قانون العقوبات والجرائم الاقتصاديةسنة 2025المجلة الجزائرية للقانون والعدالةOpen Access · وصول حر

حُجِّيةُ الشّيءِ المَقضِيِّ فيه من طرفِ الجهاتِ التأديبيةِ أمام القاضي الجزائي

ب
بلايلية, معمر
جامعة عباس لغرور خنشلةصفحة 129-15629 أقسام مفهرسة

ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)

يتناول هذا البحث بالدراسة مسألة "حُجّية القرارات التي تصدرها الجهات التأديبية المُختلفة أمام القاضي الجزائي، و ذلك في الأحوال التي ينشأ فيها عن ذات السّلوك دعوييْن: تأديبيّة وعمومية، فيتمُّ الفصل في الأولى قبل الثانية؛ فإذا كانت القاعدة الشّائعة هي أنّ القاضي الجزائي غير مقيّد بما انتهت إليه الدعوى التأديبية في ذات الواقعة المعروضة عليه تحت وصفٍ جزائيٍّ، سواء من حيث مدى ثبوت الواقعة أو ثبوت نسبتها للشخص محلّ تلك الدعوى أو من حيث ثبوت إذنابه بها، فهل تسري تلك القاعدة – بما ترتّبه من آثار - على إطلاقها، أم أنّه من المُمكِن تصوُّرُ الحدَّ منها، لاسيّما إذا كان تقدير المسؤولية عن الفعل أو الامتناع يدخل في الاختصاص الأصيل للجهة التي ينتمي إليها المُستخدَم محلّ الدعويين التأديبية والجزائية، و ذلك بما تملكه هذه الأخيرة من وسائل تُتيح لها تقدير الخطأ التأديبي وفقا لمقتضيات الوظيفة أو العمل أو المهنة التي ينتمي إليها الشخص محلّ المتابعة التأديبية؛ كما تدِقُّ أكثرَ قيمة هذا البحث في الأحوال التي تفصل فيها جهة قضائية في الطعن المقدّم أمامها ضدّ القرار التأديبي قبل أن يفصل القاضي الجزائي في الدعوى العمومية.

توليد التوثيق الأكاديمي للبحث (Citation):

بلايلية, معمر، "حُجِّيةُ الشّيءِ المَقضِيِّ فيه من طرفِ الجهاتِ التأديبيةِ أمام القاضي الجزائي"، المجلة الجزائرية للقانون والعدالة، مجلد 11، عدد 1، ص ص 129-156.

متن الدراسة والتحليل الفقهي

28 صفحات مرقمة
الصفحة المطبوعة بالمجلة: 1#ص-1

المجلد 11 العدد الأول السنة 2025 ص129 ص156 ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي ِ حجية الش يِء المق ِض الجزائي The Res Judicata Effect of Disciplinary authorities’ Decisions before the Penal Judge الدكتور باليلية معمر البريد الإلكتروني: [email protected] تاريخ االرسال: 2025/06/21 تاريخ القبول2025/06/23: تاريخ النشر: 2025/06/28 الملخص: ُ ّ يتناول هذا البحث بالدراسة مسألة "حجية القرارات التي تصدرها الجهات ُ ّ التأديبية المختلفة أمام القاض ي الجزائي، وذلك في الأحوال التي ينشأ فيها عن ذات السلوك ْ ّ ُّ ّ دعويين: تأديبية وعمومية، فيتم الفصل في الأولى قبل الثانية؛ فإذا كانت القاعدة الشائعة ّ ّ هي أن القاض ي الجزائي غير مقيد بما انتهت إليه الدعوى التأديبية في ذات الواقعة المعروضة ّ ّ ي ، سواء من حيث مدى ثبوت الواقعة أو ثبوت نسبتها للشخص محل ٍ عليه تحت وص ٍف جزائ ّ تلك الدعوى أو من حيث ثبوت إذنابه بها، فهل تسري تلك القاعدة – بما ترتبه من آثار - على ّ ُ ُّ ُ َّ ّ إطالقها، أم أنه من الممِكن تصور الحد منها، السيما إذا كان تقدير المسوولية عن الفعل أو ُ َ ّ االمتناع يدخل في االختصاص الأصيل للجهة التي ينتمي إليها المستخدم محل الدعويين ُ التأديبية والجزائية، وذلك بما تملكه هذه الأخيرة من وسائل تتيح لها تقدير الخطأ التأديبي ّ وفقا ملقتضيات الوظيفة أو العمل أو المهنة التي ينتمي إليها الشخص محل المتابعة التأديبية؛ ُّ َ ّ كما تِدق أكثر قيمة هذا البحث في الأحوال التي تفصل فيها جهة قضائية في الطعن المقدم ّ أمامها ضد القرار التأديبي قبل أن يفصل القاض ي الجزائي في الدعوى العمومية. - 129 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 2#ص-2

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض الكلمات المفتاحية: ح ّ جية ال ّ ش يء ا َ ملقض ّ ي فيه، دعوى تأديبية، دعوى عمومية، جزاء تأديبي. Abstract: This paper addresses the subject of the res judicata effect of decisions issued by any of the disciplinary jurisdictions before the penal judge. This is of particular concern where the same conduct is the subject of both a disciplinary and a public action. Additionally, this issue arises in circumstances where the disciplinary case is resolved before the public one. The general rule is that while the penal judge in not bound by the outcome of the disciplinary action regarding the same incident under criminal qualification whether in terms of the occurrence of the act, its attribution to the individual concerned, and his culpability for the conduct. However, this paper questions whether this rule should always be applied in an absolute sense; it explores whether limitations on this rule might be possible, especially when the assessment of responsibility for the act or omission falls within the core competence of the entity to which the employee (subject of both proceedings) belongs. This is particularly relevant considering that such bodies possess the tools to evaluate disciplinary fault according to the requirements of the profession or function in question. This becomes increasingly significant in situations where a judicial body rules on an appeal against the disciplinary decision before the penal judge renders its judgment in the public action case. key words: : Res judicata, disciplinary action, public action, disciplinary sanction. - 130 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 3#ص-3

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض

مقدمة:

ً ً إن نفس السل وك الذي يأتيه الموظف أو العامل، ارتكابا كان أم امتناعا ُ قد ينشأ عنه في ذات الوق ِت دعويان: دعوى تأديبية تهدف إلى تحقيق مقتضيات الوظيفة أو العمل أو المهنة التي ينتسب إليها الفاعل، ودعوى عمومية تهدف إلى ُ ّ تمكين الدولة من حقها في توقيع العق وبة؛ وقد يحصل أن يتم الفصل في الدعوى التأديبية قبل الفصل في الدعوى العمومية أو حتى قبل تحريكها، فإذا ُ َ ُ َ ًّ ّ ما عرضت نفس الواقعة (التي ف ِصل فيها تأديبيا) على القاض ي الجزائي، فإن ّ ّ الأصل هو أن يكون هذا الأخير في حٍل من التقيد بما فصلت فيه الجهة التأديبية ّ س واء فيما يتعلق بوصف الواقعة أو بثبوت قيامها أو بنسبتها للفاعل، فيمكنه – ّ ًّ بحسب هذا الأصل – أن يقض ي ببراءة من تمت إدانته تأديبيا أو العكس، بإدانة ّ من تمت تبرئته من طرف الجهة التأديبية؛ فهل الأخذ بهذه القاعدة من طرف ّ ُ القاض ي الجزائي يجب أن يكون على إطالقه ؟ أم أن المسألة تحت ِمل فتح جان ٍب ّ من النقاش حول مدى إمكانية الحد من تلك القاعدة. ُ ّ ُ يه ِدف هذا البحث إلى الإجابة على الإشكالية التالية: إلى أي مدى ي مكن ُ ّ ُ ُ القول باالستقاللية المطلقة للقاض ي الجزائي عما قضت به الجهات التأديبية ُ َ ر بها؟ ِ بشأِن ذات الواقعِة المخط ّ ّ ْ ّ إن البحث في هذا الموضوع يتطلب تقسيم الدراسة إلى مبحثين: يتعلق ّ ّ ّ ُ ّ ّ ي ِ ر التأديب ِ الأول بتحديد ماهية الجزاء التأديبي، أما الثاني فيتعلق بح ج يِة القرا ُ ً (عموما) أمام القاض ي الجزائي. - 131 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 4#ص-4

