القانون الدولي العام والمنظمات الدوليةسنة 2022المجلّة الجزائرية للقانون المقارنOpen Access · وصول حر

حق الدفاع والمحاكمة العادلة (آداب المحامين)

ر
رايس, محمد
¨جامعة تلمسانصفحة 138-15628 أقسام مفهرسة

ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)

حق الدفاع والمحاكمة العادلة (آداب المحامين) The lawyer and the judge represent the two wings of justice, and they are its undisputed guardians. They protect it from every futility that tries to undermine it or belittle it, and from every abuse that deviates from its noble goal and mission, which is to establish the truth and remove falsehood. Our research paper discusses legal guarantees to enshrine the role of the lawyer in achieving a fair trial

توليد التوثيق الأكاديمي للبحث (Citation):

رايس, محمد، "حق الدفاع والمحاكمة العادلة (آداب المحامين)"، المجلّة الجزائرية للقانون المقارن، مجلد 3، عدد 6، ص ص 138-156.

متن الدراسة والتحليل الفقهي

17 صفحات مرقمة
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 1#ص-1

المجلد: 05 ا ل ع د د : 9 0 ا ل س ن ة: 2022 الصفحات: 95 حق الدفاع والمحاكمة العادلة (آداب المحامين) الدكتور:رايس محمد أستاذ التعليم العالي كلية الحقوق والعلوم السياسية تاريخ االستالم: 2022/1/1 تاريخ القبول: 2022/3/1 ملخص: المحامي والقاضي يمثالن جناحي العدالة ، وهما ولياها بال منازع. يحمونها من كل عبث يحاول تقويضها أو التقليل من شأنها ، ومن كل إساءة تنحرف عن هدفها ورسالتها النبيلة ، وهي إثبات الحقيقة وإزالة الباطل. تناقش ورقتنا البحثية الضمانات القانونية لتكريس دور المحامي في تحقيق محاكمة عادلة كلمات مفتاحية: المحامي-المحاكمة العادلة-المرافعة –المواثيق الدولية Abstract: The lawyer and the judge represent the two wings of justice, and they are its undisputed guardians. They protect it from every futility that tries to undermine it or belittle it, and from every abuse that deviates from its noble goal and mission, which is to establish the truth and remove falsehood. Our research paper discusses legal guarantees to enshrine the role of the lawyer in achieving a fair trial Keywords: Lawyer- fair trial- Legal Advocacy- International Agreements

مقدمة:

للمحامين آداب رفيعة للمرافعة أمام المحاكم أرستها تقاليدهم الراسخة. وهذه اآلداب هي جواهر فاخرة و كنز را ٍق و غا ٍل بين أهل هذه المهنة، هذه اآلداب تدركها الأفكار السليمة، وتصقلها التجارب الطويلة. وكلما ازدادت خبرة العمل في المحاماة كلما اكتسب المحامي من هذه اآلداب وألتصق بها و التصقت به. والمحاماة علم من أقدم

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 2#ص-2

العلوم تاريخيا، و ف ٌّن رفيع يتطلب قدرة و براعة ومهارة، و فوق هذا و ذاك فهي رسالة لها من السم ِّو و الرفعة ما هو غني عن البيان. وإذا كان المحامي مع القاضي يمثالن جناحا العدالة، و هما حارساها بدون منازع، يدودان عنها من كل عبث يحاول النيل منها أو التقليل من شأنها،و من أي شطط ينحرف بها عن مقصودها ورسالتها النبيلة، المتمثلة في إحقاق الحق و إزهاق الباطل. و لما كانت العدالة بالنسبة إلى الشعب الجزائري مسألة حياة أو استشهاد جاءت ثورة أول نوفمبر الخالدة لينرسي و ينقيم بعض أسباب إزالة و محو الفساد الذي أصاب كل ميادين حياة الجزائريين إبان العهد الإستدماري حيث طغى القمع و الظلم على الشرعية و القانون، وتَرا َكم ال ُّسخط و تجمعت القوى ال ُملجمة للتغيير و الإصالح من جراء ممارسات و ضغوط قِّوى ال َّشر و الطغيان. فغابت العدالة عن للجزائريين و ُخ ِّ ربت حضارتهم و هُ ِّ شم تقدمهم و تناثرت معارفهم، فقام نف ٌر من المحامين لص ِّ د و مجابهة هذا الوضع و الثورة عليه، فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديال، ففتحوا بدلك الطريق لهيأة الدفاع أن تظهر و أن تقوم في شموخ و كرامة وحرية و استقاللية. مما ال شك فيه أن المحامي وهو يمارس نشاطه المهني يتمتع بكثير من الحرية و االستقالل و الحصانة و احتكار الدفاع، وهذه امتيازات ُخ َّص بها أصحاب البذلة السوداء، بَْيد أن هذه االمتيازات تقابلها التزامات أدبية و أخالقية وكذلك قانونية.1 من

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 3#ص-3

هذه االلتزامات الأديبة و الأخالقية ما أقرته الأعراف من سلوك قويم و ممارسة مهنية صحيحة و التمسك بالمروءة و الشرف و ال ِّعف ة و التشبث باللياقة و اللباقة و حسن الخلق،و ممارسة النشاط المهني بشرف و نزاهة و تج ُّرد حفاظا على كرامة المهنة و عزتها.1

المبحث الأول:قواعد المحاكمة العادلة:
المطلب الأول: قواعد المحاكمة العادلة في المواثيق الدولية
الفرع الأول:الإعالن العالمي لحقوق الإنسان:

تنص المادة العاشرة من الإعالن على: لكل إنسان على قدم المساواة مع اآلخرين الحق أن تنظر في قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظرا منصفا وعلنيا للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أية تهمة جزائية توجه إليه. كما جاء بالمادة الحادية عشر: كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونا في محاكمة علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات الالزمة للدفاع عن نفسه.

الفرع الثاني:العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية:

تنص المادة 14 من العهد: من حق كل فرد إن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون،كما إن من حق كل محتجز أن يحاكم حضوريا وأن يدافع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محام من اختياره وأن يحظر بحقه في وجود من يدافع عنه. * مجموعة المبادئ لألمم المتحدة المتعلقة بحماية جميع الأشخاص اللذين يتعرضون ألي شكل من أشكال الإيقاف أو السجن . - أكدت هذه النصوص بالخصوص على الحق في اختيار محام فجاءت ناصة على أنه من حق كل مضنون فيه تكليف محام للدفاع عنه في جميع مراحل الإجراءات الجزائية (المبدآن 10 و17 من مجموعة المبادئ). وينص المبدأ السابع من المبادئ الأساسية المتعلقة بدور المحامين على أن من حق الموقوفين االستعانة بمحام فورا.

