جدلٌة الهوٌة واألمن المومً فً الجزائر: لراءة فً الأمننة الهوٌاتٌة المتبادلة بٌن الدٌنامٌكٌات الداخلٌة والتهدٌدات العابرة للحدود The Dialectic of Identity and National Security in Algeria: A Reading of Mutual Identity Securitization betweenDomestic Dynamics and Transnational Threats رٌكأ الله دبع جامعة الجزابر3 (الجزابر) [email protected] تاريخ الإرسال05/09: / 2026 تاريخ القبول2026/05/23 تاريخ النشر: /02 06 2026/ ملخص: تتناول هذه الدراسة جدلٌة العاللة بٌن مكونات الهوٌة الوطنٌة الجزابرٌة والبنٌة الأمنٌة للدولة منذ االستمالل. تنطلك من فرضٌة مفادها أن إدارة التعدد الهوٌاتً اتخذت طابعا أمنٌا، حٌث حولت المطالب الثمافٌة واللقوٌة إلى تهدٌدات وجودٌة عبر آلٌات الأمننة. ٌتؤسس التحلٌل على إطار نظري ٌجمع مماربة كوبنهاؼن لألمننة والبنابٌة االجتماعٌة والنظرٌة ما بعد الكولونٌالٌة، مع االعتماد على تحلٌل المضمون للنصوص الدستورٌة والخطابات الرسمٌة. تبرز النتابج أن المماربة الإلصابٌة لم تحمك التماسن المنشود، وأنها أفرزت بدال من ذلن دورات من العنؾ واالحتجاج. تخلص الدراسة إلى أن الأمن المومً مرتبط بنٌوٌا باالنتمال نحو نموذج تعددي ٌمر بتماطعات الهوٌة عوض اختزالها فً بعد واحد. الكلمات المفتاحٌة: الهوٌة الوطنٌة؛ الأمن المومً؛ الأمننة؛ الجزابر؛ التهدٌدات العابرة للحدود. Abstract: This study examines the relationship between Algeria's national identity components and the state's security architecture since independence. It argues that the political management of identity pluralism has been fundamentally securitized, with cultural and linguistic demands recast as existential threats. Combining the Copenhagen School's securitization framework, social constructivism, and post- colonial theory, the analysis draws on constitutional texts, official discourses, and movement literature. The findings show that exclusionary identity approaches have not achieved cohesion but instead fueled cycles of violence and radicalization. The study concludes that national security remains structurally tied to the state's ability to shift toward a pluralist model that recognizes - rather than reduces - identity intersections. Keywords: National Identity; National Security; Securitization; Algeria; Transnational Threats. المإلف المرسل 160
جدلية الهوية والأمن القومي في الجزائر: قراءة في الأمننة الهوياتية المتبادلة بين الديناميكيات الداخلية والتهديدات العابرة للحدود
ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)
تتناول هذه الدراسة جدلية العلاقة بين مكونات الهوية الوطنية الجزائرية والبنية الأمنية للدولة منذ الاستقلال. تنطلق من فرضية مفادها أن إدارة التعدد الهوياتي اتخذت طابعا أمنيا، حيث حولت المطالب الثقافية واللغوية إلى تهديدات وجودية عبر آليات الأمننة. يتأسس التحليل على إطار نظري يجمع مقاربة كوبنهاغن للأمننة والبنائية الاجتماعية والنظرية ما بعد الكولونيالية، مع الاعتماد على تحليل المضمون للنصوص الدستورية والخطابات الرسمية. تبرز النتائج أن المقاربة الإقصائية لم تحقق التماسك المنشود، وأنها أفرزت بدلا من ذلك دورات من العنف والاحتجاج. تخلص الدراسة إلى أن الأمن القومي مرتبط بنيويا بالانتقال نحو نموذج تعددي يقر بتقاطعات الهوية عوض اختزالها في بعد واحد. This study examines the relationship between Algeria's national identity components and the state's security architecture since independence. It argues that the political management of identity pluralism has been fundamentally securitized, with cultural and linguistic demands recast as existential threats. Combining the Copenhagen School's securitization framework, social constructivism, and post-colonial theory, the analysis draws on constitutional texts, official discourses, and movement literature. The findings show that exclusionary identity approaches have not achieved cohesion but instead fueled cycles of violence and radicalization. The study concludes that national security remains structurally tied to the state's ability to shift toward a pluralist model that recognizes - rather than reduces - identity intersections.
أكير, عبد الله، "جدلية الهوية والأمن القومي في الجزائر: قراءة في الأمننة الهوياتية المتبادلة بين الديناميكيات الداخلية والتهديدات العابرة للحدود"، دفاتر السياسة والقانون، مجلد 18، عدد 2، ص ص 160-179.
