من التعاقد، كعقود التوريد، حيث يقتصر الفسخ على الأداء المعيب أو الناقص دون باقي العقد، وكعقد التأمين بوصفه عقدا مستمرا، راجع: حسينة حمو، المرجع السابق، ص .84

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 25#ص-25

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار يمثل تدخل القاض ي في العقود آلية لحماية التوازن التعاقدي وضمان استمرارية التنفيذ، ال سيما في ظل وجود شروط تعسفية (الفرع الأول)، أو عند مواجهة ظروف طارئة (الفرع الثاني).

الفرع الأول : فعالية سلطة القاض ي في مواجهة الشروط التعسفية

عالج المشرع مسألة عقود الإذعان في المواد 70، 110، و112 فقرة 2 من القانون ً المدني، باعتبارها عقودا حديثة النشأة في الفقه القانوني المعاصر نتيجة التطورات االقتصادية الكبيرة، إذ تتطلب بعض السلع والخدمات قدرات مالية ضخمة ال تتحملها سوى الشركات الكبرى، ما يحد من المنافسة ويتيح لهذه الشركات احتكار هذه السلع والخدمات في أسواق محدودة. ّ ّ سبق أن بينا، عند تناولنا سلطة القاض ي في حاالت االستغالل، أن المشرع أراد من وراء منح هذه السلطة تحقيق العدالة العقدية وحماية الطرف المتضرر نتيجة استغالله، ففي ً هذه الحاالت، يحصل أحد الأطراف، غالبا الأقوى، على أكثر مما يستحق أو أكثر مما التزم به الطرف الضعيف نتيجة الظروف المحيطة، وال يختلف الوضع في عقود الإذعان، حيث ً يكون الطرف المذعن معرضا للضرر بسبب سيطرة الطرف القوي واستقالله في صياغة شروط العقد، لذا منح المشرع القاض ي سلطة تقديرية لتحديد مدى التعسف وحماية الطرف الضعيف، بما يرفع الضرر عنه ويضمن عدالة تنفيذ العقد، وهذه السلطة، رغم مرونتها، مقيدة بمقتضيات العدالة، كما أنها تعكس توجه المشرع نحو الحفاظ على العقد وحمايته من الإلغاء الناتج عن اختالل التوازن بين الطرفين. ً وبناء عليه، ستتناول في هذه الدراسة دور القاض ي في تقييم التعسف في عقود الإذعان أولا، وحدود سلطته في توقيع الجزاء المناسب لحماية الطرف الضعيف والحفاظ على العقد ثانيا.

أولا- سلطة القاض ي في تقدير التعسف واختالل التوازن العقدي
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 26#ص-26

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار تتمثل طبيعة عقود الإذعان في أن الطرف المذعن، رغم تفاوت قدراته مع الط رف ً ُ القوي، يظل محتفظا بحرية القبول أو الرفض، فال يفترض وجود عيب في الرضا، ومع ذلك، راعى المشرع هذا التفاوت من خالل منح القاض ي سلطة رقابية على هذه العقود، ّ تمكنه من البحث في مدى التعسف في صياغة الشروط ومدى إخاللها بالتوازن العقدي، ً فإذا ثبت القاض ي وجود تعسف، جاز له تعديل الشروط أو إلغاؤها كليا. وتوضح المادة 110 من القانون المدني الإطار العام إلمكان تدخل القاض ي لتعديل عقد الإذعان بما يخرج عن قاعدة سلطان الإرادة التقليدية، التي تحظر أي تدخل في تعديل ً موضوع العقد أو إلغائه احتراما إلرادة المتعاقدين، ويشترط في هذا التدخل وجود عقد ً إذعان يتضمن شروطا تعسفية يمكن للقاض ي تعديلها أو إزالتها لضمان التوازن والعدالة العقدية1.