المطلب الثاني: قواعد المحاكمة العادلة في القانون الداخلي
الفرع الأول:استقالل القضاء وشروط المحاكمة العادلة:

إخضاع القضاء الذي هو رمز العدالة والعدل لرغبات الد ولة يُعد وجها من أوجه االضطهاد ال سياس ي. وتعمد الد ولة المتسل طة بصفة عا مة إلى فرض محاكمات صوري ة ال تتوف ر فيها أدنى الحقوق للمساجين ال سياسي ين وذلك بهدف الت ح كم في الحركات االجتماعي ة المختلفة التي تطمح إلى الت غيير. وبهذه الكيفي ة يت م تسخير القضاء لصالح الد ولة، وعادة ما تكون هذه الحالة مصحوبة بانعدام الت شريعات التي تحمي استقاللي ته. وعندما تنعدم استقاللي ة القضاء تنعدم مصداقيته وتنعدم شرعي ته وتتق وض العدالة. وكثيرا ما يُطلق العنان، في وضع كهذا، ألجهزة الأمن لكي تمارس القمع كما يحلو لها. وقد تلجأ ال سلطة، عند القيام بحمالت اُعتقال، إلى إصدار القوانين 1 أنظر في هذا المعنى، محمد بلهاشمي التسولي، مسؤولية المحامي، المطبعة الوطنية ، مراكش، المغرب،

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 4#ص-4

االستثنائي ة والمراسيم ال رئاسي ة التي تج رد القضاء من جميع المبادئ القانوني ة الموجودة من قبل لتح ل محل ها إجراءات ال هدف لها سوى االنتقام من المناوئين والت غطية على عملي ات الت عذيب. ث م تقوم المحاكمات فتدور إ ما بصفة س رية أو أمام المحاكم الخا صة مثل محاكم أمن الد ولة أو المحاكم العسكري ة، وفي كلتا الحالتين ال ينعد محاكمات عادلة. وعادة ما تكون الأحكام ال صادرة قاسية جد ا. أنا أكتب هنا عن القضاء ألن ه يعيش وضعا تراجيد يا في ك ل بلد عرب ي وألن ي أومن بأ ن االنتقال إلى مرحلة الد يمقراطي ة الحقيقي ة يتطل ب أن تضع الد ول حد ا لتد خلها في القضاء. ال ظلم ال يمكن أن يكون إال دليال على الت خ لف ال سياس ي واالستبداد ويبدأ بعملي ة خرق القوانين الموجودة وعدم الت قي د بالمبادئ الإنساني ة في معاملة المساجين والمعتقلين ث م يمتد ليشمل ممارسات أخرى هدفها حرمان الأفراد والمجموعات من أبسط حقوقهم. إ ن القمع وتسخير الأجهزة الأمني ة لصالح ال سلطة بحيث تصبح مج رد أدوات لالنتقام من المعارضين دليل على أ ن ال سلطة ال تملك شرعي ة قانوني ة وال تتمت ع بالقبول من طرف شرائح المجتمع ولذلك تفرض نفسها بالق وة. وأ ما انعدام العدالة فيؤد ي إلى ظاهرة عدم الت كافؤ بين شرائح المجتمع فيصن ف البعض على أن هم موالون واآلخرون على أن هم أعداء أو مناوئون. والعد و في ثقافتنا (بال رغم من كونه ليس عد وا) تفعل به أجهزة الد ولة ما تشاء وتحرمه من ك ل حقوقه االقتصادي ة والمدني ة وال خوف وال حرج: منعه من ال سفر ومن الحصول على جواز سفر ومن مقابلة الن اس ومن أبسط الخدمات التي تقد مها ال سلطة لمواطنيها كالكهرباء والهاتف وغير ذلك وحرمانه من العمل والعالج وحرمان أبنائه من الد راسة. وك ل ذلك يدخل في إطار العقاب واالنتقام واإلجبار على الخضوع لتع سف الد ولة. وتلك الممارسات تظ ل ممارسات الإنساني ة في جوهرها ومتعارضة مع مبادئ القانون وفلسفة القضاء.

الفرع الثاني:شروط المحاكمة العادلة:

استقاللي ة الفرد تتطل ب تمت عه بنوع من االحترام الأخالق ي، وبالت الي ال يجب أن تتد خل ال سلطة مستعملة الق وة إلهانته وتجريده من إنساني ته عن طريق حبسه اعتباط يا أو تعذيبه أثناء الحبس. وال يجب أن تتد خل الد ولة إال لمنع شخص أو أشخاص من إلحاق ال ضرر بالغير أو بالمجتمع كك ل. لكن ما نالحظه في بعض البلدان العربي ة هو أ ن الد ولة تلصق الجرائم باألفراد باطال ال لشيء إال ألن هم يحملون أفكارا معارضة لسياستها. العالقة بين الد ولة والمعارضة تكون طبيعي ة في ظ ل مجتمع مدن ي يُحترم فيه القضاء ولكن ها تكون غير طبيعي ة في ظ ل االستبداد وعندما ال يكون القضاء مستقال . وفي ظ ل االستبداد يمكن أن أل خص كيفي ة تعامل الد ولة مع المعارضين فيما يلي: * الت جريم: إدارة الت جريم عن طريق الت شويه والقمع. * العقاب المن ظم: الجريمة بصفة عا مة هي ك ل سلوك أو عمل ينتج عنه ضرر وبذلك يستدعي عقابا، أ ما الجريمة ال سياسي ة فهي ك ل سلوك أو عمل، حقيق ي أو متص ور، يهد د وجود الد ولة كالخيانة وال سعي إلى االنفصال واإلرهاب. معنى هذا أ ن ال شخص قد يت م إيقافه بناء على تص ور أو مج رد ش ك في تآمره على أمن الن ظام. وعندما يت م إيقافه فإن ه يبقى مظنونا فيه أو مت هما إلى أن تثبت إدانته. واإلدانة ال يمكن أن تت م دون محاكمة عادلة. وهذه أه م شروطها: - أ وال: أحد ال شروط ال رئيسي ة للمحاكمة لكي تكون عادلة هو أن تكون علني ة.