متن الدراسة والتحليل الفقهي
20 صفحات مرقمةممدمة: منذ منتصؾ المرن العشرٌن، لوحظ أن أكثر من 60% من النزاعات المسلحة داخل الدول ٌتشابن مع مطالب هوٌاتٌة وثمافٌة ولقوٌة، وفك ما كشفته بٌانات المشروع الأكادٌمً "كورٌالٌتس أوؾ وور" (Project War of Correlates) لتجمٌع وتحلٌل البٌانات التارٌخٌة حول الحروب والصراعات الدولٌة. هذا الرلم وحده ٌكفً إلدران أن إدارة التعدد الهوٌاتً لٌست شؤنا ثمافٌا معزوال بل لضٌة أمنٌة من الدرجة الأولى. والجزابر لٌست استثناء من هذا النمط، بل لعلها من أكثر الحاالت كثافة : فمنذ استماللها سنة 1962، أنتجت كل محاولة لحسم مسؤلة الهوٌة بؤدوات إلصابٌة أزمة أمنٌة جدٌدة، من اضطراب حركة االنتصار للحرٌات الدٌممراطٌة سنة 1949 مرورا بالعشرٌة السوداء ووصوال إلى حران 2019، حٌث تتصارع وتتداخل ثالثة مكونات (الأمازٌقٌة واإلسالم والعربٌة) فً بلد لم تستمر فٌه بعد صٌقة تعددٌة ناجعة الستٌعاب هذا التنوع دون تحوٌله إلى تهدٌد وجودي. لعل خصوصٌة الحالة الجزابرٌة تتمثل فً أن مكونات الهوٌة هذه ال تتجاور كعناصر ثمافٌة منفصلة بل تتداخل كحمول صراعٌة ٌعٌد كل منها تعرٌؾ اآلخرٌن. العروبة المومٌة نشؤت مرتبطة عضوٌا باإلسالم الإصالحً عبر إرث جمعٌة العلماء المسلمٌن، واألمازٌقٌة لٌست كتلة متجانسة إذ ٌتراوح التعبٌر عنها بٌن النشاط الثمافً السلمً والمطالب الحمولٌة والسٌاسٌة وحتى الرادٌكالٌة، واإلسالم التملٌدي الجزابري حمل دوما بصمة محلٌة تمٌزه عن الإسالم السٌاسً المشرلً. هذا التعمٌد دفع باحثٌن من حمول متعددة لمحاولة فن شفرته، حٌث عمل مارتٌنٌز (Martinez، 1998) ووٌلٌس (Willis، 1996) على الإسالم السٌاسً، وشاكر (rekahC، 1989) ومادي واٌتزمان (Maddy-Weitzman، 2011) على الحركة الأمازٌقٌة، وؼراندؼٌوم (Grandguillaume، 1983) وبن رابح (Benrabah، 2013) على سٌاسات التعرٌب. ؼٌر أن هذه الأدبٌات اشتقلت على كل مكون بمعزل عن اآلخرٌن، ضمن مماربات من حمل دراسات المنطمة (Area Studies) أو أدبٌات التحول الدٌممراطً. ولهذا، فالفجوة التً تبرز هنا ثالثٌة الأبعاد وهً: أ) ؼٌاب إطار نظري تكاملً ٌجمع المكونات الثالث ضمن منظومة أمنٌة واحدة، و ب)التركٌز على أمننة أحادٌة االتجاه (الدولة تإمنن المعارضٌن) دون فحص الأمننة المضادة التً ٌمارسها الفاعلون ؼٌر الدولتٌٌن، وأخٌرا ج)ضعؾ الربط بٌن الدٌنامٌكٌات الهوٌاتٌة الداخلٌة والتهدٌدات العابرة للحدود كمنظومة مترابطة. واألهم أن ثنابٌة االتجاه فً عملٌة الأمننة لم تنل ما تستحمه من تنظٌر، حٌث أن الدولة تإمنن المطالب الأمازٌقٌة بوصفها تهدٌدا للوحدة، والحركات الأمازٌقٌة تإمنن التعرٌب بوصفه إبادة ثمافٌة، واإلسالم السٌاسً ٌإمنن العلمنة بوصفها تقرٌبا، والنظام ٌإمنن الإسالمٌٌن بوصفهم خطرا وجودٌا. هذه الدورة المتبادلة هً، فً تمدٌرنا، المدخل الأنسب لتفكٌن الأزمة. إشكالٌة الدراسة وأسئلتها: إنطاللا مما سبك، ٌكون السإال المحوري لهذه الدراسة:كٌف أسهمت آلٌات الأمننة المتبادلة بٌن الدولة والفاعلٌن الهوٌاتٌٌن فً إعادة إنتاج حالة الالأمن الهوٌاتً فً الجزائر منذ االستمالل، وما هً التداعٌات البنٌوٌة لهذه الدٌنامٌكٌة على الأمن المومً فً بعدٌه الداخلً والعابر للحدود؟ وتتفرع عنه ثالثة أسبلة فرعٌة: 1) ما هً اآللٌات الخطابٌة والمإسسٌة التً وظفتها الدولة ألمننة التعدد الهوٌاتً؟ 2) هل أنتجت الحركات الهوٌاتٌة خطابا أمننٌا مضادا وكٌؾ تفاعل مع أمننة الدولة؟ ثم 3) ما الأثر التراكمً لهذه التفاعالت على التماسن الوطنً وعلى لدرة الجزابر على التصدي للتهدٌدات فً محٌطها الإللٌمً؟ المتقٌر المستمل هنا هو آلٌات إدارة التعدد الهوٌاتً (سٌاسات التعرٌب، االعتراؾ الدستوري، المماربة الأمنٌة للمطالب الثمافٌة)، والتابع هو حالة الأمن المومً بؤبعاده المتعددة (الأمن المجتمعً، االستمرار السٌاسً،
السٌادة الإللٌمٌة). وتتدخل متقٌرات وسٌطة حاسمة تتمثل فً البنٌة الرٌعٌة لاللتصاد، واإلرث الكولونٌالً، والسٌاق الجٌوسٌاسً الإللٌمً. تكتسب هذه الدراسة أهمٌتها من مستوٌٌن: على المستوى النظري، تمترح مفهوم "معضلة الأمننة الهوٌاتٌة المتبادلة" كؤداة تحلٌلٌة تتجاوز الأمننة الأحادٌة التً هٌمنت على الأدبٌات، وتجمع ألول مرة بٌن مدرسة كوبنهاؼن لألمننة والبنابٌة االجتماعٌة والنظرٌة ما بعد الكولونٌالٌة فً إطار واحد مطبّك على الحالة الجزابرٌة. على المستوى التطبٌمً، تمدم الدراسة لراءة نمدٌة لد تفٌد صناع المرار فً فهم لماذا فشلت المماربات الأمنٌة للهوٌة تارٌخٌا، ولماذا ال ٌزال االنتمال نحو نموذج تعددي حمٌمً شرطا بنٌوٌا الستمرار