ثانيا - الجزاءات القضائية لحماية استمرارية العقد

بالرجوع إلى نص المادتين 110 و112 من القانون المدني، يتضح أن المشرع وفر حماية ً خاصة للطرف المذعن في عقود الإذعان، متجاوزا الدور التقليدي المحدود للقاض ي في تفسير وتكييف العقد، فالمادة 110 تمنح القاض ي سلطة تعديل شروط العقد التعسفية أو إعفاء الطرف المذعن منها بالكامل، مع إلزامه بمراعاة مبادئ العدالة في هذا التدخل االستثنائي. وسنتناول فيما يلي سلطة القاض ي في تطبيق الجزاء المناسب ضمن هذا الإطار.2 ً ّ أ- تعديل الشروط كآلية قضائية إلنقاذ العقد: إذا تضمن عقد الإذعان شروطا تعسفية، يجوز للقاض ي تعديلها لتحقيق التوازن وحماية الطرف الضعيف. ب- الإعفاء من الشروط التعسفية: إذا رأى القاض ي أن تعديل الشروط التعسفية ال يحقق الحماية الكافية للطرف المذعن، جاز له إبطال تلك الشروط مع الإبقاء على العقد 1تنص المادة 110 من القانون المدني على أنه "إذا تم العقد بطريقة الإذعان، وكان قد تضمن شروطا تعسفية جاز للقاض ي أن يعدل هذه الشروط وأن يعفي الطرف المذعن منها، وذلك وفقا ملا تقض ي به العدالة ويقع باطال كل اتفاق على خالف ذلك". 2ابتسام دزيري، المرجع السابق، ص .897

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 27#ص-27

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار ً ُ ّ صحيحا. ويعد هذا الإعفاء وسيلة فعالة لحماية الطرف الضعيف، ألنه يزيل الشرط المجحف دون حرمانه من السلعة أو الخدمة محل العقد، كما يحافظ على استمرار العقد واستقرار المعامالت، وبذلك يشكل ا إلعفاء أداة قضائية إلنقاذ العقد من الزوال أو البطالن.

الفرع الثاني: تدخل القاض ي بمناسبة نظرية الظروف الطارئة كألية إلنقاذ العق ود

تتعرض العقود ذات التنفيذ المتراخي لقدر أكبر من المخاطر مقارنة بالعقود الفورية، إذ يجعلها طول المدة أكثر عرضة لتقلبات قد تهدد استمراريتها وتخل بتوازنها االقتصادي، ُ َ ولهذا يفسح المجال للقاض ي للتدخل عند اضطراب هذا التوازن بسبب ظروف طارئة تزيد ً من إرهاق المدين، فقد تشهد السوق، أثناء تنفيذ العقد، ارتفاعا غير مألوف في أسعار ً ُ السلع محل االلتزام، بحيث يصبح التنفيذ مستحيال فيعد قوة قاهرة، وال يبقى كذلك معقول الكلفة، بل يتحول إلى عبء يهدد المدين بخسائر استثنائية. وفي مثل هذه الحاالت، ُ ُ ال يترك العقد لالنهيار، وال يلزم المدين بأداء يجاوز قدرته، بل يباشر القاض ي سلطته في إعادة االلتزام إلى مستوى معقول يحقق التوازن المطلوب دون إلغاء العقد أو تحميل المدين ً ُ ً إرهاقا ال يطاق، وفقا لفلسفة حديثة تهدف إلى إبقاء الرابطة التعاقدية قائمة رغم تقلب الظروف.1 ّ ً بالتالي، تقوم نظرية الظروف الطارئة على فكرة مفادها أن العقد ينشأ مرتبطا بتوقعات ّ مستقرة لدى المتعاقدين، غير أن الأحداث االستثنائية وغير المتوقعة قد تقلب هذه ّ المعادلة وتحول تنفيذ االلتزام إلى عبء يفوق الحدود المألوفة. وهنا يتدخل القاض ي، ً استنادا إلى المادة 3/107 من القانون المدني2، إلعادة االلتزام إلى حد معقول يضمن 1عبد الن ور بن لعلى، دور القاض ي والمتعاقدين في تعديل العقد بهدف المحافظة على العقد، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، المجلد 15، العدد 03، الجزائر، 2022، ص .801 2تنص المادة 3/107 من القانون المدني على أن "...غير أنه إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ االلتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيال، صار مرهقا