ثانيا: أن تضمن الإجراءات القضائي ة المت بعة للمظنون فيهم ح ق الد فاع عن أنفسهم
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 5#ص-5
ثالثا: أال يتجاوز الإيقاف الت حف ظي أجال محد دا ين ص عليه القانون وأال يُخ َضع

الموقوف للت عذيب واإلكراه وسوء المعاملة بهدف انتزاع االعتراف وأال يت م االستنطاق في غياب المحامين.

رابعا: ال يجوز محاكمة شخص على فكرة ف كر فيها ولكن ه لم يقم بتنفيذها أل ن

ال ضرر لم يحصل أساسا.

خامسا: القضاء وحده هو الكفيل بإدارة الت جريم وتسليط العقوبات وال يجب أن

تستعمله الد ولة في قمع المظنون فيهم، وهم عادة المناوئون لها. وال يمكن أن يقوم القضاء بذلك الد ور إال إذا كان يتمت ع باالستقاللية الت ا مة عن ال سلطة الت نفيذي ة وبالح رية الت ا مة في معالجة الجرائم وإصدار الأحكام. وتهدف المحاكمة إلى إثبات الأركان ال سياسي ة للجريمة أو الجرائم التي اُرينكبت وذلك بهدف إحقاق العدالة والمحافظة على صيرورة المجتمع المدن ي وليس بهدف الد فاع عن أشخاص يشغلون مناصب في الد ولة. ال سعي إلى تغيير الحكومة أو رئيسها أو ال سعي إلى إصالح أجهزة الد ولة ليس بجريمة إذا لم ينستعمل الق وة والعنف فيما سعى إليه المعارضون وإذا ما حدث ذلك في ظ ل القانون. ولذلك تعد ك ل محاكمة تستند إلى مثل هذا االد عاءات باطلة وغير قانوني ة.

المبحث الثاني:الضمانات القانونية في تكريس المحامي لمحاكمة عادلة

مما سبق ذكره يقتضي من المحامي الكيس الفطن أن يعلم أ ن هناك شعار يجب أن يضعه المحامي نصب عينيه "أنه يخاطب في القاضي العدل الإلهي، ولكن ال ينس أنه بش ٌر". والقاضي قبل أي شيء وبعده هو الذي ينطق الكلمة الأخيرة في الدعوى ليحسم بها النزاع، وأمانة المحامي في الدفاع تقتضي أن يحسن عرض قضية موكله على القاضي، وكل تقصير في ذلك خيانة لهذه الأمانة، وال يمكن للمحامي أن يؤدي أمانته إال إذا اجتلب و استمال إليه القاضي بفكره ووجدانه. وليس من الالئق و ال ال ُمحب ذ استفزاز القاضي و إثارة غضبه و استدراجه إلى ما يعكر صفو نفسه.

المطلب الأول :العالقة القانونية بين المحامي والقضاء

إن احترام المحامي للقاضي إنما هو من قبيل تقديس رسالة الدفاع و إعالء مكانتها. ألن المحامي الناجح الحاذق و الماهر هو الذي يستشعر أحاسيس القاضي الخفية، ويحاول كشف غيب أفكاره، ويعرف الطريق التي توصله إلى مخاطبة عقله وفؤاده و وجدانه، فيطيل حيث تجب الإطالة في المرافعة حين تدق نقطة البحث القانوني وتحتاج إلى الإفاضة، ويوجز حيث يجب الإيجاز حين يتعرض لحقيقة واضحة وال تحتاج إلى البيان و ال تخفى عن العيان. وعلي المحامي دائما أن يضع حدا لمرافعته

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 6#ص-6

عند الوقت و في للحظة المناسبة بلباق ٍة و دبلوماسي ٍة يستحسنها العقالء و يتقبلها الراسخون في العلم، ويطلب تأجيل المرافعة إذا استشعر إرهاق القاضي وتعبه،ألن هذا الأخير بشر ينال منه الإعياء و الضعف كما ينال من باقي الناس . وينبغي على المحامي الحيطة والحذر من المرافعة الرتيبة المثيرة للملل،التي ال طائل من ورائها و ال منفعة ينرجى من فرضها على مسامع القاضي، ومن الصياح المزعج المثير الذي ال نفع منه، والحركات التمثيلية الصارخة التي هي بعيدة عن التصرف الرصين و الفعل الحكيم الذي ينبغي أن يتصف به أصحاب الجبة السوداء . ويجب أن يدرك المحامي أن مرافعته موجهة أساسا للقاضي وليست للجماهير، فهو وحده الذي يفصل في الدعوى وال محل لإلفاضة في البحوث القانونية 1و المالحظات الأكاديمية الجانبية التي ال تتطلبها توضيح و تبسيط المنازعة في المرافعة الشفوية، وإنما يكفي التعرض لها بالقدر الالزم الذي ال يشوبه الإفراط و ال يعيبه التفريط، ثم تفصيل هذه المفاهيم و هذه الأفكار في المذكرات المكتوبة. وعلى المحامي أن يكون َح َسن الإلقاء، واضح العبارة، متفقها في اللغة، عارفا آدابها، في غير افتعال أو إسفاف، يختار الكلمة أو الجملة المعبرة بدقة و صدق2، التي ال تحتمل التأويل أو التجريح. ويُطلب من المحامي أن ينفذ ويبدأ الكالم في موضوع الدعوى بغير مقدمات ال يستلزمها و ال يتطلبها المقام. وال يليق بالمحامي الكيس الفطن تكرار ما جاء في مرافعته هو، أو إعادة ما أبداه زمي ٌل سبقه في المرافعة و يشاركه في جانب من الدفاع. ولعمري أن المرافعة ليست من قبيل الدرس الذي يُِّل قنه المحامي لطلبته، وليست كالما عاما أو خطابا يوجهه إلى الجماهير، وإنما هي شيء آخر غير ذلك، فالمحامي إنما يخاطب القاضي الذي يُِّل ُّم بالقانون ويعرف أحكامه وقد أكسبته سنوات العمل القضائي تجربة و ِّحنكة ال تضاهيها إال حنكة من تضلعوا في الفقه القانوني ودرسوه بتأ ٍن و اْقتِّدَا ٍر. وهو ال يكون كذلك إال إذا كان قويا من غير ضعف، ال يطمع القوي في باطله و ال ييأس الضعيف من عدله. 1 -حمادي عبد النور:المسؤولية المدنية للمحامي اتجاه الزبون-رسالة دكتوراه-جامعة تلمسان-2016-ص200