الدولة. أهداف الدراسة وحدودها: تسعى هذه الدراسة لتحمٌك ثالثة أهداؾ: أولا، تفكٌن آلٌات الأمننة التً وظفتها الدولة الجزابرٌة تجاه مكونات الهوٌة الثالث، وكذلن آلٌات الأمننة المضادة التً مارسها الفاعلون الهوٌاتٌون. ثانٌا، تتبع التفاعالت بٌن المكونات الهوٌاتٌة فٌما بٌنها، ال مع الدولة وحسب، لكشؾ البنٌة الدابرٌة لألزمة. ثالثا، ربط الدٌنامٌكٌات الداخلٌة بالتهدٌدات العابرة للحدود، ال سٌما المسؤلة التارلٌة وانعكاسات هشاشة منطمة الساحل. تقطً الدراسة زمنٌا الفترة الممتدة من االستمالل ( 1962) إلى ما بعد حران 2019، مع إشارات ضرورٌة إلى الحمبة االستعمارٌة وإلى سٌاق ما لبل االستمالل حٌثما التضى التحلٌل ذلن. مكانٌا، تركز على الجزابر مع فتح نافذة على االمتدادات الإللٌمٌة فً منطمة الساحل. ٌعتمد التحلٌل على منهج نوعً ٌرتكز على تحلٌل المضمون النمدي للنصوص الدستورٌة والخطابات الرسمٌة وأدبٌات الحركات الهوٌاتٌة، ضمن إطار نظري تكاملً ٌجمع مماربة كوبنهاؼن لألمننة والبنابٌة االجتماعٌة والنظرٌة ما بعد الكولونٌالٌة. وفٌما ٌلً، نعرض أولا الإطار النظري المعتمد ثم المنهجٌة، لبل االنتمال إلى التحلٌل التارٌخً والموضوعاتً للدٌنامٌكٌات الهوٌاتٌة-الأمنٌة. فرضٌات الدراسة: استنادا إلى الإطار النظري المعتمد وأسبلة البحث المطروحة أعاله، تتمحور هذه الدراسة حول خمس فرضٌات متكاملة، نسولها هنا فً صٌقة لابلة لالختبار التحلٌلً عبر مختلؾ فصول البحث، علما أن ترابطها العضوي ٌعكس البنٌة الدابرٌة للظاهرة محل التحلٌل، ال تتالٌا خطٌا بسٌطا. الفرضٌة الأولى: نذهب إلى أن الإدارة الرسمٌة للهوٌة فً الجزابر اشتقلت وفك منطك "هندسة هوٌاتٌة سلطوٌة" آلت إلى تكرٌس صٌقة عربٌة-إسالمٌة مو ّحدة، وتؤجٌل االستٌعاب المإسسً للتعدد اللقوي والثمافً المابم تارٌخٌا، الأمر الذي أفضى إلى تؤطٌر المطالب الهوٌاتٌة البدٌلة بوصفها تهدٌدات أمنٌة ال لضاٌا تعبٌر سٌاسً عادي. الفرضٌة الثانٌة: نفترض أن الأمننة فً السٌاق الجزابري ال تستجٌب للمنطك الكالسٌكً لمدرسة كوبنهاؼن، الذي ٌستلزم إلناع جمهور واسع بالتؤطٌر الأمنً الممترح، بل تشتقل بمنطك تبرٌري ٌتوجه أساسا إلى دوابر المرار والشركاء الإللٌمٌٌن والدولٌٌن، فٌما ٌحتل الرأي العام مولع المتلمً أكثر منه طرفا فاعال، وهو ما ٌستوجب تكٌٌفا نظرٌا لإلطار لبل تطبٌمه على هذه الحالة. الفرضٌة الثالثة: نرى أن الفواعل الهوٌاتٌة المضادة تنخرط بدورها فً فعل أمنّنً منتظم، إذ تصوغ كل من الحركة الأمازٌقٌة والتٌار الإسالمً والتٌار المومً العروبً مرجعها المحمً تهدٌدا وجودٌا فً خطاب الفواعل الأخرى، الأمر الذي ٌفرز معضلة دابرٌة نُس ّمٌها "معضلة الأمننة الهوٌاتٌة المتبادلة"، تتقذى فٌها كل أمننة من الأمننة المضادة لها، فتعٌد إنتاج الحلمة بدال من كسرها.
الفرضٌة الرابعة: نفترض أن النموذج االلتصادي الرٌعً ٌعمل متقٌرا بنٌوٌا ٌع ّزز المٌل إلى المعالجة الأمنٌة للمسؤلة الهوٌاتٌة، إذ ٌُتٌح للدولة هامش مناورة مالٌة ٌسمح بتؤجٌل الإصالحات المإسسٌة المتعلمة بإدماج التعدد، فٌما تتراكم الكلفة العكسٌة لهذا التؤجٌل تدرٌجٌا فً صورة استمطاب اجتماعً وأزمات دورٌة متعالبة. الفرضٌة الخامسة: نذهب إلى أن الأمننة الهوٌاتٌة الداخلٌة تتفاعل مع الدٌنامٌكٌات الإللٌمٌة فً شمال أفرٌمٌاوالساحل بشكل ٌنعكس على هامش الجزابر بوصفها فاعال وسٌطا فً محٌطها، إذ تتحول المعالجة الأمنٌة المفرطة فً الداخل إلى لٌد على المرونة الدبلوماسٌة فً الخارج، وتقذي اضطرابات حدودٌة متشابكة. الإطار النظري: نحو نموذج تكاملً لألمننة الهوٌاتٌة المتبادلة ال ٌمكن إلطار نظري واحد أن ٌستوعب تعمٌد الصلة بٌن الهوٌة واألمن فً الحالة الجزابرٌة. ولهذا، نعتمد فً هذه الدراسة نموذجا تكاملٌا لابما على ثالث دعامات نظر ةي متكاملة. الدعامة الأولى هً نظرٌة الأمننة (Theory Securitization) كما طورها بوزان ووٌفر ودي واٌلد، وفٌها مفهوم الأمن المجتمعً حٌث تصبح الهوٌة الجماعٌة هً المرجعٌة المهددة. الأمن لٌس وضعا موضوعٌا ضمن هذا الإطار بل نتاج فعل خطابً (Act Speech): تحوٌل لضٌة من حملها الطبٌعً إلى حمل الأمن ٌستلزم فاعال ٌمنع جمهورا بؤن ثمة تهدٌدا وجودٌا ٌبرر إجراءات استثنابٌة خارج المواعد المعتادة. (nazuB te .la، 1998، .pp 140-119) ما ٌمنح هذه النظرٌة لٌمة تحلٌلٌة خاصة فً السٌاق الجزابري هو لابلٌتها للتطبٌك فً اتجاهات متعددة. فالنظام مارس الأمننة مرارا، من خالل تصنٌؾ المطالب الأمازٌقٌة مشروعا مدعوما من الخارج، ووصم الإسالمٌٌن بؤعداء الجمهورٌة، وتصنٌؾ حركتً رشاد والمان منظمتٌن إرهابٌتٌن سنة .2021 لكن-وهنا تكمن الإضافة النظرٌة الجوهر ٌة- الأمننة لم تكن أحادٌة االتجاه، إذ أن الحركات الهوٌاتٌة أمننت بدورها.