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض

المبحث الأول: ماهية الجزاء التأديبي

ّ َ إن البحث في ماهية الجزاء التأديبي تقتض ي بداية تحديد مفهومه ّ ّ ّ (المطلب الأول)، حتى يتسنى بعد ذلك التعرض إلى النظام القانوني الذي يحكمه (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مفهوم الجزاء التأديبي

ّ ّ إن تحديد المعنى الدقيق للجزاء التأديبي يقتض ي التعريف به بداية (الفرع ّ ّ ّ الأول)، ثم تمييزه عن بعض الجزاءات الأخرى التي يقررها نظامنا القانوني (الفرع الثاني).

الفرع الأول: تعريف الجزاء التأديبي

ُ ّ ُ ُ ّ ّ يعرف بعض الفقِه الجزاء التأديبي بأنه العقوبة الوظيفية التي توقعها ُ ّ السلطة التأديبية المختصة على العامل المنسوب إليه ارتكاب المخالفة التأديبية ً ّ وفقا للقواعد القانونية والتنظيمية واإلجرائية، والتي تكون إما ذات طبيعة أدبية (1) ُ ّ ّ ُ ّ أو مالية أو مهنية . ومنهم من يعرف الجزاء التأديبي بأنه جزاء يوقع على َ ّ ّ المستخدم الذي يثبت قيام جريمة تأديبية في حقه، والذي من شأنه أن يودي إلى )2( التأثير على وضعه الأدبي أو المالي أو إلى إنهاء عالقته بالسلطة التي يتبعها . -1 خيضاوي نعيم و باية فتيحة، (الجزاء التأديبي للموظف العام في قانون الوظيفة العامة ّ ّ الجزائري)، المجلة الإفريقية للدراسات القانونية والسياسية، جامعة أحمد دراية، أدرار، مجلد 4، عدد 1، جوان 2020، ص ص 53-39، ص .42 -2 باهي هشام و الدهمة مروان، (العقوبات التأديبية للموظف العام في التشريع الجزائري)، ّ ّ مجلة الحقوق والح ّ ريات، جامعة محمد خيضر، بسكرة، مجلد 5، عدد 1، 2019، ص ص 48-20، ص .24 - 132 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 5#ص-5

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ّ ُ ُ ويتميز الجزاء التأديبي بخضوعه ملبدأ "شرعية العقوبة"، إذ ال يمكن ً توقيع عقوبة تأديبية على موظف أو عامل دون أن يكون لها سندا في القانون، )1( وهي تشترك في ذلك مع العقوبة الجنائية .

الفرع الثاني: تمييز الجزاء التأديبي عن الجزاءات الأخرى

يختلف الجزاء التأديبي من حيث ماهيته وآثاره القانونية عن الجزاء ّ ً ً ً ً الجنائي (أولا) وعن الجزاء المدني (ثانيا) فضال عن الجزاء الإداري (ثالثا). ّ ً

أولا : الجزاء التأديبي والجزاء الجنائي

ّ ْ إن التمييز بين العقوبة التأديبية والعقوبة الجنائية ينطلق في أساسه من ْ فكرة التمييز بين الجريمة التأديبية والجريمة الجنائية من حيث الجزاء؛ فبينما ّ ّ ّ ّ يترتب عن الأولى جزاء يتعلق بممارسة الوظيفة أو المهنة أو العمل، فإنه يترتب ّ ّ (2) عن الثانية جزاء ذو طبيعة خاصة يتمثل في "العقوبة الجزائية" ، وهو يختلف )3( في جوهره وآثاره عن الجزاء التأديبي . ّ ْ َ ْ ّ ولعل أساس التمييز بين الجزاءين الجنائي والتأديبي مرده اختالف ّ الجريمة الجنائية عن الجريمة التأديبية من حيث المصلحة محل االنتهاك فيهما؛ -1 أ ّ ما الجريمة التأديبية فال تخضع ملبدأ الشرعية، إذ يعود للجهة امل ُ ستخدمة صالحية وصف ُ ُ ْ ْ َ ّ الفعل أو االمتناع الذي ينسب للمستخدم بأنه جريمة تأديبية. ّ 2 - أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات، القسم العام، الطبعة السادسة، دار النهضة العربية، القاهرة 2015، ص .317 3 - لع ّ ل أه ّ م ما يتم ّ يز به الجزاء الجنائي عن سائر ض ُ روب الجزاءات الأخرى هو انطواؤه على ّ ّ فكره "الإيالم" ومن أهم العقوبات الأصلية التي تعبر عن هذه الفكرة هي: "الإعدام" و"سلب ً ّ الحرية" و"الإكراه المالي"، فضال عن العقوبات التكميلية كالحجر القانوني والمنع من تولي الوظائف أو ممارسة بعض الأنشطة التجارية أو المنع من الإقامة أو تحديد الإقامة أو المصادرة الجزئية لألموال. - 133 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 6#ص-6

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض فهي "أمن المجتمع واستقراره ونظامه" في الجريمة الجنائية، و"الإخالل بواجبات )1( الوظيفة أو المهنة التي ينتمي إليها الفاعل" في الجريمة التأديبية ، إذ الغاية من )2( الجزاء التأديبي هي فرض االنضباط وضمان سير المرفق العام بانتظام ً ُ (بالنسبة للموظف العمومي قانونا أو من في حكمِه). ً

ثانيا: الجزاء التأديبي والجزاء المدني

ّ ّ إن موضوع الجزاء المدني يقوم في أساسه على فكرة "جبر الضرر"، والذي ّ ًّ إما أن يكون عينيا أو في شكل "تعويض" عن الأضرار المادية أو الجسمانية أو ّ ّ الأدبية التي تنجم عن الفعل الضار أو عن التخلف عن الوفاء بالتزام مدني ُ ّ ُ ُ معين؛ بينما موضوع الجزاء التأديبي هو مجازاة الموظف أو العامل عن تقصيره في ًّ ّ أداء واجباته أو تعمده انتهاك أيا منها. ّ ْ َ ْ ً وبالتالي فإن االختالف بين الجزاءين المدني والتأديبي يبدو واضحا في هذا ّ ُ ّ ً ً ّ ّ الشأن؛ فإذا كان مناط الأول – وجودا وعدما – هو "الضرر"، فإن الثاني ال ّ ُ َ ُ َ ْ َ ب ضرٍ ر ما يلحق الهيئة المستخدمة أ و الغير. ِ يحتاج في وجوده لترت ً