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 28#ص-28

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار استمرار العقد دون الإضرار بأحد الأطراف، فيتحول دوره من مجرد أداة لتطبيق ّ النصوص إلى فاعل محوري إلحياء التوازن المالي واالقتصادي للعالقة التعاقدية، ورغم أن الأصل هو احترام إرادة المتعاقدين، فإن تدخله يصبح ضرورة عندما تهدد الظروف الطارئة استقرار االلتزامات أو إمكانية تنفيذها، فيمارس سلطته التقديرية ملعالجة هذا الخلل وفق ّ ما تقتضيه العدالة، وفي هذا الإطار تتجلى مجموعة من الصالحيات المخولة للقاض ي للتعامل مع هذه االضطرابات. ً

أولا - معاينة وجود الظروف الطارئة: يتعين على القاض ي التأكد من أن الظروف الطارئة

ً ً غير متوقعة عند إبرام العقد، وأنها تجعل تنفيذ العقد أو تنفيذ االلتزام صعبا أو مكلفا بشكل غير متناسب، هذه الخطوة تمكن القاض ي من التفرقة بين الحاالت العادية وحاالت ا الضطرار الواقعي، مما يبرر التدخل لتعديل العقد أو إنقاذه. ً

ثانيا : تقدير أثر الظروف على التزامات الأطراف: يقوم القاض ي بتحليل كيفية تأثير

الظروف الطارئة على أداء كل طرف اللتزاماته، ويحدد ما إذا كانت هناك زيادة غير متناسبة في العبء على أحد الأطراف أو تراجع في المنافع االقتصادية المتوقعة، ويأتي هذا التقدير لتجنب الزوال الكامل للعقد أو وقوع ضرر فادح على أحد الأطراف بما يحقق العدالة االقتصادية والتعاقدية. ً

ثالثا- تعديل االلتزام المرهق: وهي أهم سلطة، حيث يجوز للقاض ي وفقا للمادة 107 مدني

ُ أن يعيد االلتزام المرهق إلى الحد المعقول، وعلى الرغم من منح القاض ي صالحية التدخل ّ عند اختالل التوازن العقدي، فإن المشرع لم يترك هذه السلطة مطلقة، بل أحاطها ّ ّ بضوابط دقيقة حتى ال تتحول إلى مساس غير مبرر بقدسية العقد. فالتعديل القضائي ال يتحقق إال بعد فحص شامل لكل المالبسات المحيطة بالعقد، وهو ما يستفاد من روح المادة 107 التي تلزم القاض ي بالتثبت من الظروف التي أفرزت الإرهاق قبل مباشرة أي تعديل. للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للقاض ي تبعا للظروف وبعد مراعاة ملصلحة الطرفين أن يرد االلتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويقع باطال كل اتفاق على خالف ذلك ".

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 29#ص-29

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار وإلى جانب ذلك، يلتزم القاض ي بإعمال معيار آخر ال يقل أهمية، يتمثل في تحقيق توازن ُ ّ عادل بين مصلحتي الطرفين، بحيث ال يرجح أحدهما على حساب اآلخر، بل يبحث عن نقطة وسط تحفظ مصالحهما على حد سواء، وعلى ضوء ذلك، يعيد القاض ي صياغة ً االلتزام المرهق ليصبح في نطاق معقول يضمن استمرار الرابطة التعاقدية، مستعمال سلطته التقديرية في رسم مدى هذا التعديل بالشكل الذي يصون استقرار العقد وال يخل بإنصاف المتعاقدين.1 ُ يالحظ أن تدخل القاض ي في إطار الظروف الطارئة ال يقوم على مجرد تطبيق آلي للنصوص، بل على فلسفة إنقاذية تهدف إلى حماية العقد من مصيره الطبيعي وهو االنحالل في حال استحالة التنفيذ أو إرهاقه الشديد، فالقاض ي عند تحقق شروط ً النظرية، يقف أمام خيارين متناقضين: إما أن يحكم بفسخ العقد استجابة ملبدأ القوة ً الملزمة للعقد، أو أن يتدخل لتعديل االلتزامات حفاظا على التوازن ، ومن خالل سلطته في التعديل، ينقذ العقد من الزوال، ويضمن استمراره على نحو يحقق العدالة للطرفين. ّ ّ إن تدخل القاض ي هنا يحول الإنهاء المحتمل للعقد إلى تعديل بناء، فيخفف االلتزام أو يؤجل تنفيذه أو يعدل المقابل المالي، وهكذا ينتقل القضاء من سلطة "الإنهاء" إلى سلطة ّ "الإصالح"، وهي سلطة إنشائية تبرز الدور الخالق للقاض ي في إحياء العقد ال إنهائه. من خالل المادة 3/107 ق م، لم يقتصر المشرع على تمكين القاض ي من تعديل العقد َ ً ملعالجة االختالل، بل سعى أيضا إلى إصالح العقد وضمان استمراريته، وبذلك، لم تعد مشروعية القوة الملزمة مرتبطة فقط بالحرية العقدية، بل أصبح إنقاذ العقد وتحقيق ً العدالة بين المتعاقدين جزءا من أهدافها، بما يضمن توافقها مع العدالة العقدية واألمن القانوني. من خالل ما سبق، يتضح أن تدخل القاض ي في نطاق نظرية الظروف الطارئة لم يعد ً ّ مجرد تطبيق لقاعدة استثنائية، بل أصبح تجسيدا للتحول العميق الذي مس الفكر 1عبد النور بن لعلى، المرجع السابق، ص .802