فنشطاء الأمازٌقٌة أمننوا التعرٌب بوصفه إبادة ثمافٌة، واإلسالمٌون أمننوا العلمنة بوصفها حربا على الإسالم، والمعربون أمننوا الفرنسٌة بوصفها استمرارٌة استعمارٌة. وفً المحصلة، أنتجت هذه الدورة المتبادلة ما نصطلح علٌه "معضلة الأمننة الهوٌاتٌة"، على ؼرار المعضلة الأمنٌة فً العاللات الدولٌة، حٌث كل محاولة لتؤمٌن هوٌة ما تشعر الأخرى بالتهدٌد. الدعامة الثانٌة هً البنائٌة االجتماعٌة (Constructivism Social) كما بلورها وندت (tdneW، 1999) وكاتزنشتاٌن (Katzenstein، 1996). توفر هذه المماربة الأساس الأنطولوجً للتحلٌل: الهوٌة الوطنٌة الجزابرٌة لٌست معطى ثابتا بل بناء سٌاسً واجتماعً متواصل. ال ٌراد بذلن أنها مصطنعة بالمعنى السلبً، إنما هً، كما أوضح أندرسون فً حدٌثه عن الجماعات المتخٌلة، نتاج عملٌات سردٌة ومإسسٌة تنتمً من التارٌخ ما ٌخدم مشروعا سٌاسٌا بعٌنه. ولد كشؾ ماكدوؼال كٌؾ أن المومٌة الجزابرٌة كانت مشروعا سٌاسٌا انتمابٌا، حٌث أن تبنً الإسالم والعروبة أساسٌن حصرٌٌن للهوٌة لم ٌكن انعكاسا لوالع سوسٌولوجً بمدر ما كان لرارا سٌاسٌا اتخذه تٌار جمعٌة العلماء وكذا التٌار االستماللً الرادٌكالً (حركة انتصار الحرٌات الدٌممراطٌة)، لبل أن ٌفرض الحما خالل الثورة وبعد االستمالل (. ,2017 ,McDougall )pp. 188-220 ٌبدو لنا أن البنابٌة تتٌح فهم سإال جوهري وهو: لماذا اتخذ البعد الهوٌاتً الجزابري طابعا أحادٌا بدل أن ٌكون تعددٌا تكاملٌا؟ الإجابة تكمن فٌما ٌسمٌه وندت "ثمافة الفوضوٌة" المشكلة اجتماعٌا ( ,1999 ,Wendt 224-233 pp.). فانطاللا من هواجس حمٌمٌة بشؤن تماسن دولة ناشبة فً سٌاق ما بعد كولونٌالً، بنت النخبة الحاكمة بعد االستمالل هوٌة صلبة ترتكز على الإسالم والعروبة بوصفهما الألدر، كما تعتمد، على التعببة ضد االستعمار. ؼٌر أن هذا البناء استبعد البعد الأمازٌقً استبعادا منهجٌا، ال لقٌابه من النسٌج االجتماعً، بل ألن
إدراجه كان سٌعمد السردٌة الوحدوٌة المتبناة. وعبر عمود من التكرار المإسسً، فً المدرسة واإلعالم والدستور والخطاب السٌاسً، ترسخت هذه الصٌقة الأحادٌة حتى اكتسبت ما ٌسمٌه بوردٌو "بداهة المؤلوؾ" (axod)، فصار أي طرح تعددي ٌبدو تهدٌدا للنظام المابم ال إؼناء له. وهكذا، بنٌت الهوٌة الجزابرٌة الرسمٌة عبر عملٌة مزدوجة لوامها إدراج انتمابً لعناصر بعٌنها وإلصاء منظم لعناصر أخرى، وهً عملٌة بنابٌة بامتٌاز. الدعامة الثالثة هً النظرٌة ما بعد الكولونٌالٌة (Theory Post-colonial). ال تفهم إشكالٌة الهوٌة فً الجزابر دون استحضار البعد الكولونٌالً، لٌس بوصفه خلفٌة تارٌخٌة وحسب، بل بنٌة ممتدة الأثر فً الزمن. فكتابات فانون ( Fanon) عن التدمٌر النفسً للهوٌة وإعادة تشكلها فً خضم السٌرورة التحررٌة ال تزال تحتفظ براهنٌتها التحلٌلٌة. ومن هذا المنطلك، ٌمكن لراءة المسار الذي اتبعته السٌاسات الرسمٌة بعد االستمالل، حٌن مالت إلى تكرٌس صٌقة هوٌاتٌة مركزة وتؤجٌل االعتراؾ الكامل بالتعدد اللقوي، فً ضوء تحذٌرات فانون من احتمال أن تعٌد النخب الوطنٌة إنتاج بعض من منطك الهٌمنة الموروث عن الحمبة االستعمارٌة، وإن كان ذلن فً لالب وطنً جامع. ولد تب ّدت هذه المفارلة عبر تتابع تراتبٌات لقوٌة ورمزٌة متعالبة، إذ تعالبت أوزان النخب الفرنكفونٌة ثم المعربة فً حمول النفوذ السٌاسً والثمافً وااللتصادي، فٌما ظل المولع الأمازٌقوفونً محل توتر مزمن بٌن المطالبة باالعتراؾ وإٌماع االستجابة المإسسٌة البطًء. (Fanon، 1961، .pp 198-145) فً اعتمادنا، ٌكشؾ االلتراب ما بعد الكولونٌالً بعدا نادرا ما ٌطرح ٌتعلمبالطرٌمة التً ورث بها النظام الجزابري التصنٌفات االستعمارٌة ذاتها التً ٌدعو إلى مما ومتها. فمد صنؾ االستعمار الفرنسً الجزابرٌٌن إلى "بربر لابلٌن لالندماج" و"عرب متعصبٌن"، ورؼم رفض الحركة الوطنٌة لهذه التصنٌفات خطابٌا، إال أنها أعادت إنتاج منطمها بؤدوات مختلفة، حٌث بدل الثنابٌة االستعمارٌة (بربري/عربً) فرضت أحادٌة لومٌة (عربً-مسلم فحسب) ألصت كل ما ٌخرج عنها. وٌطرح بابا مفهوم "الهجنة الثمافٌة" ( Hybridity) الذي ٌفسر الوالع اللقوي الجزابري المتعدد، حٌث ٌتكلم المواطن العادي مزٌجا من عدة لقات (خصوصا الدارجة واألمازٌقٌة والعربٌة والفرنسٌة) بوصفه نتاجا طبٌعٌا لمسار تارٌخً طوٌل كانت المواجهة االستعمارٌة آخر فصوله، ال شذوذا ٌستوجب التصحٌح بسٌاسات لسرٌة (36-39 pp. ,1994 ,Bhabha). تستند الدراسة