ثالثا: الجزاء التأديبي والجزاء الإداري

ّ ّ (3) رغم أن كل من الجريمة الإدارية والجريمة التأديبية قد تشتركان إلى ّ ّ ّ ح ٍد ما في بعض أنواع الجزاءات المترتب عنهما، والتي يغلب عليها الطابع الإداري، 1 - فوزية عبد الستار، شرح قانون العقوبات "القسم العام"، دار النهضة العربية ومطبعة جامعة القاهرة والكتاب العربي، القاهرة 1987، ص 24.25 2 - خيضاوي نعيم و باية فتيحة، المرجع ال ّ سابق، ص ص .45-44 3 - إ ّ ن امل َ ق ُ صود بعبارة "جريمة إدارية" هو ال ّ سل وك (ارتكا ً با وامتنا ً عا) الذي يمنح القانون ُ ً ّ للسلطة العمومية (ممثلة عادة في هيئة إدارية، كسلطات الضبط) صالحية توقيع عقوبة ّ ّ ّ ُ إدارية ضد من يأتيه، ومن أمثلتها الشائعة: الجزاءات المالية (تت ِخذ في الغالب صورة الغرامة - 134 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 7#ص-7

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ّ ّ إال أنهما تختلفان تمام االختالف في سبب توقيع ذلك الجزاء؛ فالجزاء الإداري ُ َ ُ ّ ّ يفرض – في معظم أشكاله - بمناسبة إتيان سلوكات تمس إما باقتصاد الدولة أو ِ ّ ّ بحسن سير المرافق العامة أو بالبيئة، وذلك في الأحوال التي يرى فيها المشرع عدم ّ ً ّ ً ضرورة تدخل الجزاء الجنائي واالكتفاء بالجزاء الإداري الأقل ردعا وحدة، وذلك )1( من خالل تفويض توقيع هذا الأخير إلى السلطة العامة .

المطلب الثاني: النظام القانوني للجزاء التأديبي

ّ ّ ُ إن ما يتميز به النظام القانوني للجزاء التأديبي في التشريع الجزائري – ُ ّ ْ ْ على غرار التشريعات المقارنة – هو تفرقه بين قانونين ينتمي أحدهما إلى فروع ّ القانون العام، ويتعلق بفئة الموظفين العموميين (الفرع الأول)، في حين ينتمي ّ ُ ّ اآلخر إلى فروع القانون الخاص، ويتعلق بفئات المستخدمين الذين تربطهم برب ً ّ ُ ُ العمل رابطة عقدية (الفرع الثاني)، وفضال عن ذلك فإن القانون يخضع من ّ ّ ّ ينتمون إلى بعض المهن الحرة إلى نظام تأديبي خاص (الفرع الثالث)؛ كما أن مما ّ ّ ّ يتميز به النظام القانوني السالف الذكر هو تحديده لكيفيات وطرق اكتساب ّ ُ ّ ّ ّ َْ ّ ّ ي فيِه (الفرع الرابع). ِ القرار الصادر في الدعوى التأديبية لحجيِة الش يِء المق ِض

الفرع الأول: الجزاء التأديبي في إطار القانون العام

ّ ُ ّ إن الأصل هو خضوع الموظف المعين في الإدارة العمومية للقانون الأساس ي للوظيفة العمومية، وبالتالي خضوعه من الناحية التأديبية إلى أحكامه ّ ً ّ ُ ْ ُ ُ ّ (أولا)؛ غير أن القانون قد يخ ِضع – العتبارا ٍت معينٍة - بعض فئات الموظفين ُ ّ المالية أو المصادرة الإدارية، الجزاء الإداري المقيد أو المانع للحقوق (كسحب الترخيص أو الغلق الإداري). 1 - أحمد فتحي سرور، المرجع ال ّ سابق، ص .317 - 135 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 8#ص-8

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ّ ّ العموميين إلى قوانين أساسية خاصة، فيستمد الإطار التأديبي للموظف أحكامه ً منها (ثانيا). ّ ً ّ

أولا : القرارات التأديبية في ظل القانون الأساس ي للوظيفة

العمومية ّ إن الإطار الأساس ي الذي يحكم مسألة الجزاء التأديبي للموظف العمومي يتم ّ ث ُ ل في قانون الوظيفة العمومية (1) ، والذي يخض ُ ع له غالبية ُ مستخدمي ّ ُ ّ )2( الموسسات واإلدا رات العمومية ؛ وقد نظم هذا الأخير الأحكام المتعلقة ّ ّ بالدعوى التأديبية والقرارات الصادرة بشأنها في الباب السابع منه تحت عنوان ّ ّ "النظام التأديبي" (المواد من 160 إلى 185)، وقسم العقوبات التأديبية بحسب ّ ُ ّ ُ ّ جسامتها إلى أربع درجا ٍت (تتدرج من مجرد التنبيه وتصل إلى ح ِد التسريح من ِ الِخدمِة). ً ّ ّ

ثانيا: القرارات التأديبية في ظل القوانين الأساسية الخاصة

ّ ُ َّ للمشرع أن يخص بعض الفئات من الموظفين بنظام قانوني خاص غير ِ مألوف في قانون الوظيفة العمومية (3) ، وذلك العتبارات ُ مع ّ ينة تتع ّ لق في غالب الأحيان بخصوصية الوظيفة نفسها، وقد يشمل ذلك النظام الخاص مسائل 1 - صدر ب ُ موجب الأمر رقم 03-06 امل ُ و ّ رخ في 15 يوليو 2006 امل ُ تض ّ من القانون الأساس ي ُ ّ ّ للوظيفة العمومية (جريدة رسمية عدد 46، سنة 43، المورخة في 2006/07/16)، وتمت ُ ُ ُ ّ الموافقة عليه بموجب القانون رقم 12-06 المورخ في 14 نوفمبر 2006 (جريدة رسمية عدد ُ ّ 72، سنة 43، المورخة في 2006/11/15). 2 - لتحديد المعنى القانوني لعبارة "الموسسات واإلدارات العمومية" ال ب ّ د من ال ّ رجوع إلى ن ّ ص المادة 2 فقرة 2 من القانون الأساس ي العام للوظيفة العمومية. 3 - لقد ك ّ رس المشرع هذا المبدأ في القانون الأساس ي العام للوظيفة العمومية ذاته، وذلك في ّ نص المادة 2 فقرة 3 والمادة 3 فقرة 2 منه. - 136 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 9#ص-9

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض الأخطاء المهنية والجزاءات المق ّ ررة لها (1) ؛ واألمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها: ُ َ

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 10#ص-10

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ّ أحال في المادة 4 منه على التنظيم فيما يتعلق بتنظيم عالقات العمل (بما فيها ً (1) طبعا النظام التأديبي) في بعض الأنشطة . ُ ّ َ

الفرع الثالث: الجزاء التأديبي في إطار القوانين المؤ ِطرة لل ِمهن

ّ الحرة ّ نظرا لطبيعة بعض المهن الحرة التي تمارس وفق نظام القيد في جدول ّ ّ المنظمة أو النقابة الذي تندرج تحته، فإن المشرع أفردها بأحكام خاصة فيما ّ ّ يتعلق بممارسة الدعوى التأديبية ضد منتسبيها المخالفين لألنظمة واللوائح التي ّ ّ ُ توطرها ال سيما ما تعلق منها بأخالقياتها؛ ومن الأمثلة التي يمكن االستشهاد بها في هذا المقام: قانون تنظيم مهنة الموثق (2) (في المواد من 53 إلى 67 منه)، قانون تنظيم مهنة المحضر القضائي (3) (في المواد من 49 إلى 63 منه)، قانون تنظيم )4( مهنة المحاماة (في المواد من 115 إلى 132 منه). ّ ّ ُ ّ ّ