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 7#ص-7

وليس أمام المحامي سوى االلتزام في مرافعته جانب الهدوء الرزين، و أقوال وطلبات ودفوع القانوني المحنك، وأن يحيطها بسياج من المعرفة و الجد واالتزان الذي ينبئ عن التمكن و التحكم في تفاصيل النازلة المعروضة على القاضي.1 و َك ْم من صوت خفيض وقُور كان له من الأثر والوْقع في ضمير القاضي و سمعه، ما ال يستطيع به أو يقدر عليه الصوت المرتفع الصاخب.2 1V. Andre nadeau . Responsabilité civile des avocats (1946). L'Avocat doit respecter les principes de modération, de désintéressement et de probité, sur lesquels peut seul reposer l'honneur de l'ordre des avocats. L'Avocat, qui veut remplir tous ces devoirs avec honneur, ne doit pas seulement avoir la science de son état, mais il doit être probe et désintéressé, modéré et indépendant, digne dans sa conduite à l'audience comme au dehors, observateur scrupuleux des usages; en un mot, toujours fidèle à son serment. .

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 8#ص-8

إن إعداد المرافعة واالستعداد لها واجب وأمانة، واجب ألنها تمثل إحدى الإلتزامات الملقاة على عاتق المحامي من جهة، وألنها مالزمة للحفاظ على حقوق الإنسان وما تتطلبه من الإستعانة بمدافع عنها. وأمانة نظرا ألهميتها أولا، ثم ألنها تمثل أحد العناصر التي تعتمدها الجهات القضائية إلقامة العدل و الفصل في المنازعات التي يعرضها الناس على القضاء ثانيا، و القضاة ال يفعلون ذلك إال بعد الإستماع إلى ما يقوله المحامون على اعتبارهم ابلغ الناس حجة وأبرعهم كالما و خطابة. و ال يليق في المرافعة الشفوية- وهي غير ضرورية في بعض الأحيان- أن يتلو أو أن يقرأ المحامي مرافعته من ورقة مكتوبة. ي أن نشير إلى أن مظهر المحامي أمام المحكمة صورة من صور ت ْوقير هذا َ بَِّق الأخير لرسالة المحاماة1، فضال عن احترام قدسية المحكمة. ويليق بالمحامي أن يحسن الجلوس واالستمتاع في قاعة الجلسات وال ينشغل عنها بالكالم أو الحديث مع زمالئه أو موكليه. وهو حين يدخل قاعة الجلسات، عليه أن يَِّل َجها بهدوء و احترام، وال يخرج منها إال و هو في وقار و أدب يَنُم عن إكبار المحكمة و ِّرْفعة مقامها، وليس له أن يرتاد قاعة الجلسة إال في ِّردا ِّء أو بذلة المحاماة، وليس له أن يخاطب المحكمة إال واقفا ومتأدبا، وأن يكون مطلبه التماسا وسؤاله رجاءا، و أن يلزم مكانه في منصة المرافعة، وأن يتمثل ألوامر المحكمة في ضبط وإدارة الجلسة، بما ال يقلل من شأن مهنة المحاماة و ال ينقص من قيمة الدفاع كحق تكفله المواثيق الدولية و القوانين الوطنية، و كضمانة من ضمانات حقوق الإنسان، وال ينبغي له أن يقاطع المحكمة أو الشهود أو الخبراء وغيرهم،إال بعد استئذان المحكمة و طلب موافقتها، وليس له أن يوجه أسئلة إلى الشهود أو الخبراء أو حتى الأطراف الأخرى في الدعوى إال عن طريق المحكمة. ثم أجدني أجزم بأنه ال يليق بالمحامي الوقوف في ردهات المحكمة و أروقتها أو بباب قاعة الجلسات إال لضرورة أو حاجة ماسة. ومع ذلك فالمحامي، ما كان يوما مكبل الفكر، وال كان يوما مقيد القول، ال يخاف عواقب أعماله القانونية، بل تراه ينشد الحرية لغيره من موكليه كما ينشدها لنفسه.2 du B. no 18, 30. 1 -حمادي عبد النور:المسؤولية المدنية للمحامي اتجاه الزبون-المرجع السابق-ص75 2Nos devoirs , Messieurs sont en raison directe de l'importance et de la grandeur de notre mission. Nous sommes les fils privilégiés de la justice, les défenseurs de la liberté de l'individu, les protecteurs de ses biens, les protagonistes du faible et du pauvre, comme les conseillers du riche et du puissant. Individus, familles, associations, classes sociales, tous sont éclairés et dirigés par notre ministère. Leurs biens, leur liberté et quelquefois leur vie reposent sur la science, l'intégrité et la valeur morale d'un homme, d'un avocat appelé à les protéger. Cette immense mission ne pourra donner la plénitude de ses

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 9#ص-9

فهما يتحمالن معا ِّصعاب الحياة التي تكدر صفوة معيشة موكله، و يتقاسمان مآسيها، ألن أسمى معاني المحاماة هي أن يقف المحامي إلى جانب مظلوم تحالفت عليه قِّ َوى الظلم و البهتان، و أن يتحمل معه شطرا مما يعانيه و يكابده في َص ْمت و ا ْستِّ َكانة1. فالمحاماة مهنة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة و تأكيد سيادة القانون، الشيء الذي ال ينبغي معه إغفال ثقل و ِّكبر موقف المحامي وتصرفاته42 efforts que si son titulaire est suffisamment préparé à en assumer l'heureux accomplissement 1 عبد الحليم الجندي، المحامون و سيادة القانون،

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 10#ص-10

. التي ترد في كثير من الأحيان لضعفاء القوم وصغار الناس شي ًء مما افتقدوه، و تواسيهم و لو بالكلمة الطيبة ع ما أصابهم. ألنك إذا وازنت بين عمل القاضي و عمل المحامي، فإنك ستجد عمل المحامي أدق و أخطر، لكون مهمة القاضي هي الوزن و الترجيح، بينما مهمة المحامي فهي الخلق و الإبداع و التكوين.1 ال ريب في أن المحاماة في نُْبلها بارزة، وفي صدقها حقيقة، و في حدودها دقيقة، أعمالها شاقة حتى أكاد أقول مرهقة، وهي لكل ذلك رفيعة و جليلة. و ال حاجة للتدليل على سموها كمهنة احتاج لها الأنبياء و الرسُل، فها هو سيدنا موسى عليه السالم يناشد ربه ويناجيه من أجل أن يدافع عنه أخوه هارون.2