أٌضا إلى مفهوم أمارتٌا سن (neS، 2006) عن "وهم المدر الهوٌاتً" الذي ٌنتمد اختزال الأفراد فً هوٌة واحدة، وهو بالضبط ما ٌمارسه الخطاب الرسمً حٌن ٌفرض لالبا هوٌاتٌا موحدا متجاهال تماطعات أكثر تعمٌدا ( neS، 2006، .pp 17-1). وتستلهم كذلن مفهوم أركون (nuokrA، 1984) عن "الالمفكر فٌه" الذي ٌبٌن كٌؾ أن التعرٌؾ الرسمً لإلسالم ألصى أشكاال من التدٌن المحلً (كاإلباضٌة والصوفٌة) لصالح سنٌة رسمٌة مالكٌة ال تعكس التنوع الفعلً. لعل الجمع بٌن هذه المماربات، وهو ما أؼفلته الدراسات السابمة بشكل منهجً، ٌتٌح تجاوز المراءات االختزالٌة وفهم الدٌنامٌكٌة الدابرٌة التً تربط الأمننة بالعنؾ ثم بإعادة الأمننة. فهذه الدٌنامٌكٌة تبمى، فً تمدٌرنا، المحرن العمٌك ألزمة الأمن المومً الجزابري المزمنة. المنهجٌة : التموضع الإبستٌمولوجي، الخٌارات التحلٌلٌة، والحدود المنهجٌة تنتمً هذه الدراسة إلى المنعطف ما بعد الوضعً فً الدراسات الأمنٌة الذي أسسه كوكس بتمٌٌزه بٌن النظرٌة التفسٌرٌة والنظرٌة النمدٌة (Cox، 1981، .pp 130-128).لٌس الهدؾ هنا البحث عن حمٌمة نهابٌة واحدة حول العاللة بٌن الهوٌة واألمن، بل تفكٌن اآللٌات الخطابٌة والمإسسٌة التً أنتجت "أنظمة حمٌمة" متنافسة (بالمعنى الفوكوي) حول ما ٌشكل تهدٌدا ومن ٌملن شرعٌة تعرٌؾ الهوٌة الوطنٌة (Foucault، 1976، .pp 114-109). ؼٌر أن ما بعد الوضعٌة ال تعنً نسبوٌة مطلمة تسوي بٌن الرواٌات كلها،فالبناءات
االجتماعٌة حٌن تترسخ عبر عمود تكتسب كثافة أنطولوجٌة تجعلها بمنزلة ولابع صلبة، وهذا ما ٌسمٌه سٌرل "الولائع المإسسٌة" التً تمارس إكراها حمٌمٌا. (Searle، 1995، .pp 29-27) هنان توتر إبستٌمولوجً منتج بٌن الدعامات النظرٌة الثالث، إذ تنطلك مدرسة كوبنهاؼن من تملٌد أوروبً ٌمٌل إلى التعمٌم وٌفترض ضمنا كونٌة مفاهٌمه، فٌما تشكن النظرٌة ما بعد الكولونٌالٌة فً هذه الكونٌة ذاتها (615-622 pp. ,2010 ,Bilgin). ومن هنا ٌطرح سإال نظري وجٌه: هل ٌصلح مفهوم الفعل الخطابً، بصٌاؼته المنبثمة من سٌاق دٌممراطٌات أوروبٌة، لتحلٌل سٌالات ذات طبٌعة سلطوٌة كالسٌاق الجزابري؟ فً تمدٌرنا، ال تكمن الإجابة فً رفض المفهوم بل فً تكٌٌفه مع خصوصٌات الحالة محل الدراسة، إذ أن الأمننة فً السٌالات ؼٌر التعددٌة ال تشتقل وفك منطك التعببة الجماهٌرٌة الواسعة بمدر ما تستند إلى منطك التبرٌر، حٌث ٌتراجع الجمهور العام وٌحضر جمهور نخبوي محدود ٌضم الفاعلٌن فً المرار والشركاء الإللٌمٌٌن والدولٌٌن. ولد حاولنا التعامل مع مولع الباحث المنقمس فً موضوع بحثه عبر ما تسمٌه هاردٌنػ "الموضوعٌة الموٌة"، أي جعل مولع الباحث ذاته موضوعا للتؤمل المنهجً. ( pp. ,1991 ,Harding )138-163 تعتمد الدراسة منهجا نوعٌا ٌرتكز على تحلٌل المضمون النمدي لثالثة أصناؾ من النصوص: أولا، النصوص الدستورٌة والمانونٌة (دساتٌر 1963 و 1976 و 1989 و 1996 و 2016 و 2020، ولانون التعرٌب 05-91). ثانٌا، الخطابات الرسمٌة للفاعلٌن السٌاسٌٌن. ثالثا، أدبٌات الحركات الهوٌاتٌة (أرضٌة ٌاكوران 1980، أرضٌة المصر 2001، بٌانات الجبهة الإسالمٌة لإلنماذ، بٌانات حركة المان االنفصالٌة). كما ٌمرن تحلٌل المضمون بالمنهج التارٌخً لتتبع تطور إدار ة الهوٌة عبر الزمن، و بمبدأ التثلٌث(Triangulation) حٌثما أمكن ذلن. ال بد من االعتراؾ بوجود لٌود تتمثل فً تحٌز لقوي بنٌوي لصالح المصادر الفرنكوفونٌة واالنجلوفونٌة، وصعوبة الوصول إلى أرشٌؾ الدولة خاصة ما ٌتعلك بعمد التسعٌنٌات، وتحٌزات ال واعٌة مرتبطة بمولع الباحث ضمن الحمل الهوٌاتً ذاته. ؼٌاب البعد المٌدانً (ممابالت واستبٌانات) ٌمثل كذلن لٌدا حمٌمٌا، وإن حاولنا تعوٌضه جزبٌا باالستعانة بشهادات وتصرٌحات منشورة لفاعلٌن سٌاسٌٌن واجتماعٌٌن.
ٌمتضً فهم الحاضر الهوٌاتً الجزابري الحفر فً طبماته التارٌخٌة المتراكمة، ال بوصفها تتالٌا خطٌا بسٌطا، بل بنٌة متشابكة كل طبمة منها فاعلة فً تشكٌل المر ّكب المابم الٌوم. ونعرض فً ما ٌلً هذه الطبمات وفك منطك كرونولوجً-تحلٌلً: من العمك الأنثروبولوجً الأمازٌقً لاعدة أصلٌة، إلى تش ّكل الطبمة العربٌة- الإسالمٌة عبر سٌرورة طوٌلة الأمد متعددة المنوات، فالموجة الأندلسٌة المتزامنة مع العهد العثمانً والتً أعادت تشكٌل الفضاء الحضري إدارٌا وثمافٌا، ووصوال إلى الفترة الكولونٌالٌة التً ر ّسخت تصنٌفات إثنٌة حدٌثة ال تزال تبعاتها فاعلة. وٌُس ّوغ هذه المراءة الموسعة منهجٌا أن كل طبمة من هذه الطبمات ال تمحو سابمتها بل تتراكم فولها، فؤنتجت فً النهاٌة فسٌفساء لقوٌة وثمافٌة ال ينختزل فً أي ثنابٌة مبسطة.