الفرع الرابع: اكتساب القرار الصادر في الدعوى التأديبية لحجي ِة

ّ َ ْ ّ ي في ِه ِ الش يِء المق ِض ُ ّ ّ قبل البحث في مسألة كيفية اكتساب القرار التأديبي للحجية ال بد من ّ ً ّ ّ ّ ّ الإشارة أولا إلى أن تلك الحجية تتميز بطابعها النسبي مقارنة بحجية الأحكام ّ 1 - ويتعلق الأمر بالمجاالت التالية: المالحة الجوية والبحرية، السفن التجارية، الصيد البحري، ّ العمل المنزلي، الصحافة، المسرح، التمثيل التجاري، رياضة النخبة. 2 - صدر ب ُ موجب القانون رقم 02-06 امل ُ و ّ رخ في 20 فبراير 2006 (جريدة رسمية عدد 14، سنة ُ ّ 43، المورخة في 2006/03/08). 3 - صدر ب ُ موجب القانون رقم 03-06 امل ُ و ّ رخ في 20 فبراير 2006 (جريدة رسمية عدد 14، سنة ُ ّ 43، المورخة في 2006/03/08). 4 - صدر ب ُ موجب القانون رقم 07-13 امل ُ و ّ رخ في 29 أكتوبر 2013 (جريدة رسمية عدد 55، ُ ّ سنة 50، المورخة في 2013/10/30). - 138 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 11#ص-11

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ُّ القضائية، هذه الأخيرة التي تعد بمثابة الحقيقة القضائية ملا قضت فيه، فإذا ّ ّ ً ُ ْ َ ً ّ استوفت طرق الطعن فيها وصارت باتة (أو مبرمة) اكتسبت حينئ ٍذ الحجية التي ّ ّ توهلها ألن تكون سببا من الأسباب العامة النقضاء الدعوى العمومية التي قد ّ ّ (1) تحرك الحقا عن ذات الواقعة وضد نفس الشخص . ُّ ّ ُ ينص القانون – وهو الغالب – على الكيفي ة التي يكتسب من خاللها ّ ّ ّ َ ّ القرار التأديبي (الصاد ر بالعقوبة أو البراءة) حجية الش يء المقض ي فيه، ويكون ً ُ ّ ذلك عادة من خالل فتح المجال للطعن في ذلك القرار أمام جهة يحددها القانون، قد تكون قضائية أو مختلطة في تشكيلتها (2) . ومن الأمثلة على ذلك: قرارات المجالس التأديبية بالغرف الجهوية ّ للموثقين، إذ يجوز للم وثق محل الدعوى التأديبية (في حال صدور قرار تأديبي ّ ّ ضده) ورئيس الغرفة الوطنية للموثقين (في حال تبرئة الموثق محل الدعوى ّ التأديبية) الطعن ضد القرار الصادر عن المجلس التأديبي أمام اللجنة الوطنية 1 - سوف يت ّ م التع ّ رض إلى هذه المسألة في المبحث الثاني من هذا المقال (وبالتحديد عند ُ ّ ّ البحث في مبررات عدم تقيد القاض ي الجزائي بالقرارات التي تصدرها الجهات التأديبية). 2 - إ ّ ن الغالب هو أن ينص التشريع أو التنظيم ا ُ ملتع ّ لق بالقانون الأساس ي لوظيفة أو مهنٍة ما ُ َ ُ ّ على الجهة التي يطعن أمامها في القرار الذي تصدره الجهة التأديبية (تتخذ عادة تسمية لجنة ّ الطعن)؛ وقد ك ّ رس القانون الأساس ي العام للوظيفة العمومية هذا المبدأ في المادة 175 منه ّ ْ ّ ّ بالنسبة للعقوبات التأديبية من الدرجتين الثالثة والرابعة، كما نصت المادة 65 من ذات ّ ّ ّ القانون على أنه تنشأ لجنة طعن لدى كل وزير وكل واٍل وكل مسوول موهل لبعض الموسسات ّ ُ ً ُ ّ ُ ّ واإلدارات العمومية، وان هذه اللجان تتكون مناصفة من ممثلي الإدارة وممثلي الموظفين ُ َ ّ ّ المنتخبين، ونصت المادة 73 من ذات القانون على أن اختصاص تلك اللجان وتشكيلها ُ ّ وتنظيمها وسي رها تحدد عن طريق التنظيم، وقد صدر تطبيقا لهذه المادة المرسوم التنفيذي ُ ّ ّ

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 12#ص-12

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض للطعن (1) ، وذلك في أجل ثالثين (30) يو ً ما من تاريخ التبليغ (المادة 60 من قانون ّ ّ تنظيم مهنة الموثق)، وعند صدور قرار عن هذه اللجنة، فإنه يقبل الطعن فيه ّ أمام مجلس الدولة وفقا للكيفيات واآلجال المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية واإلدارية (المادة 67 فقرة 2 من قانون تنظيم مهنة الموثق)، دون أن يكون ّ ّ ّ ّ للطعن أثر موقف لتنفيذ القرار محل الطعن؛ بمعنى أن قرار مجلس التأديب ّ ّ ّ ّ للغرفة الجهوية للموثقين ال يحوز قوة الش يء المقض ي فيه إال بإحدى الطريقين: ّ إما بفوات أجل الطعن في قرار المجلس التأديبي أمام اللجنة الوطنية أو فوات أجل الطعن في قرار اللجنة الوطنية للطعن أمام مجلس الدولة، أو باستيفاء ّ ً الطعن وصدور قرار فصال فيه. ُ ّ

المبحث الثاني: حجية القرار التأديبي أمام القاض ي الجزائي

ّ ّ إن البحث في مسألة مدى حجية الش يء المقض ي فيه من طرف الجهة ّ ّ التأديبية أمام القاض ي الجزائي الناظر في الدعوى العمومية يتطلب بداية ّ ّ ّ ّ التعرض إلى قاعدة عدم تقيد هذا الأخير بالقرار التأديبي (المطلب الأول) ثم ّ ّ التعرض بعد ذلك إلى مدى إمكانية الحد من هذه القاعدة في بعض الأحوال (المطلب الثاني). 1 - ت ّ م استحداثها بموجب المادة 63 من قانون تنظيم مهنة الموثق، وتتش ّ كل من ثمانية (8) أعضاء أساسيين: أربعة (4) مستشارين من المحكمة العليا (من بينهم الرئيس) وأربعة (4) ُ ّ يعينهم وزير العدل حافظ الأختام، وأربعة (4) موثقين تختارهم الغرفة الوطنية للموثقين. ّ ّ ّ ُ مالحظة: إن صياغة المادة 63 السالفة الذكر تتطلب مراجعتها، ألن الأخذ بحرفيتها يودي إلى اعتبار عدد أعضاء اللجنة الوطنية هو ستة عشر (16) عضوا (جاء فيها "... تتشكل اللجنة الوطنية للطعن من ثمانية (8) أعضاء أساسيين، وأربعة (4) قضاة برتبة مستشار بالمحكمة العليا .... وأربعة (4) موثقين تختارهم الغرفة الوطنية للموثقين)". - 140 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 13#ص-13

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ّ

المطلب الأول: عدم تقيد القاض ي الجزائي بالقرار التأديبي

ّ ُ ّ ّ إن القاعدة التي يكون بموجبها القاض ي الجزائي في ِحٍل من التقيد بما ُ ّ ّ ذهبت إليه الجهة التأديبية تجد لها العديد من المبررات (الفرع الأول)، كما ّ يترتب عنها جملة من النتائج القانونية يظهر أثرها عند الفصل في الدعوى العمومية من طرف القاض ي الجزائي (الفرع الثاني). ُ ّ ّ