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 30#ص-30

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار العقدي الحديث، القائم على المواءمة بين مبدأ سلطان الإرادة ومبدأ العدالة التعاقدية، فالقاض ي، بسلطته في تعديل االلتزامات وإعادة التوازن، يمارس وظيفة إنقاذية بامتياز، تهدف إلى حماية العقد من االنهيار، وضمان استمراريته كأداة لتنظيم المصالح الخاصة في ظل تقلبات الواقع االقتصادي واالجتماعي. ّ ّ إن هذه السلطة، رغم طابعها االستثنائي، تكرس فلسفة جديدة للعقد، تقوم على ّ المرونة والتكيف بدل الجمود، وتجعل من القضاء ركيزة أساسية لتحقيق الأمن القانوني ّ واستقرار المعامالت. وبذلك يمكن القول إن تدخل القاض ي في الظروف الطارئة يمثل أحد أهم مظاهر القضاء الإنشائي الحديث الذي يوازن بين منطق النص وروح العدالة، ويجعل من وظيفة القضاء وسيلة إلحياء العقود ال إلنهائها، ولتحقيق العدالة بدل االقتصار على تطبيقها.

خاتمة:

يشكل إنقاذ العقد الهدف الأسمى للدور القضائي في صيانة االستقرار التعاقدي، فهو يسعى للحفاظ على الروابط العقدية المهددة باالنهدام أو الزوال، إال أن هذا الهدف ال يتحقق بمجرد البحث عن آليات حديثة أو أدوات مبتكرة، بل يتطلب استحضار الأنظمة التقليدية وتفعيلها بما يخدم حماية العقد ويوازن بين االلتزامات والحقوق ، ومن خالل ً ّ هذه الدراسة، برز جليا غياب استراتيجية واضحة من المشرع توجه بشكل مباشر نحو ً إنقاذ العقود، وهو ما يجعل التدخل القضائي رهينا بمدى مرونة الأنظمة القائمة وفاعلية اآلليات المتاحة. وقد تبين أن نجاح هذا التوجه يرتبط بتخفيف حدة الجزاءات المرتبطة بالعقد، بحيث ال تتحول العقوبات إلى أداة تهدد استمرارية الرابطة العقدية، بل تصبح وسيلة إلصالح ً الخلل وحماية التوازن ، غير أن هذا التحدي يزداد تعقيدا أمام خصوصية كل نظام وآلية، إذ من الصعب تبني حل عام شامل لكل أشكال الخلل، فكل عقبة تواجه العقد تتطلب معالجة خاصة تتوافق مع طبيعتها القانونية.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 31#ص-31