تمثل الثمافات العاترٌة(نحو 000,000-100,30 ق.م)، واإلٌبٌرومو ِرسٌةأو الوهرانٌة ( 000,-22 000,10 ق.م)، والمفصٌة ( 000,000-10,6 ق.م)، مراحل متعالبة من تك ّون الإنسان الشمال-أفرٌمً المدٌممثلما تشهد علٌه الدراسات الأركٌولوجٌة واألنثروبولوجٌة (Camps، 1995، .pp 78-35).وفً العصور المدٌمة، تش ّكلت الممالن اللٌبٌة بوصفها بناءات سٌاسٌة من ّظمة ذات استماللٌة فً المجال الإفرٌمً- المتوسطً. فمملكة ماسٌسٌلٌا ؼربا بمٌادة سٌفاكس، ومملكة ماسٌلٌا شرلا بمٌادة ؼاٌا، اندمجتا فً المرن الثانً لبل
المٌالد فً مملكة نومٌدٌا الموحدة التً بلقت ذروتها مع ماسٌنٌسا ( 148-203 ق.م). ولد تفاعلت النخب الأمازٌقٌة المدٌمة مع اللقات والثمافات الوافدة دون أن تنصهر فٌها انصهارا تاما، إذ تعاملت انتمابٌا مع الإؼرٌمٌة والبونٌة ثم الالتٌنٌة فً حمول الإدارة والتجارة والعلم، فٌما حافظت على لقتها الأصلٌة فً الفضاء الشعبً والشعابري مثلما تشهد علٌه النمابش الأثرٌة المزدوجة (لٌبٌة-إؼرٌمٌة، لٌبٌة-بونٌة، لٌبٌة-التنٌة)، ناهٌن عن النمابش اللٌبٌةالمتنوعة.وتمثل الكتابة اللٌبٌة-البربرٌة بؤبجدٌتها،التً تعد من ألدم أنظمة الكتابة فً المارة الأفرٌمٌة، الجذر المباشر لتٌفٌناغ الذي بمً مستعمال لدى التوارق وفً مسار إعادة االعتبارللقة الأمازٌقٌة المعاصرة. ومع دخول الإسالم، لم تنطفا الدٌنامٌكٌة الأمازٌقٌة بل تواصلت فً صٌقة مقاٌرة، إذ أنتجت لرون ما بعد الفتح عددا من السالالت والممالن البربرٌة الإسالمٌة. فالدولة الرستمٌة فً تاهرت بإمامتها الإباضٌة (909-777)، ثم الدولتان الزٌرٌة والحمادٌة بٌن أشٌر وللعة بنً حماد وبجاٌة ( 1152-973)، فالدولتان المرابطٌة (1147-1040) والموحدٌة ( 1269-1121)، وصوال إلى الدولتٌن الحفصٌة (1574-1229) والزٌانٌةبتلمسان (1238-1554)، شكلت سلسلة من البناءات السٌاسٌة الأمازٌقٌة التً نسجت تحالفا تارٌخٌا بٌن االنتماء الإثنً الأمازٌقً والمشروع الحضاري الإسالمً. وفً هذا تكمن مفارلة الفتة، إذ أن أكبر مشارٌع توحٌد المقرب الإسالمً التً أنجزتها الممالٌن البربرٌة رسخت فً الولت ذاته المرجعٌة العربٌة-الإسالمٌة فً الفضاء العام، وهو ما ٌُعمّد كل لراءة تختزل العاللة بٌن الأمازٌقٌة والعربٌة-الإسالمٌة فً ثنابٌة تنازعٌة بسٌطة (iuoraL، 1970، .pp 160-130).
تش ّكلت الطبمة الثمافٌة العربٌة-الإسالمٌة عبر سٌرورة طوٌلة الأمد متعددة المنوات، بدأت مع الفتح الإسالمً فً المرن السابع المٌالدي، ولم تستمر فً صٌقتها الناضجة إال بعد لرون من التراكم البطًء. ففً العهدٌن الفاطمً والزٌري ثم الحمادي، تك ّونت نواة حضرٌة مع ّربة فً المدن الساحلٌة والداخلٌة الكبرى، إلى جانب نخبة علمٌة حملت اللقة العربٌة بوصفها لقة العلم والشرٌعة واإلدارة. ؼٌر أن المحرن الحاسم للتحول اللقوي العمٌك كان الموجة الهاللٌة فً منتصؾ المرن الحادي عشر، التً أنتجت موجة استعرابفً السهول والهضاب انخرطت فٌها المجتمعات الأمازٌقٌة المحلٌة ذاتها (Camps، 1995، .pp 160-145؛ iuoraL، 1970، .pp 172-155). ومن أهم المنوات التً ٌُقفل عن تناولها فً بعض المراءات الحدٌثة، شبكة الزواٌا والطرق الصوفٌة التً تو ّسعت بعد المرن الثالث عشر المٌالدي وأ ّدت دورا جوهرٌا فً استكمال أسلمة الأرٌاؾ الأمازٌقٌة، واإلسهام فً التعرٌب البطًء عبر التعلٌم الدٌنً وحفظ المرآن وتداول المتون الفمهٌة باللقة العربٌة، فكانت لنوات اجتماعٌة-روحٌة ٌتجاوز تؤثٌرها امتداد الإدارة المركزٌة. وبتظافر هذه السٌرورات الثمافٌة المدٌدة مع التحول اللقوي الذي أحدثته الموجة الهاللٌة، استم ّرت الطبمة العربٌة-الإسالمٌة فً صٌقتها الناضجة بحلول أواخر العصر الوسٌط بوصفها مك ّونا حضارٌا متجذّرا فً النسٌج االجتماعً الجزابري، ال طبمة عابرة فُرضت من خارج (سعد هللا، 1998، الجزء الأول، ص ص 210-145).