الفرع الأول: مبررات عدم التقيد بقرار الجهات التأديبية

ُ ّ يمكن إجمال المبررات التي تحول دون إلزام القاض ي الجزائي بالقرار ّ التأديبي (السابق) فيما يأتي: ّ ً ُ ّ

أولا : مقتضيات نص المادة 6 من قانون الإجراءات الجزائية

ّ ّ لقد نظم المشرع الأسباب العامة والخاصة النقضاء الدعوى العمومية ُ بموجب المادة 6 من قانون الإجراءات الجزائية؛ ومن بين الأسباب العامة الواردة ّ ُ في الفقرة الأولى من هذا النص "... صدور حكم حائز لقوة الش يء المقض ي فيه"؛ ّ ّ ّ ّ ّ وبغض النظر عن افتقار هذه الصياغة للدقة اللغوية التي تودي المعنى القانوني ّ (1) ّ ّ ُ السليم ، فإن المقصود بالحجية المعتبرة أمام القاض ي الجزائي هي تلك التي 1 - كان الأولى أن تكون صياغة هذه الفقرة كما يلي: " وبحيازة الحكم الجزائي لق ّ وة ال ّ ش يء المقض ي فيه"؛ أل ّ ن الحكم ال يحوز ال ُ ح ّ جية ب ُ مج ّ رد صدوره، وإ ّ نما بعد استيفاء طرق ال ّ طعن ُ ّ ً ُ ّ ّ

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 14#ص-14

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ُ ّ تحوزها القرارات القضائية (justice de cisionsd Les) بالمعنى الموسع، أي تلك التي تصدرها الجهات القضائية دون سواها. ّ ًّ وهكذا فإن القرارات التي تصدرها المجالس والهيئات التأديبية أيا كانت ُ َ ّ ً ًّ

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 15#ص-15

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ّ ُ ُ ّ ُ ّ إن هذه الذاتية تجد مبر راتها التي تستند عليها في خصوصية موضوع ّ ّ القانون الجزائي، أ ال وهو "حماية النظام االجتماعي"، فرغم أن عالقة هذا ّ ّ ُ القانون بسائر فروع القانون الأخرى ، الخاصة منها والعامة، تظه ر من خالل ّ ُ ّ ُ ّ الطابع العقابي (sanctionnateur reCaract) الذي يميزه ويوفر به لها الحماية ّ ّ ّ الجنائية الضرورية، إال أنه ال يستعير بالضرورِة من تلك الفروع القواعد المألوفة ّ ُ ّ ُ ً ُ التي تقررها، بل ويح ِدد القانون الجنائي – فضال عن ذلك - بصورٍة ذاتيٍة من ّ ّ ُ ّ ّ الشروط التي يتحقق بتوافرها الجزاء الجنائي الذي يقرره، وكذا كيفيات تطبيقه من جهٍة أخ رى (1) . ً ُ

ثالثا: مقتضيات استقاللية الجريمة الجنائية عن الجريمة

التأديبية ّ ّ إن استقاللية كل من الجريمة الجنائية والجريمة التأديبية عن بعضهما ُ ّ تظهر من خالل اختالفهما من حيث مقومات الوصف القانوني واألركان التي ّ ّ (2) ً تتشكل منها كل منهما ؛ فإذا كان وصف الجريمة الجنائية يقوم أساسا على ّ ّ ّ ّ ّ مبدأ "شرعية التجريم"، والذي موداه أنه ال جريمة إال بنص، فإن الأمر ليس ٍ

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 16#ص-16

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ّ ّ ّ كذلك بالنسبِة للجريمة التأديبية، ذلك أن نطاق مخالفة مقتضيات الوظيفة أو ٌ ًّ ً ّ ُ العمل أو المهنة واسع جدا، فضال عن تأثره بالظروف والمالبسات المختلفة، والتي ّ ُ تخضع كلها للسلطة التقديرية للجهِة المستخ ِدمة، فما تعتبره إحداها جريمة ّ ّ ٌ تأديبية ال يكون كذلك بالنسبة لجهٍة أخرى، بل إن ما تعتبره جهة بعينها مخالفة ّ ُ َ َ ُ ّ ّ ملقتضيات الوظيفة بالنسبة ملستخدٍم معين قد ال تعتبره كذلك بالنسبة ُ َ َ ملستخدٍم آخر. ّ ّ ص كما هو الحال ٍ والركن الشرعي في الجريمة التأديبيِة ال يحتاج إلى ن ّ ّ بالنسبة للجريمة الجنائية، إذ يتعلق (هذا الركن) بصفة الفعل غير المشروعة ّ ّ ّ ّ سواء نص عليها القانون أو لم ينص عليها وليس بنص التجريم، غير أن ذلك ال ُ َ ّ ُ َ ينبغي أن يفهم منه تحرر السلطة التقديرية للجهة المستخ ِد مة في وصف الفعل بالجريمة التأديبية، وإ ّ نما هي ُ مق ّ يدة بمبدأ "المشروعية" بمعناه العام (1) . ّ ُ ّ ّ ولعل من مبررات عدم تقيد القاض ي الجزائي بحجية الش يء المقض ي فيه من طرف الجهات التأديبية هو إمكانية مباشرة الدعويين التأديبية والعمومية في ُ َ ّ نفس الوقت أو في أعقاب بعضهما دون أن يكون لدفع المستخدم (محل ْ ّ ّ ُ ٌ َ َ ٌّ ّ الدعويين) بسبق المتابعة أي أثر قانوني يذكر، وهو أمر بدهي بالنظر إلى استقالل ٍ ٍ ّ ُ كل من الدعويين سواء من حيث سببهما أو من حيث موضوعهما؛ فسبب ُ ّ الدعوى التأديبية هو خرق مقتضيات الوظيفة أو العمل أو المهنة، في حين أن ّ سبب الدعوى العمومية هو فعل أو امتناع قرر له القانون عقوبة جزائية، ّ ُ وموضوع الدعوى العمومية هو استفاء الدولة لحقها في العقوبة ِقبل من تثبت ُ ّ ّ إدانته، وذلك عن طريق الردع الجزائي المتمثل في العقوبة الجزائية، في حين 1 - بالباقي وهيبة، المرجع ال ّ سابق، ص .144 - 144 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 17#ص-17

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ُ ّ ُ موضوع الدعوى التأديبية هو استفاء الجهة المستخ ِدمة لحقها في مجازاِة ُ َ ُ ً ّ )1( المستخدم المخالف عن طريق الجزاء التأديبي . وفضال عن ذلك فإن ثبوت ْ ّ ّ إحدى المسووليتين، الجزائية أو التأديبية، ال يودي بالضرورة إلى ثبوت الأخرى (2) ؛ فالقاض ي الجزائي غير ملزم ُ مطلقا بانتظار مآل الدعوى التأديبية (في حال ُ ّ ُ َ مباشرتها) حتى يفصل في الدعوى العمومية المتعلقة بالوقائع المخطر بها، بل ِ ّ َ َ ُ ّ وأكثر من ذلك فإن له أن يقض ي باإلدانة عن نفس الواقعة التي سبق وأن برأت الجهة التأديبية المتهم بشأنها، أو العكس بأن يقض ي بالبراءة عن نفس الواقعة ُ ًّ التي أِدين بشأنها المتهم تأديبي ا. ّ هذا من جهة، ومن جهٍة أخرى فإن استقالل الدعوى العمومية عن ً ّ الدعوى التأديبية وأولوية هذه الأخيرة عليها في حال تزامن تحريكهما معا قد أكده