المطلب الثاني:الأمن القانوني المكرس للمحاكمة العادلة

قد تصاب مهنة المحاماة ببعض الخلل أو حتى ببعض السقم، فترى ذلك باديا على مرفق العدالة، فال هي أصبحت تسير السير الحسن في مجراها، وال هي استطاعت أن تحفظ للناس حقوقهم كما هي مكلفة بذلك قانونا و أخالقا، وهكذا تتجلى العدالة وقد من محتواها، و أضمحل مضمونها، وخفت نورها باهتا حتى لكأنه ينطفئ ُْفرغت أ بالتمام و الكمال. لذلك يتوجب تصديق القول أن ضعف القضاء من ضعف المحاماة، وضعف المحاماة من ضعف القضاء. و من جهة أخرى فإن صواب القول أن المحامين ال يتقنون القانون ليجعلوه شيئا بينهم وبين أنفسهم، أو حتى بينهم وبين بعضهم، دون أن ينفعوا به أحدا من المتقاضين أو السائلين من بني وطنهم، إنما يتقنون القانون وثقافته ليكونوا َمصابي ًح ا تضيء لمن حولها من الناس سبيل الحياة المستقيمة وسبيل المعرفة أيضا. ألن علم القانون يُيَ ِّ سر للناس فَ ْهم الحياة ويعينهم على حل بعض المشكالت التي تعترض مسارهم المعيشي. و هكذا فإن المحامي يؤدي واجبه حين ينفع الناس بثقافته القانونية، معلما أحيانا، وعامال في الحياة اليومية أحيانا أخرى، فإذا أدى هذا في أمانة وإخالص فقد بلغ بعض من الغاية، وهو ال يبلغ الغاية كلها إال إذا فهم حياة الناس من حوله، وعرف موضع حاجتهم إلى الإنتفاع بثقافته ومعارفه القانونية، فيشعر من يعيشون حوله أنه نافع لهم حقا، يدلهم على ما لم يهتدوا إليه ويجنبهم ما ال ينبغي الوقوع فيه ويُث ْنِّيهم على ما ينبغي الإحجام عنه. إن المحامي مثقال كبير في كفة العدالة، بما له في الناس من فضل وما للناس فيه من أمل، وهو جزء من القضاء و أول قاض للنزاع أو القضية3. وهذا ما جعل المشرع

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 11#ص-11

ينص على أن مهنة المحاماة مهنة حرة و مستقلة تعمل على احترام حفظ حقوق الدفاع و تساهم في تحقيق العدالة و تعمل على احترام مبدأ سيادة القانون. فإذا سمعنا أو قرأنا لمحامي، سمعنا أو قرأنا فكرا قانونيا يؤسس لمرجعيات أخالقية وفلسفية ينْنبِّ ُئ عن ال ِّح ْكمة والعلم والمعرفة يتلفظ بها أو يكتبها أساتذة من المحامين من ذوي الألسنة الفصيحة التي تصدح بالحق و تنطق بالصواب،أو من ذوي الأقالم السهلة و الحبر السيال. حتى أولك اللذين يكتمون فضولهم و اهتمامهم بهيأة الدفاع، فهم ال يلبثون أن يعربوا عن أحاسيس عميقة مفادها أن الدفاع يعنيهم مباشرة أو غير مباشرة، وليس هناك من ال تراوده نفسه وتختلج فؤاده الرغبة ال ُملحة لمعرفة المزيد عن هيأة المحماة، وترى السؤال و التساؤل يثور و ينتشر و يتوسع حول الكيفية التي يمارس بها الدفاع عمله أمام القضاء، وما مدى اهتمام سلطة الحكم بما يبديه الدفاع من مالحظات و ما يقدمه من توضيحات حول وقائع النوازل و اشكالياتها القانونية، و مدى استجابة القضاة خاصة و أنك تجد كُثْ ٌر من الناس يتساءلون بكثير من الدهشة كيف أن فرد (قا ٍض) يضطلع بالحكم على غيره من الناس، بهدف نشر السعادة بين الناس و ملء حياتهم اطمئنانا و سكونا، بْيد أن الوضع قد يُقلب مقلب ِّمج ٍن في لحظات فتتحول هذه الهيأة، خاصة عندما تحكم على الناس دون مبررات و ال ضوابط تستوجب الإحترام، ال تستجيب لمالحظات مؤسسة الدفاع التي تشاطرها أعباء المسؤولية وتكمل مسعاها، ثم تبين لها و تبرز لها ما فاتها الإهتداء إليه1،و عندما تكون تلك المالحظات تمثل 1Marieève Lacroix a dit dans sa thèse présenté et évalué a faculté de droit université de Montréal2004 p 102: L'AVOCAT DIFFAMATEUR: Ses devoirs de conduite et la mise en œuvre de sa responsabilité civil ( L'avocat doit être guidé par l'intérêt général et mû par les nécessités d'une bonne et entière défense capable d'éclairer la justice. Selon Bernard Beignier, « l'immunité judiciaire a une finalité qui lui trace une frontière: les droits de la défense ». Par ailleurs, Grellet Dumazeau expose la libre discussion, ses limites inhérentes, ainsi que l'indépendance du plaideur, exprimée par la maxime latine advocati debent agere quod causa desiderat, comme suit: La liberté de discussion est une des conditions les plus essentielles de la bonne administration de la justice. Sans la faculté de dire tout ce qu'il importe aux tribunaux de connaitre pour l'exacte appréciation des débats civils et criminels, la défense ne saurait être complète. Souvent l'articulation de faits de nature à porter atteinte à l'honneur d'une partie est une nécessité impérieuse de la cause. Sous un autre rapport, il est des procès dans lesquels une