وال تكتمل لراءة الطبمات التارٌخٌة للهوٌة الجزابرٌة دون استحضار الموجة الأندلسٌة التً امتدت بٌن المرنٌن الثانً عشر والسابع عشر المٌالدٌٌن، وبلقت ذروتها مع سموط ؼرناطة سنة 1492، ثم مرسوم الطرد الإسبانً للمورٌسكٌٌن بٌن سنتً 1609 و.1614 ففً هذه المرون الخمسة، نزح إلى المقرب الأوسط مبات اآلالؾ من المه َّجرٌن، استمر جزء معتبر منهم على الساحل الجزابري وفً مدنه الكبرى، حٌث طبعوا الفضاء
الحضري بطابع متمٌز ظل ملموسا إلى الٌوم. فمد نملوا تمنٌات فً الفالحة المروٌة وتربٌة الحرٌر وصناعات النسٌج والجلد والصناعة الحربٌة البحرٌة كانت لها انعكاسات التصادٌة ممتدة على الإٌالة الجزابرٌة فً حمبتها العثمانٌة (رزوق، 1989، ص ص 156-87). ومن الناحٌة اللقوٌة، ع ّززت هذه الموجة اللهجات العربٌة الحضرٌة فً المراكز الساحلٌة، ومٌّزتها عن البنٌة اللهجٌة البدوٌة ذات الجذور الهاللٌة السابدة فً الأرٌاؾ، فؤنتجت تنوعا داخلٌا فً الدارجة الجزابرٌة ال ٌُف َّسر دون استحضار هذا الرافد. وإن كانت ألل وزنا دٌمقرافٌا من المك ّون الأمازٌقً، إال أن هذه الطبمة الأندلسٌة التً تعادل المكون العربً الهاللً أو ربما تتجاوزه، تظل عنصرا تفسٌرٌا جوهرٌا لجانب من التماٌزات الجهوٌة واللهجٌة فً الجزابر المعاصرة، وألنماط من الذوق الجمالً والذاكرة الحضرٌة ما كان لها أن تتش ّكل دونها (سعد هللا، 1998، الجزء الثانً، ص ص 125-78).
ولد تزامنت ذروة الموجة الأندلسٌة مع العهد العثمانً ( 1830-1518) الذي أضاؾ بدوره طبمتٌن متماٌزتٌن على المستوٌٌن المإسسً واإلداري. فعلى المستوى المإسسً، تك ّونت فً المدن طبمة من العلماء والمضاة والكتّاب، وانتظمت المساجد والمدارس وفك نمط أ ُ سسً ٌربط التعلٌم باألدب الفمهً العربً، فٌما حافظت إٌالة الجزابر العثمانٌة على تعدد لقوي ملحوظ فً الفضاء الإداري (التركٌة والعربٌة واللٌنقوا فرانكا المتوسطٌة) دون أن ٌُختزل فً صٌقة لومٌة واحدة. وعلى المستوى السٌاسً-المحلً، اعتمدت السلطة المركزٌة منظومة تصنٌفٌة مرنة إلدارة المبابل، لامت على ما ٌُعرؾ بسٌاسة فرق-تسد، التً لم تكن ولٌدة تخطٌط مرسوم بمدر ما كانت تكٌّفا بنٌوٌا مع تعمٌد التضارٌس واألنساق االجتماعٌة. فمد ل ّسمت الإٌالة البالد إلى لبابل المخزن ُ الموالٌة التً أعفٌت من الجباٌة لماء خدمات عسكرٌة وإدارٌة، ولبابل الرعٌة المعارضة التً تخضع للجباٌة، ولبابل المخالفٌن أو ما ُعرؾ بمبابل السٌبة المستملة التً تحتفظ بهامش حكم ذاتً فً المناطك الجبلٌة والصحراوٌة. ولد أنتجت هذه التراتبٌة الإدارٌة تماٌزات عمٌمة الأثر فً النسٌج االجتماعً، ؼذّت فً المدى البعٌد توترات بٌن الجهات والمبابل ستجد امتدادها الحما فً المراءات الكولونٌالٌة للفسٌفساء االجتماعٌة، إذ استثمر االستعمار الفرنسً بعض هذه التماٌزات الموروثة بدل خلمها من العدم، وهو ما ٌُعمّد التصور الأحادي لما درجنا على تسمٌته "الخدعة الكولونٌالٌة" (سعد هللا، 1998، الجزء الثانً، ص ص 265-220). .5 االستعمار الفرنسً والخدعة الكولونٌالٌة: التصنٌفات الإثنٌة وتبعاتها الطوٌلة وظؾ االستعمار الفرنسً ( 1962-1830) التصنٌفات الإثنٌة أداة لضرب وحدة المجتمع الجزابري. فمد وثمت لورسان (Lorcin) كٌؾ بنى الباحثون الكولونٌالٌون تراتبٌة عرلٌة تصور المتحدثٌن بالبربرٌة (الذٌن تم تصنٌفهم بربرا)، ال سٌما سكان منطمة المبابل، على أنهم ألرب لالندماج الأوروبً، بٌنما صور المتحدثون بالدارجة (الذٌن تم تصنٌفهم عربا) على أنهم متعصبون. وبقض النظر عن عدم صحة هذه التصنٌفات وعدم دلتهالكون التحدث بإحدى اللقتٌن ال ٌعنً االنتماء حتما إلى عرق معٌن، كما ال ٌعنً لبول الإندماج أو رفضه، فإن المفارلة تكمن فً أن المتحدثٌن بالبربرٌة أنفسهم كانوا من أشد المماومٌن فً تلن الفترة، حٌث أن ثورة الممرانً والحداد سنة 1871 مثال ضمت 250 لبٌلة (Lorcin، 1995، .pp 155-118). والمشكلة أن هذه التصنٌفات سممت النماش الهوٌاتً بعد االستمالل، فكلما طالب ناشطون أمازٌقٌون بحموق لقوٌة وثمافٌة واجهوا تهمة مفادها أنهم نتاج المخططات االستعمارٌة. ولد تبلور هذا االتهام أول مرة فً أزمة 1949 داخل حركة االنتصار من أجل الحرٌات الدٌممراطٌة حٌن جرى تطهٌر مناضلٌن طرحوا تحدٌا للتعرٌؾ الحصري للهوٌة بتهمة "البربرٌة"، رؼم كونهم من أشد المناهضٌن للنظام الكولونٌالً والداعٌن إلى الكفاح المسلح ضده ولم ٌطالبوا بؤي شكل من التمسٌم. وهنا ٌتجلى البعد ما بعد الكولونٌالً بوضوح،فالنظام الجدٌد أعاد توظٌؾ منطك االستعمار (التخوٌن على أساس االنتماء الإثنً) لكن بؤدوات وطنٌة. (Harbi، 1980، .pp 56-37)