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 18#ص-18

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ّ ً ّ ّ ّ وملا كان القاض ي عموما هو حامي الحريات والحقوق (بما فيها الحق في التمتع ُْ َ َ ّ بقرينة البراءة أو الحق في قرينة البراءة المفترضة) بنص الدستور (المادة 164 منه) ّ ّ ُ َ ُ والقاض ي الجزائي على وجه الخصوص هو حامي الحق السالف الذكر، بل وملزم هو ذاته به (المادة 41 من الدستور، والمادة الأولى من قانون الإجراءات الجزائية ُ ّ ُ ُ ّ بصيغتها المعدلة بموجب المادة 2 من القانون رقم 07-17 المورخ في 27 مارس .)2017 ّ ّ َ َّ ً فإذا كان الأمر على هذا النحو فإن القاض ي الجزائي لن يطمِئن – بداهة َ ُ – ملا تقض ي به الجهات التأديبية ِقبل المتهم المنسوبة إليه الواقعة المخطر بها، حتى وإن تطابقت تلك الواقعة تمام االنطباق مع تلك التي بوِشرت بها الدعوى التأديبية التي انتهت إلى الإدانة؛ وفي ذلك ضمانة للمتهم الذي قد ينتهي القاض ي ًّ الجزائي إلى تبرئته جزائيا. ّ ّ

الفرع الثاني: النتائج القانونية المت رتبة عن عدم التقيد بقرار

الجهات التأديبية ّ ّ ّ ّ ُ ّ إن الأخذ بقاعدة عدم التقيد السالفة الذكر من شأنه أن يرتب نتائج ّ ّ ّ ّ قانونية تتعلق إما بوصف الواقعة محل الدعويين التأديبية (السابقة) ّ ً ً ً والعمومية (أولا) أو بإثبات قيامها (ثانيا) أو نسبتها للمتهم (ثالثا). ّ ً ُ ّ

أولا : النتائج القانونية المتعلقة بوصف الواقعة

ّ ّ ّ إن من أهم نتائج عدم تقيد القاض ي الجزائي بما قضت به الجهة ّ ْ ْ التأديبية هو استقالله في إعطاء الواقعة التي بين يديه الوصف القانوني الذي ّ ّ ّ يرى بأنه ينطبق عليها، وذلك بغض النظر عن كون نفس الواقعة سبق وأن صدر - 146 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 19#ص-19

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ً ًّ ً ّ ّ بشأنها قرارا تأديبيا حائزا لحجية الش يء المقض ي فيه ( وهي حجية نسبية مثلما سبق ذكره في المبحث الأول من هذه الدراسة (1) ). ُ ّ فإذا كان القاض ي الجزائي غير مقيد بالوصف الذي تضفيه النيابة العامة ُ ّ ب أولى غير مقي ٍد ِ أو قاض ي التحقيق أو غرفة االتهام على الواقعة، فهو من با ّ بالوصف الذي تصدر تحته العقوبة التأديبية السابقة على نظره في الدعوى ّ العمومية، ويسري ذلك على كل من وصف الواقعة، من حيث مادياتها ومن ّ حيث مدى تمامها (فعل تام أم شروع)، وكذا على وصف المساهمة (فعل أصلي أم اشتراك). ُ ومن الأمثلة التي يمكن ضربها في هذا المقام: اعتبا ر الجهة التأديبية ّ ّ ً الواقعة بأنها "التعدي بالعنف عمدا على شخص في مكان العمل" (طبقا للمادة 181 مقطع 2 من القانون الأساس ي العام للوظيفة العمومية)، في حين يعتبرها ُ ّ قاض ي الجنح مجرد مخالفة "التسبب بغير قصد في إصابة الغير" (طبقا للمادة ّ 442 مقطع 2 من قانون العقوبات)، اعتبا ر الجهة التأديبية الواقعة بأنها َ ً "سرقة"، في حين يعتبرها قاض ي الجنح "خيانة أمانٍة" أو "نصبا"، اعتبا ر الجهة ّ التأديبية الواقعة بأنها "اختالس أموال عمومية"، في حين يعتبرها قاض ي الجنح ً "شروعا في االختالس"، إدانة الجهة التأديبية الموظف على أساس مساهمته ّ المباشرة في إتالف وثائق إدارية تتعلق بالموسسة العمومية التي ينتمي إليها، في ً حين يعتبر القاض ي الجزائي فعله اشتراكا بمفهوم المادة 42 من قانون العقوبات ال مساهمة أصلية بمفهوم المادة 41 من ذات القانون. 1 - وذلك في بداية البحث في مسألة كيفية اكتساب قرارات الجهات التأديبية لح ّ جية ال ّ ش يء َ ّ ي فيه. ِ المق ِض - 147 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 20#ص-20

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ً ُ ّ

ثانيا: النتائج القانونية المتعلقة بإثبات قيام الفعل

ّ ّ ُ إن قاعدة عدم تقيد القاض ي الجزائي بالقرار التأديبي تنصرف كذلك إلى ُ َ مسألة ثبوت الواقعة المخطر بها؛ إذ له أن ينتهي إلى تبرئة ساحة المتهم لعدم ِ ّ ً ّ ّ ثبوت قيام الجريمة في مادياتها التي تتكون منها أصال بالرغم من أن الجهة التأديبية سبق وأن قضت باإلدانة، وهو القضاء الذي يفترض بداية ثبوت ّ الواقعة بالنسبة لها. ُ ّ والقاض ي الجزائي يستند في عدم تقيده بالقرار التأديبي على الوجه ّ ّ ّ السالف الذكر إلى نص المادة 364 من قانون الإجراءات الجزائية، والتي تجعل ً ً ّ من عدم ثبوت الواقعة سببا من أسباب تبرئة ساحة المتهم؛ وفضال عن ذلك فإن ُ ّ ُ ّ ّ ّ المشرع ذاته لم يقرر أي قي ٍد في هذا الشأن. ً ُ ّ

ثالثا: النتائج القانونية المتعلقة بنسبة الفعل للمتهم

ّ إذا انتهت الجهة التأديبية إلى إثبات نسبة الواقعة محل الدعوى التأديبية ُ َ ّ إلى المستخدم وادانته على ذلك الأساس، فإن قرارها هذا ال يلزم القاض ي الجزائي ّ ُ ّ ّ حتى وإن استوفى جميع طرق الطعن وحاز حجية الش يء المقض ي به، ولهذا الأخير ّ أن يحكم بالبراءة ما لم يقع في وجدانه صحة نسبة تلك الواقعة للمتهم، ًّ ّ ّ ويستوي أن يكون قضاءه هذا مبنيا على اليقين أو على الشك، إذ الشك – كما ُ َّ ُ ً هو معلوم – يفسر ملصلحة المتهم؛ وهكذا إذا لم يطمئن القاض ي مثال إلى الدليل الذي استندت عليه الجهة التأديبية في نسبة الواقعة (الثابتة) إلى المتهم ُ َ ُ ً (المستخدم) كأن تكون طريقة تحصيله غير مشروعة أو غير مستوفيا لشروط ّ َ ُ ً ّ ً صحته وقبوِلِه أو مشوبا بأحد أسباب البطالن، فإن له أن يطرحه جانبا وال ُ يلتفت إليه. - 148 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 21#ص-21