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 12#ص-12

عين الرأي الصائب و المنطق السليم، فينقلب دور هذه الهيأة إلى مصدر لشقاء و قنوط الناس و تعاستهم و حتى سخطهم و ازدرائهم في بعض الأحيان و المواقيت،1 ذلك أن سعادة المجتمع ال تقتضي وجوبا التضحية ببعض أفراده، ألن الأمر مرتبط بحرية الفرد و كرامته. إال أن العزاء الجميل هو القول أن الحكم صفة من صفات هللا جل جالله. إن هؤالء ينسون ما في ذلك شك أن العدالة التي يثور بشأنها التساؤل عن الكيفية التي بها تحكم على الناس هي عدالة نسبية، ليست عدالة مطلقة. في هذا الشعور المحبط و الأليم، إن العدل البشري، ليس له لسوء حظ الإنسانية مقياس مطلق يقاس به، بل هو شيء نسي، قد يصيبه المرء وقد يخطئه، وقد يتقاسمه الإنسان مع غيره من الناس، بحيث يكون لكل متهم نصيبه من الصواب وإن اختلفت إليه السبل واألبواب. âpre véhémence, une brusque indignation et même une certaine dureté d'expression sont dans les droits de la partie comme dans le ministère de l'avocat. Cette indépendance du plaideur et de son défenseur a été reconnue dans tous les temps: advocati debent agere quod causa desiderat, portait la loi romaine, et les annales de l'ancienne jurisprudence attestent les mêmes privilèges. Mais toute liberté a ses abus, et il était du devoir du législateur de les prévoir. S'il est dans les droits de la partie et de son avocat d'alléguer quelquefois des faits injurieux, il ne lui est permis d'avoir recours à ces moyens extrêmes que s'ils sont commandés par les besoins de la cause, et en aucun cas l'invective ne saurait être tolérée: non conviciis, sed rationibus decertandum. 6 . مازلت أذكر الإنهيار وحالة اليأس التي أصابت أحد الطلبة الأطباء في التخصص كان يمارس نشاطه المهني بالمستشفى الجامعي بتلمسان تحت إشراف أساتذته و رقابتهم لما ُحِّكم عليه بالسجن النافد على أساس القتل الخطأ ضد طفل ينوفي, و لم يسبق لهذا الطبيب أن علم بوجوده في قاعة االنتظار، و ال سبق له أن فحصه أو رآه، أو وصف له دواء ما، فتساءل ذلك الطبيب و من معه من الناس، كيف للعدالة أن تتسبب في شقاء شاب متعلم مازال يخطو خطواته الأولى في عالم الطب و المعرفة و هو لم يرتكب أي ذنب؟ . انظر الحكم الصادر عن محكمة تلمسان بتاريخ ..... رفم .... 1

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 13#ص-13

لهذا فإنه مهما كان عدل القاضي، وهو بشر يقضي بين الناس، فقضاؤه ليس هو العدل حتما، وال ينبغي أن يعتبر دائما هو مقياس العدالة، وإن كان هذا القضاء هو العدل حكما. ومع ذلك فالمحاكمة العادلة ال ينبغي أن تخلو من جملة من المبادئ كالحق في قرينة البراءة، و في المحاكمة خالل آجال معقولة، وأمام قضاء محايد، و أمام درجات متعددة، والحق في الدفاع والتعويض.

الفرع الأول:مبدأ الحق في تغطية العقوبة:

من المبادئ المستقر عليها والمتفق حولها، أن العقوبة شخصية، وال يمكن أن تسلط إال على الجاني دون سواه، ذلك أنه ال يجوز أن يساءل أي شخص عن أفعال مجرمة اِّرتكبها غيره من الناس. ألنه ال يحمل وزر الفعل إال فاعله، وال يحاسب عليه إال مقترفه. وأن انتهاك هذا المبدأ يؤدي ال محالة إلى زوال وصف العدالة عن المحاكمة ألن تطبيق العقوبة على غير المسؤول جزائيا، يؤدي إلى انتهاك مبدأ شخصية العقوبة، وهدر مبدأ الحماية القانونية التي يتمتع بها كل شخص على حدة. وبناء على ما تقدم فإن الشخص المجنون الذي يرتكب جريمة ما، سواء كان صغيرا أم بالغا، فإن مسؤوليته الجزائية تبقى شخصية، مع العلم أن المشرع أعفاه من العقوبة.1 كما أن الصغير أو الحدث الذي يقترف جرما تنزل عليه العقوبة هو بذاته وفقا لألحكام واإلجراءات القانونية المعمول بها في هذا الشأن، وال يسأل مكانه أولياؤه، بل إن مسؤوليتهم ال تتعدى المسؤولية المدنية التي تتجسد في تعويض الأضرار الالحقة بالمجني عليه المضرور.2

الفرع الثاني: الحق في الدفاع واستقاللية القضاء:

إن ضمان استقاللية القضاء بعد سمة من سمات الأنظمة الديمقراطية التي تقوم على فكرة دولة القانون. هذه الفكرة ال تقوم وال تتجسد إال بقيام مبدأ استقاللية القضاء وترجمة ذلك على أرض الواقع بإعطاء العدالة والقضاء السلطة كاملة ومستقلة على باقي السلط، كالسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.3 وباستقاللية القضاء تكون الأحكام الصادرة عنه ذات مصداقية، ألنه يفترض فيها أنها صدرت وفقا للقانون وتماشيا مع مبدأ المساواة لجميع الناس أمامه. ولعل شروط المحاكمة العادلة ال تكتمل، حتى ولو كان القضاء مستقال، ما لم يكن بإمكان الشخص الذي يخضع للمحاكمة، الحق في الدفاع الذي يعد إحدى الضمانات القانونية أمام جهات الحكم المختلفة، ذلك أن الإنسان المتهم بارتكاب جرم ما، غالبا ما يفقد توازنه، ويضيع منه رشده، وبالتالي ال يستطيع الدفاع عن نفسه بنفسه. أضف إلى ذلك أن الأشخاص يتميزون عن بعضهم البعض برجحان الفكر والقدرة على الكالم وتتبع الحكمة واالسترسال في الخطابة، الشيء الذي قد يبين ما خفي عن أنظار القاضي. فمن أجل أن ال يبخس الناس حقوقهم، أعطى المشرع الجزائري ألي متهم الحق في االستعانة بمحام يتولى الدفاع عنه، والمثول إلى جانبه أمام الجهة القضائية

1 راجع المادة 41 من قانون العقوبات الجزائري
2 راجع المادة 134 التي تتكلم عن المسؤولية الشيئية
3 راجع المادة 26 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 14#ص-14

التي تعرض عليها دعوى المتهم، وإلى هذا أشار الدستور الجزائري لسنة 1996 بقوله "الحق في الدفاع معترف به".1

الفرع الثالث: الحق في قرينة البراءة:

إن قرينة البراءة تعني معاملة الشخص المشتبه فيه أو المتهم بارتكاب جرم ما، في جميع مراحل التحقيق، وفي جميع مراحل التقاضي، على أنه بريء، إلى غاية إثبات إدانته بمقتضى حكم قضائي بات، مهما كانت جسامة الفعل المجرم الذي ينسب إلى هذا الشخص. ومن هذا المنطلق ال يجوز إدانة المتهم إال من طرف جهة الحكم التي يثبت لها وأمامها أن المتهم هو مرتكب هذه الجريمة، بعد أن تكون هذه الجهة قد وفرت جميع الضمانات الممنوحة لهذا المتهم وفقا للقانون. علما وأن المتهم ال يقع عبئ إثبات براءته، بل إن جهة االتهام هي التي تتحمل إثبات عكس البراءة باألدلة المادية التي ال تشوبها شائبة. يترتب على هذا المنطق أن نكران الشخص للتهم المنسوبة غليه وتمسكه بقرينة البراءة من جهة، وعدم تقديم الدليل الدامغ ضده من طرف سلطة االتهام من جهة أخرى، يؤدي بالمحكمة إلى تبرئة دمة المتهم من رباط التهمة المتابع بها.2

الفرع الرابع: الحق في التقاضي أمام أكثر من درجة واحدة:

من القواعد الأساسية التي يقوم عليها التي قضاء في دول عديدة ومختلفة ومنها القضاء الجزائري، الحق في الطعن والتقاضي أمام أكثر من جهة قضائية واحدة. ومن ذلك أن الدعوى ترفع أولا أمام محكمة، تسمى بالمحكمة االبتدائية، ثم يكون للمحكوم عليه حق التظلم من حكمها باستئنافه إلى محكمة عليا، تسمى محكمة الدرجة الثانية أو المحكمة االستئنافية.3 حيث يطرح النزاع أمامها من جديد لتفصل فيه بحكم نهائي. وبعض الدول التي جعلت التقاضي على ثالث درجات أو أكثر.4 ويحقق مبدأ التقاضي على أكثر من درجة واحدة فائدة أولى تتمثل في بعث قضاة المحاكم االبتدائية على توخي العدالة واإلعتناء وفحص إدعاءات الخصوم بجدية، والسعي إلى تطبيق القانون، وتمكين المتهم من حقوقه كاملة غير منقوصة. ويحقق فائدة ثانية وتتمثل في تمكين المحكوم عليه في حالة ما إذا شعر بالحيف والظلم أن يعرض قضيته على جهة قضائية أخرى من أجل تصحيح الخطأ الذي وقع فيه الحكم 1 لمزيد من التفصيل راجع المادة 151 من دستور 96/11/21 التي جاء فيها: الحق في الدفاع معترف به. الحق في الدفاع مضمون في القضايا الجزائية.

2 راجع المادة 364 من قانون الإجراءات الجزائية

- راجع المادة 404 من قانون الإجراءات المدنية 3 مع العلم أن إستئناف الأحكام الإدارية يكون أمام مجلس الدولى طبقا للمادة 949 من قانون الغجراءات المدنية وطبقا للمادة 10 من القانون 01/98 المتعلق بإختصاصات مجلس الدولة. راجع جريدة رسمية رقم 31 المؤرخة في .1998/06/01

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 15#ص-15

الأول، مع المالحظة أن الحق في اِّستئناف الأحكام في الجنايات أمام جهة قضائية أعلى غير موجود وغير مكفول للمتهم بإرتكاب جناية.1

الفرع الخامس: الحق في المحاكمة خالل مدة معقولة أمام قضاء محايد:

إذا كان القضاة مستقلون، ال سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وليس ألية سلطة التدخل في قضائهم أو في شؤون العدالة عموما، إذا كان ذلك يعد من المبادئ المستقرة في النظام الدستوري الجزائري2، وهو الشيء المنصوص عليه في باقي الدساتير التي تحكم البلدان المتحضرة فإن الحقوق والحريات الأساسية ال يمكن صيانتها إال في تلك المجتمعات التي تتمتع فيها السلطة القضائية باالستقاللية والحياد الذي يعطي للعمل القضائي مصداقية تقنع المواطن والمتقاضي على حد سواء. كما أن الأشخاص يسعون في حالة وجود خصومات بينهم إلى أن تنظر دعاواهم خالل آجال معقولة دون تأخير وال تسويف ذلك أن التأخر في الفصل في المنازعات والقضايا المطروحة على الجهات القضائية ألسباب واهية وغير مبررة وغير مقنعة تؤدي إلى تعطيل وعرقلة مصالح الناس. كما أن التزام القضاء بالفصل في المنازعات المعروضة عليه خالل آجال معقولة تعطي انطباعا حسنا، مفاده أن جهاز العدالة يتسم بالفعالية، مما يولد في نفوس الناس الثقة به ويدفع بهم إلى االطمئنان إليه.

الفرع السادس: الحق في الحماية من الأخطاء القضائية:

إن الخطأ القضائي ليس كباقي الأخطاء العادية، نظرا لخطورته على حياة الناس ومساسه بحرياتهم، فهو خطأ من نوع خاص قد يمس بحقوق الناس ويمس بأموال الأفراد. ليس هذا فحسب، بل الخطأ القضائي يهتز له النظام االجتماعي برمته ويضرب في العمق استقرار وسكينة المجتمع، ذلك أن الحقيقة القضائية التي يتولى القاضي إقامتها ليست بالضرورة تلك الحقيقة المنشودة من طرف المجتمع واألفراد. فالخطأ القضائي يمثل في حقيقة الأمر خطرا اجتماعيا يمس كيان الأمة برمتها.3 كما يعد هذا الخطأ القضائي في نظر البعض اآلخر ذلك التصرف المتسم باإلهمال وعدم االحتياط الذي يكون مصدره الجهة القضائية التي أصدرت الحكم المشوب بالخطأ.4 وهذا ما اشارت إليه وقالت به المحكمة العليا في قرار حديث الصدور لهان صدر بتاريخ 2010/01/21 بقولها "يعتبر خطأ قضائيا إدانة شخص بحكم حائز لقوة الشيء المقضي فيه، تبيت براءته الحقا".5 1 ينبغي المالحظة أن عدم خضوع أحكام محكمة الجنايات لإلستئناف مسألة غير مقنعة وغير مفهومة. الشيء الذي دفع ببعض الجهات إلى المطالبة بتمكين المتهمين في الجنايات من هذا الحق. كما تجدر الإشارة أيضا إلى أن الأحكام التي تصدرها المحاكم العسكرية طبقا لقانون القضاء العسكري ال تقبل الإستئناف هي الأخرى، مما يمثل إنقاصا من حقوق وضمانات المتقاضين في هذه الحاالت.