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار إال أنه، ورغم هذه المحدودية في الأنظمة واآلليات التشريعية، يظل للقاض ي دور محوري في إنقاذ العقود وحماية التوازن التعاقدي، فالقاض ي، بقدرته على التقدير الموضوعي للوقائع والظروف الخاصة بكل عقد، يستطيع تكييف القرارات بما يحقق العدالة ويحفظ استمرارية االلتزامات دون الإخالل بالحقوق الأساسية لألطراف، وهو ما يقتض ي من القاض ي الموازنة بين سلطته التقديرية والضوابط القانونية من أجل استنباط الحلول البديلة المالئمة، مثل تعديل االلتزامات أو منح أجال إضافية أو حتى التدخل لرفع الغبن، بما يضمن الحفاظ على الرابطة العقدية. وعليه، فإن غياب استراتيجية تشريعية شاملة ال يفرغ الدور القضائي من أهميته، بل يزيد من قيمة المبادرة القضائية في حماية العقود من الزوال، فعلى الرغم من محدودية ً ً اآلليات التي يتيحها القانون، يستطيع القاض ي أن يؤدي دورا ضابطا الستقرار العالقة ً التعاقدية، من خالل المواءمة بين قدسية العقد ومتطلبات العدالة الواقعية استجابة لظروف كل نزاع. بناء على ذلك تم اقتراح التوصيات التالية:  وضع استراتيجية تشريعية شاملة إلنقاذ العقود تتضمن تحديد الأطر العامة للتدخل القضائي مع مراعاة خصوصية كل حالة تعاقدية، وذلك من خالل تطوير سياسات وآليات عملية تجمع بين الأنظمة التقليدية والتوجهات الحديثة في إصالح الخلل التعاقدي، بما يعزز منطق المحافظة على العقد واستمراريته.  توسيع سلطة القاض ي في استبدال الحكم باإلبطال بتقرير التعويض المناسب، مع تمكينه من الجمع بينه وبين جزاءات بديلة كاستبدال السلعة أو تخفيض الثمن أو تصحيح ً االلتزام، وذلك متى كان الضرر قابال للجبر، ويستند هذا التوجه إلى ضرورة توفير إطار ً قانوني يمنح القضاء هامشا أوسع العتماد حلول إنقاذية تحفظ استمرارية العقد وتحقق العدالة بين الأطراف.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 32#ص-32

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار  مراجعة مدة التقادم في دعاوى الإبطال وتقليصها بما ينسجم مع متطلبات استقرار ّ المعامالت، باعتبار أن التقادم يعد وسيلة غير مباشرة للحفاظ على العقد ومنع انهياره، ّ دون المساس بمبدأ القوة الملزمة ودور المشرع في تحقيق العدالة. ّ ً ّ ً  الحد من نطاق الفسخ باعتباره جزاء مه ِّددا الستقرار المعامالت، وذلك من خالل إعادة ضبط شروطه، وتعزيز التعاون بين المتعاقدين لتفاديه. ً  تكريس الإنقاذ في نصوص القانون المدني ولو جزئيا كآلية أساسية ليصبح الإنقاذ القاعدة العامة والبطالن هو االستثناء، مع توسيع سلطة القاض ي على أسس موضوعية، ً ً واعتبار إنقاذ العقد التزاما يقع على عاتق الأطراف ال مجرد خيار، بما يحقق قدرا أعلى من الأمن القانوني واستقرار المراكز التعاقدية.  تفعيل آلية الفسخ الجزئي كوسيلة إلنقاذ العقود، وذلك من خالل النص عليها صراحة وتوسيع سلطة القاض ي التقديرية في الحكم بها بما يسمح له بالتصرف في أجزاء معينة من العقد دون الإضرار ببقية االلتزامات ويضمن استقرار العالقة التعاقدية في حد ود االمكان، ُ كما يقترح إعادة النظر في المادة 119 من القانون المدني إلتاحة الفسخ الجزئي كخيار للدائن، بما يعزز استمرارية العقد.  تعزيز سلطة القاض ي في تطبيق آلية التحول من خالل االعتماد على المعايير الموضوعية ً بدال من إرادة المتعاقدين، وذلك بهدف توسيع نطاق ا إلنقاذ، وضمان استقرار المعامالت، مع تمكين القاض ي من أداء دوره الإصالحي لتحقيق العدالة والتوازن العقدي.  ترسيخ ثقافة التوازن بين حرية التعاقد والتدخل القضائي الإصالحي من خالل تعزيز الوعي القانوني وتوضيح المعايير التي تحكم عدالة تدخل القضاء.  تعزيز الرقابة على العقود ذات المخاطر العالية خاصة في المعامالت التجارية أو الصناعية الكبرى لتطبيق سياسات وقائية تساهم في منع حدوث الخلل الذي قد يؤدي إلى الإبطال أو الفسخ، وذلك كفرض اعتماد آلية مراجعة العقود قبل توقيعها.