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض وكذلك إذا انتهت الجهة التأديبية قبل الفصل في الدعوى العمومية إلى ُ َ َ ُ ًّ ُ ُ عدم نسبة الواقعة إلى المستخ دم المتابع تأديبيا، فإن قرارها بتبرئته ال يلزم في ِ ْ ش يٍء القاض ي الجزائي، إذ له أن يحكم باإلدانة متى توافرت لديه الأسباب التي ُ ّ ّ يبرر بها ذلك الحكم، والتي يجب أن يستعرضها في تسبيبه؛ وهكذا إذا تبين للقاض ي الجزائي من خالل المناقشات التي تدور في الجلسة قيام قرينة أو دليل ُ ّ آخر يفيد نسبة الواقعة للمتهم فإنه يقض ي بإدانته، بل وله أن يعت ِمد في تأسيس َ َ ْ ْ َ َ حكمه على ذات الدليل الذي سبق وأن استبعدته الجهة التأديبية لسب ٍب ما. ّ ّ

المطلب الثاني: مدى إمكانية الحد من قاعدة عدم تقيد القاض ي

الجزائي بالقرار التأديبي ّ ّ ّ إن تصور الخروج عن قاعدة عدم تقيد القاض ي الجزائي بالقرار التأديبي ُ يمكن البحث فيه في الأحوال التي يكون فيها مصدر حجية ذلك القرار هو حكم قضائي (الفرع الأول) وكذا الأحوال التي يدخل فيها الجزاء التأديبي في البنيان القانوني للجريمة ذاتها (الفرع الثاني). ُ ّ الفرع ا ألول: اكتساب قرار الجهة التأديبية للحجية من حكم قضائي ّ ّ لقد نص المشرع في أحوال كثيرة على قابلية قرارات الجهات التأديبية للطعن فيها أمام جهة قضائية من جهات النظام القضائي (في الأغلب القضاء الإداري)، ومن الأمثلة على ذلك: قابلية قرارات اللجنة الوطنية للطعن (بالنسبة للموثقين) للطعن فيها أمام مجلس الدولة (المادة 67 فقرة 2 من قانون تنظيم ُ

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 22#ص-22

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ً ّ قانون تنظيم مهنة المحاماة). وفضال عن ذلك فإن الموظف العمومي الذي يكون ًّ ّ محال لجزاء تأديبي يصدر ضده في إطار أحكام القانون الأساس ي العام للوظيفة العمومية يحق له الطعن في القرار التأديبي أمام القضاء الإداري عن طريق دعوى الإلغاء وفقا للقواعد العامة امل ُ ق ّ ررة في هذا ال ّ شأن (1) ، ذلك أ ّ ن من مهام ُ ُ ّ القضاء مراقبة أعمال الإدارة بما فيها تلك المتعلقة بتوقيع العقوبة على الموظف، ّ ُ ّ باعتبار الضمانة القضائية تعد أقوى الضمانات المقررة للموظف في هذه الحال، ومكمن هذه الق ّ وة هو ك ْ ون أحكام القضاء ُ ملزمة وواجبة التنفيذ (2) . ِ ً ّ فإذا صدر قرار تأديبي بإدانة موظف مثال على أساس واقعة تم وصفها من ّ طرف المجلس التأديبي على أنها "استعمال غير شرعي ملمتلك تابع لإلدارة" (سيارة ّ الخدمة على سبيل المثال)، وبعد الطعن في ذلك القرار أمام القضاء الإداري عن ّ ُ ّ ُ ً طريق دعوى الإلغاء رأى هذا الأخير بأن الواقعة المنسوبة للموظف تشكل فعال ً ًّ ً استعماال غير شرعيا لذلك الممتلك، وقض ى بناء على ذلك برفض الطعن لعدم ّ ّ ُ ّ ً التأسيس؛ ففي هذه الحالة يكون القرار التأديبي السالف الذكر محصنا - فيما ّ ي صادر عن القضاء الإداري، بما لهذا الأخير من أدوات ٍ قض ى به – بحكٍم قضائ ّ ّ ّ قانونية توهله بحق إلى أن يكون صاحب االختصاص الأول ملراقبة مدى انطباق ٍ ُ َ الوصف الذي بوِشرت به الدعوى التأديبية على الواقعة المنسوبة للموظف؛ ُ ُ ّ فيطرح حينئ ٍذ التساؤل حول مدى سريان قاعدة عدم تقيد القاض ي الجزائي 1 - ُ يرج ُ ع في هذا ال ّ شأن إلى أحكام قانون الإج راءات المدنية واإلدارية وكذا القانون العضوي ّ المتعلق باختصاصات مجلس الدولة. 2 - مهدي بخدة، (الضمانات التأديبية للموظف في القانون الجزائري)، مجلة الدراسات القانونية المقارنة، مخبر البحث الخاص "القانون الخاص المقارن" جامعة حسيبة بن بوعلي، ّ الشلف، مجلد 8، عدد 1، جوان 2022، ص ص 578-555، ص .569 - 150 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 23#ص-23

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ّ ّ بحجية الش يء المقض ي فيه من طرف الجهات التأديبية، وما إذا كان أث ر هذه ُّ ّ َ القاعدة ت ِخف وطأته أم ال، ألن القول بسريان تلك القاعدة في مثل هذا المثال ُ ً ّ ُ ُ سيصط ِدم حتما بحجية الحكم القضائي للمحكمة الإدارية، إذ سيصبح من العسير التوفيق بين تبرئة الموظف من طرف القاض ي الجزائي عن نفس الواقعة ّ ّ ً ّ التي قض ى القاض ي الإداري بأنها تشكل استعماال غير شرعي ملمتلك تابع لإلدارة؛ ٍ ُ ُ ّ و نفس هذه الصعوبة تطرح في الحالِة العكسيِة، أي عندما يقض ي القاض ي ّ الإداري بانتفاِء الطابع غير المشروع عن الواقعة المنسوبة للموظ ِف ، في حين ِ ً يقض ي القاض ي الجزائي بعد ذلك بإدانته عن الواقعة ذاتها موصوفة بنفس الوصف (االستعمال غير المشروع ملمتلك عمومي)؛ فهل يتوافق هذا التعارض ُ َ ُّ ّ ُ ّ ُ ّ مع فكرة "استقرار الأوضاع"، و التي تعد من أهم مبررات مبدأ "حجية الأحكام ِ ًّ القضائية" (أيا كانت الجهات القضائية التي تصدرها).

الفرع الثاني: اندماج الجزاء التأديبي في البنيان القانوني للجريمة

ُ ُ ّ ّ قد يحدث وأن يعلق المشرع التجريم عن سلو ٍك ما على ضرورة توافر ُ عنصر مسبق (alablepr mentl) له صلة ال تقبل التجزئة بقرار تأديبي، إذ ال ّ تقوم الجريمة إال بتوافر ذلك العنصر وفقا للمعنى القانوني الذي يحكمه؛ ففي ً َ ً مثل هذا الفرض تكون الجريمة مرتبطة وجودا وعدما بوجود أو انتفاء القرار التأديبي. ّ ُ ُ ّ ّ

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 24#ص-24

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ّ فيه أمام القاض ي الجزائي، والذي ليس له مخالفته أو الخ روج عنه بأن يقرر ً ّ َ ٌ ُ ََّ ّ ّ و ذلك، ألنه ليس من صالحيات ِ مثال بأن قرا ر الع زِل مش وب بعي ٍب م عي ٍن أو نح ّ القاض ي الجزائي النظر في مشروعية قرارات الإدارة، و القضاء الإداري هو وحده ُ ّ الذي يستأِثر بتلك الصالحية، و للمتهم في هذه الحال المطالبة بوقف الفصل في الدعوى العمومية من أجل تمكينه من رفع دعوى إلغاء أمام القضاء الإداري ِ ّ ّ م المادة 331 فقرة ِ ع بمفهو ٍ ضد القرار التأديبي الصادر بعزله، و ذلك في صورِة دف 3 من قانون الإجراءات الجزائية (1) .