2 انظر المادتين 147 و148 من الدستور الجزائري

3 راجع حسين فريجة. مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية. المطبعة الجزائرية للمجالت والجرائد. .1993 ص246 وما بعدها. 4 راجع حسين فريجة. المرجع نفسه. ص .247 5 راجع قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ .2010/01/211 مجلة المحكمة العليا. عدد خاص باإلجتهاد القضائي للجنة التعويض عن الحبس المؤقت والخطأ القضائي .2010 ص .327

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 16#ص-16

أمام وقوع الخطأ القضائي في حق أي فرد من الأفراد، ال يسعه إال اللجوء إلى الجهة القضائية المختصة والمطالبة بالتعويض عن هذا الخطأ القضائي، التي بدأت في العمل فعليا وإصدار الأحكام الخاصة بتعويض ضحايا الأخطاء القضائية في الجزائر.1

المطلب الثاني:نقائص المحاكمة العادلة في القانون الجزائري:

إذا كانت الدولة تسعى إلى ترقية وضمان الحقوق والحريات المعترف بها للناس جميعا، وبكفالة تلك الحقوق والحريات دون تمييز وال مفاضلة بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو االنتماء القومي أو السياسي، حتى تضمن لجميع الأفراد محاكمة عادلة، فإن ذلك يستوجب ال محالة العمل على الحد واإلقالل من صالحيات وزير العدل، حافظ الأختام، باعتباره عضوا في السلطة التنفيذية وإشرافه المباشر على رجال القضاء الذي يتعدى المجال الإداري المحض كما هو الشأن بالنسبة إلمكانية تحريكه الدعوى العمومية ومباشرتها، وإشرافه على قضاة النيابة بصفة مباشرة، وإمكانية توقيف القضاة عن مهامهم في بعض الحاالت. فهذا الوضع يجعل من طاقم السلطة التنفيذية يسمو ويعلو على الطاقم القضائي ويتحكم فيه، مما يضعف من مبدأ استقاللية السلطة القضائية ويمس في بعض الأحيان بحيادها وعدم ميلها. وبالمقابل ينبغي تعزيز السلطات والصالحيات المخولة للمجلس الأعلى للقضاء الذي ينبغي إعادة النظر في تركيبته البشرية، بحيث يتوجب أن يطغى على أعضائه المشكلين له الطابع القضائي المحض بدال من الطابع الإداري الذي يميزه في الوقت الراهن.2 كما أن التعويض عن الحبس المؤقت والخطأ القضائي الذي يرتكب ضد الأشخاص من طرف القضاة، وعلى وجاهته، يعتريه نقص ملحوظ يتمثل في وجوب إخطار اللجنة الوطنية للتعويض عن الأخطاء القضائية والحبس المؤقت خالل مدة وجيزة جدا هي 6 أشهر يبدأ حساب هذه المدة من تاريخ صيرورة القرار القضائي نهائيا عندما يقضي بالبراءة أو بأن ال وجه للمتابعة.3 حيث جاء في قرار المحكمة العليا قولها أن لجنة التعويض عن الحبس المؤقت والخطأ القضائي ينبغي أن يتم إخطارها بعريضة طلب التعويض في أجل ال يتعدى 6 أشهر. ويبدأ حساب الأجل المذكور من تاريخ صيرورة قرار أن ال وجه للمتابعة أو البراءة نهائيا. ضف إلى ذلك ضرورة تعزيز حق الدفاع أمام الضبطية القضائية بحيث ينبغي تمكين الموقوف للنظر من الحق في الإستعانة بمحام يسد أزره ويقلل من إرتباكه ويسنده في محنته قبل تحرير المحضر الإبتدائي بشأن الأفعال المزعوم إرتكابها من طرفه. 1 الجهة القضائية المختصة بتعويض الأخطاء القضائية تسمى طبقا للمادة 11 من القانون 08/01 المؤرخ في 2001/07/16، لجنة التعويض، وهي موجودة على مستوى المحكمة العليا، تكتسي طابع جهة قضائية مدنية بناء على نص المادة 137 مكرر من هذا القانون. 2 راجع المرسوم التشريعي رقم ..11/04 المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء، المؤرخ في 2004/09/06 3 راجع القرار الصادر عن المحكمة العليا المؤرخ في 2007/07/10 ملف 544 مجلة المحكمة العليا. عدد خاص سنة .2010 ص .123

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 17#ص-17

كما أن تعزيز حق الدفاع أمام النيابة، البد من توسيع مجال تطبيقاته وعدم إقتصاره على حاالت دون سواها، كما هو معمول به حاليا.1

الخاتمة:

إن المحاكمة العادلة مفهوم نسبي البد من االستناد فيه إلى نظام عام قائم يستظل بظله ويتكأ على ميزان معترف به. علما وأن هذه الموازين تختلف من بلد إلى آخر، ولكن الإشتراك بينها إنما ينبغي أن يكون في أن المحاكمة العادلة تقتضي أن تتمثل في أنها، فضيلة فردية يقتنع بها أي شخص مهما كان موقعه، ومهما كان مركزه، وأن تكون فضيلة إجتماعية من حيث أنها تراعي حقوق اآلخرين وتفرض بالضرورة وجوب إحترامها. فالمحاكمة العادلة ال يسهر عليها إال القضاة أصحاب العقول السليمة والضمائر الصافية ممن شربوا من كأس الأمانة واإلنصاف. فإذا كانت المحاكمات عادلة، كانت الديمقراطية قائمة وكانت التنمية موجودة وكان المجتمع مزدهرا راقيا، وإذا احتجبت المحاكمات العادلة، هوى صرح الدولة وتقهقر المجتمع وساد الفساد وتراجع المجتمع. فالقاضي هو القانون، تجسم رجال، فمنه ومن الدفاع الذي يصاحبه نتوقع تحقيق تلك الحماية النظرية التي وعدنا بها القانون في نصوصه الجميلة. 1 راجع المادة 58 من قانتون الإجراءات الجزاية التي تجيز للدفاع الحضور إلى جانب المتهم عند إستجوابه.