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 33#ص-33

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار

قائمة المصادر والمراجع

أولا: قائمة المصادر -1 الأمر رقم 58-75 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975 المتضمن القانون المدني، المعدل والمتمم. ج ر عدد 78 الصادرة بتاريخ .1975/09/30 -2 القانون رقم 11-90 مؤرخ في 21 أفريل 1990 يتعلق بعالقات العمل، ج ر رقم 86 المعدل والمتمم بالقانون 29-91 المؤرخ في 21 ديسمبر 1991، ج ر رقم 68 وباألمر 21-96 المؤرخ في 1996-07-09، ج ر رقم .43

ثانيا: قائمة المراجع باللغة العربية

أ-الكتب: -1 العربي بلحاج، النظرية العامة لاللتزامات في القانون المدني الجزائري، الجزء الأول، المصادر ا إلرادية، العقد واإلرادة المنفردة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2015 . -2 خالد عبد حسين الحديثي، تكميل العقد، دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، ط1، لبنان، 2012، -3 خليل أحمد حسن قدادة، الوجيز في شرح القانون المدني الجزائري، مصادر االلتزام، ج1، ديوان المطبوعات الجامعية، 1994 . -4 جميل الشرقاوي، النظرية العامة لاللتزام، الكتاب الأول، مصادر االلتزام، دار النهضة العربية، القاهرة، 1981 . -5 عبد الحي حجازي، النظرية العامة لاللتزام وفقا للقانون الكويتي، الجزء الأول، مصادر االلتزام، المجلد الأول، مطبوعات جامعة الكويت، الكويت، 1982 . -6 فؤاد محمد معوض، دور القاض ي في تعديل العقد، دار الجامعة الجديدة، مصر، 2008 . -7 محمد صبري السعدي، الواضح في شرح القانون المدني، دار الهدى، الطبعة الرابعة، الجزائر، 2007 . -8 محمد صديق محمد عبد هللا، موضوعية الإرادة التعاقدية، دار الكتب القانونية، القاهرة، 2012 . -9 نبيل إسماعيل عمر، سلطة القاض ي في المواد المدنية والتجارية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية. ب-الرسائل الجامعية -1 ابتسام دزيري، إنقاذ العقد، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة العربي بن مهيدي، أم البواقي، .2022-2021 -2 حميد بن شنيتي، سلطة القاض ي في تعديل العقد، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الجزائر1، .1996

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 34#ص-34

دور القاض ي المدني في إنقاذ العقود: وحدة الهدف وتعدد الأدوار -3 حسينة حمو، انحالل العقد عن طريق الفسخ، مذكرة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة تيزي وزو، .2011 -4 سعاد بوختالة، دور القاض ي في تكملة العقد، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الجزائر1، .2016-2015 -5 عرعارة عسالي، التوازن العقدي عند نشأة العقد، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الج زائر1، . 2015-2014 -6 فايزة طبيب، سلطة القاض ي في تعديل العقد في مرحلتي التكوين والتنفيذ، رسالة دكتوراه، جامعة مستغانم، .2019-2018 -7 فطيمة نساخ، الوظيفة االجتماعية للعقد، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الجزائر1، .2013 -8 جمعة زمام، العدالة العقدية في القانون الج زائري، رسالة دكتوراه علوم، كلية الحقوق، جامعة الجزائر1، .2014-2013 ج-المقاالت العلمية -1 ابتسام دزيري، سلطة القاض ي في تكملة العقد، مجلة بحوث، جامعة الجزائر1، العدد 12، .2018 -2 سفيان سواملة، نظرية تحول العقد في القانون المدني الجزائري، مجلة دراسات وأبحاث، جامعة زيان عاشور الجلفة، العدد 29، .2017 -3 عبد النور بن لعلى، دور القاض ي والمتعاقدين في تعديل العقد بهدف المحافظة على العقد، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، جامعة زيان عاشور الجلفة، المجلد 15، العدد 03، الجزائر، .2022

ثالثا: قائمة المراجع باللغة الأجنبية

Philippe Jacques, Regards sur l'article 1135 du Code civil, Nouvelle Bibliothèque de Thèses, no 46, Dalloz, Paris,2005.