خاتمة:

ّ ّ وفي ختام هذا البحث فإنه يتضح بأن مسألة حجية قرارات الجهات ّ التأديبية أمام القاض ي الجزائي، والتي لم يتم معالجتها معالجة دقيقة من طرف ّ ّ الفقه الجزائري لحد اآلن، هي مسألة تتطلب تكثيف الدراسات والبحوث بشأنها، ّ ّ ُ ّ ألنه وإن كان يبدو للوهلة الأولى أن القاض ي الجزائي غير مقيد بما تقض ي به ُ ّ الجهة التأديبية في نفس الواقعة المخطر بها، إال أنه ال ينبغي التسليم بمثل هذه ُ ّ ّ ّ النتيجة بصورٍة مطلقٍة، وإنما ال بد من ضبط المسألة ورد جميع العناصر التي ّ ّ ّ ّ تتكون منها إلى أصولها في شتى فروع القانون الذي تنتمي إليه، ثم تحليلها بدقٍة ّ شديدٍة على ضوء القواعد والمبادئ التي تحكم كل من النظام التأديبي ونظام ّ ّ الإجراءات الجزائية، ال سيما فيما يتعلق بالمواضيع التي تدخل في االختصاص ّ ّ ً ُ ّ ً ّ 1 - ما لم يكن القانون قد حدد أجال معينا للطعن القضائي في العقوبة التأديبية، وكان ذلك ّ ُ ْ الأجل قد انتهى. على أن مثل هذا التحليل يمكن االعتراض عليه إذا ما أخذنا بعين االعتبار ُ ّ التطبيق الموسع ملبدأ "ذاتية قانون العقوبات" (الذي سبق الإشارة إليه بمناسبة البحث في ُ ّ ّ ّ ُ ّ مبررات قاعدة عدم تقيد القاض ي الجزائي بالقرار التأديبي)، ذلك أنه وبموجب ذلك المبدأ فإن ّ ّ للقاض ي الجزائي – في هذا المثال – أن يستب ِعد قرار العزل إذا تبين له بأنه مشوب بأحد ُ ّ العيوب التي تقدح في صحته وتمنع من ترتيب آثاره القانونية. - 152 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 25#ص-25

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض ُ َ ّ الأصيل للجهة التي ينتمي إليها المستخدم محل الدعويين التأديبية والجزائية بما ُ تملكه من أدوا ٍت تتيح لها تقدير الخطأ التأديبي وفقا ملقتضيات الوظيفة أو العمل أو المهنة التي ينتمي إليها هذا الأخير، وتزداد قيمة هذه المالحظة في الأحوال ّ ّ التي تفصل فيها جهة قضائية في الطعن المقدم أمامها ضد القرار التأديبي. ّ ُ ّ ُ وفي النهاية فإن الباحث يق ِدم بعض االقتراحات على ضوِء النتائج ُ ّ المتوصل إليها: ّ

1 - ضرورة تعميق البحث الفقهي في موضوع هذه الدراسة قصد التوصل إلى

ْ نتائج توازن في ذات الوقت بين ذاتية القانون الجزائي وخصوصية واستقاللية الدعوى التأديبية. ّ

2 - التفكير في مراجعة بعض الأحكام التشريعية السارية قصد تحقيق التوافق

ّ ُ َ السالف ا إلشارة إليه في المقترح أعاله ِ - 153 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 26#ص-26

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض

قائمة المصادر والمراجع:

أولا / قائمة المصادر: أ -القوانين العضوية: من القانون الأساس ي ّ تض ُ رخ في 6 سبتمبر 2004 امل ّ و ُ .1 القانون العضوي رقم 11-04 امل ُ ّ للقضاء (جريدة رسمية عدد 57، سنة 41، المورخة في 2006/09/08). ب – الأوامر: من القانون الأساس ي العام ّ تض ُ رخ في 28 فبراير 2006 امل ّ و ُ .1 أمر رقم 02-06 امل ُ َ ُ ّ ملستخدمي الجيش الوطني الشعبي (جريدة رسمية عدد 12، سنة 43، المورخة في ّ ُ ُ ُ ّ

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 27#ص-27

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض من تنظيم مهنة المحضر ّ رخ في 20 فبراير 2006 يتض ّ و ُ .3 القانون رقم 03-06 امل ُ ّ ُ َّ القضائي (جريدة رسمية عدد 14، سنة 43، المورخة في 2006/03/08)، المعدل و ُ َّ المتمم. د - النصوص التنظيمية: من القانون ّ تض ُ رخ في 22 ديسمبر 2010 امل ّ و ُ .1 المرسوم التنفيذي رقم 322-10 امل الأساس ي الخاص بالموظفين المنتمين لألسالك الخاصة لألمن الوطني (جريدة رسمية ُ ّ عدد 78، سنة 47، المورخة في 2010/12/26). ُ ّ ُ ّ ّ .2 المرسوم التنفيذي رقم 199-20 المورخ في 25 يوليو 2020 المتعلق باللجان الإدارية ّ المتساوية الأعضاء و لجان الطعن و اللجان التقنية في الموسسات و الإداريات ّ ُ ّ العمومية (منشور في الجريدة الرسمية عدد 44 لسنة 57 المورخة في .)2020/07/30 ثانيا / قائمة المراجع: أ- الكتب: ّ ً ّ أولا: باللغة العربية: .1 أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات، القسم الخاص، دار النهضة العربية، دون سنة طبع. .2 أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات، القسم العام، ط 6، دار النهضة العربية، القاهرة .2015 - 155 -

الصفحة المطبوعة بالمجلة: 28#ص-28

ُ ّ ّ ُ ّ َ ْ ّ ّ ي فيه من طر ِف الجها ِت التأديبية أمام القاض ي الجزائي ِ حجية الش يِء المق ِض .3 فوزية عبد الستار، شرح قانون العقوبات "القسم العام"، دار النهضة العربية ومطبعة جامعة القاهرة والكتاب العربي، القاهرة .1987 ّ ً ثانيا: باللغة الفرنسية: 1. Pierre Bouzat, Traité de droit pénal et de criminologie, tome I : Droit pénal général, 2ème édition, Librairie Dalloz, Paris 1970. 2. Jean Constant, Précis de droit penal, première partie, Les principaux généraux, 6ème édition, Ecole de sciences administrative et d’officiers de police, Liège 1975. ب - المقاالت في المجالت: .1 باهي هشام و الدهمة مروان، (العقوبات التأديبية للموظف العام في التشريع ّ ّ الجزائري)، مجلة الحقوق والح ّ ريات، جامعة محمد خيضر، بسكرة، مجلد 5، عدد 1، 2019، ص ص .48-20 ّ .2 بالباقي وهيبة، (عالقة الجريمة الجزائية بالجريمة التأديبية للموظف العام)، مجلة ّ ّ دراسات في الوظيفة العامة، المركز الجامعي نور البشير، البيض، مجلد 2، عدد 1، جوان 2015، ص ص .154-141 .3 خيضاوي نعيم و باية فتيحة، (الجزاء التأديبي للموظف العام في قانون الوظيفة ّ العامة الجزائري)، المجلة الإفريقية للدراسات القانونية والسياسية، جامعة أحمد ّ دراية، أدرار، مجلد 4، عدد 1، جوان 2020، ص ص .53-39 .4 مهدي بخدة، (الضمانات التأديبية للموظف في القانون الجزائري)، مجلة الدراسات القانونية المقارنة، مخبر البحث الخاص "القانون الخاص المقارن" جامعة حسيبة ّ بن بوعلي، الشلف، مجلد 8، عدد 1، جوان 2022، ص ص .578-555 - 156 -