ثانٌا:التٌارات الهوٌاتٌة الكبرى فً الجزائر المعاصرة: من تشكل الخطاب إلى منطك الأمننة تتبعنا فً المسم السابك الطبمات التارٌخٌة الكبرى التً تراكمت لينش ّكل المركب الهوٌاتً الجزابري. ؼٌر أن االنتمال من هذا التراكم البطًء إلى الفعل السٌاسً الراهن ٌستدعً سإاال مقاٌرا: كٌؾ تح ّولت هذه الطبمات، فً الزمن المعاصر، إلى تٌارات هوٌاتٌة حٌّة ذات مشارٌع سٌاسٌة وأطر تعبوٌة ومآالت أمنٌة ملموسة؟ ينشٌر لراءتنا إلى أن ثالثة تٌارات كبرى استؤثرت بالحمل الهوٌاتً السٌاسً الجزابري منذ االستمالل، انخرط كل منها فً عاللة جدلٌة مع الدولة من جهة، ومع التٌارات الأخرى من جهة ثانٌة: تٌار العروبة المومٌة الذي تشابن عضوٌا مع سٌاسة التعرٌب الرسمٌة فؤحدث تحوالت عمٌمة فً الخطاب الرسمً وانعكاسات اجتماعٌة-التصادٌة مباشرة، والتٌار الإسالمً السٌاسً الذي مر بتحول حاد من التعببة االنتخابٌة إلى العنؾ المسلح فً تجربة العشرٌة السوداء، والحركة الأمازٌقٌة التً انتملت بصورة تدرٌجٌة من المطالب الثمافٌة إلى الرادٌكالٌة السٌاسٌة فاألمننة المضادة لسٌاسات التعرٌب. ونعالج فً ما ٌلً كل تٌار من هذه التٌارات بمنطك ثالثً الأبعاد، نفحص فٌه منشؤه التارٌخً-الأٌدٌولوجً ومسار تطوره السٌاسً وانعكاساته الأمنٌة المباشرة وؼٌر المباشرة. وما ٌُس ّوغ هذا التتبع الموازي للتٌارات الثالثة منهجٌا، هو أن فهم المعضلة الكبرى لألمننة الهوٌاتٌة المتبادلة، التً نخصص لها لراءة تركٌبٌة فً المسم الخامس، ٌستلزم بالضرورة فهم منطك كل تٌار فً ذاته أولا، لبل االنتمال إلى تفاعالته مع ؼٌره. ذلن أن جدلٌة الفعل والفعل المضاد، بطبٌعتها، ال ينفهم إال حٌن ٌُفهم كل طرؾ فٌها لبل أن ينفهم العاللة بٌن الأطراؾ.
تتشابن فً الجزابر ما بعد االستمالل آٌدٌولوجٌا العروبة المومٌة مع سٌاسة التعرٌب الرسمٌة تشابكا عضوٌا، إذ شكلت الأولى الإطار الفكري الذي تبلورت فٌه الثانٌة بوصفها أداة عملٌة إلعادة هندسة الفضاء العام. ومن ثم، ٌمتضً التحلٌل المنهجً معالجتهما فً حمل واحد، تتف ّرع فٌه لراءة سٌاسة التعرٌب وانعكاساتها الأمنٌة المباشرة عن لراءة التٌار العروبً المومً بوصفه فضاء أٌدٌولوجٌا أوسع، له تحوالته وامتداداته السٌاسٌة وانعكاساته على إدارة المسؤلة الهوٌاتٌة.
هنان تمٌٌز جوهري بٌن العربٌة كلقة حاضرة فً شمال أفرٌمٌا منذ لرون طوٌلة، تبناها الأمازٌػ بعد اسالمهم، والعروبة كؤٌدٌولوجٌا لومٌة حدٌثة نشؤت فً المشرق ردا على سٌاسات التترٌن العثمانٌة (الحصري، 1959، ص ص 78-45). أما انتمالها إلى السٌاق الجزابري، الذي تم بداٌة عبر جمعٌة العلماء ( 1931) ثم بفعل التؤثٌرات الناصرٌة والبعثٌة، فمد أنتج صٌقة محلٌة ربطت العروبة باإلسالم ربطا عضوٌا فً ثالثٌة ابن بادٌس الشهٌرة (سعد هللا، 1992، ص ص 245-210). وفً حمبة بومدٌن، التمت العروبة باالشتراكٌة والتحررٌة، لكن النظام، كما كشؾ ستورا، مارس فعلٌا سٌاسة برؼماتٌة تحافظ على الفرنسٌة فً الموالع االلتصادٌة المفصلٌة. (11-40 pp. ,1991 ,Stora) وهنان بعد بنٌوي ٌستحك التولؾ عنده، ٌتمثل فً العاللة المركبة بٌن الخطاب العروبً الرسمً والممارسة الفعلٌة للنخب الإدارٌة وااللتصادٌة فً مرحلة ما بعد االستمالل. فمد الحظ تلمسانً أن شرٌحة واسعة من النخب التً تبنّت خطاب التعرٌب على المستوى الرسمً ظلت، فً تكوٌنها التعلٌمً وممارساتها الٌومٌة، ألرب إلى الفضاء الفرنكفونً، مما أنتج فجوة ملحوظة بٌن الخطاب المعلن والممارسة الإدارٌة وااللتصادٌة المعتمدة (89-118 pp. ,1986 ,aniTlem). وٌذهب عدي إلى أن العروبة كؤٌدٌولوجٌا رسمٌة لم تكن تعبٌرا عن هوٌة ناجزة لدى النخب الحاكمة بمدر ما كانت آلٌة إلدارة حمل المنافسة السٌاسٌة وضبط شروط الشرعٌة فٌه ( 142-168 pp. ,1995 ,Addi). وٌمكن تبعا لذلن استحضار لراءة طولٌة تذهب إلى أن
المومٌة العربٌة فً الجزابر مرت بثالث مراحل: إصالحٌة-دٌنٌة مع جمعٌة العلماء، وثورٌة-اشتراكٌة مع حمبة بومدٌن، ثم إسالمٌة-شعبوٌة بعد تراجع المشروع االشتراكً. ؼٌر أن الثابت عبر هذه التحوالت هو أن العروبة الرسمٌة اشتقلت فً القالب أداة إلدارة حدود الشرعٌة السٌاسٌة، أكثر منها مشروعا متكامال إلدماج التعدد الفعلً للمجتمع.
انطلك مشروع التعرٌب بعد االستمالل كمسعى تحرري لمحو اآلثار الثمافٌة لالستعمار، فكرس برنامج طرابلس (1962) الهوٌة العربٌة-الإسالمٌة دون أي إشارة لألمازٌقٌة. وتحت حكم بومدٌن تسارعت العملٌة، حٌث فرضت العربٌة فً الإدارة والمضاء بحلول 1968، وعرب التعلٌم االبتدابً ابتداء من 1971، وكرس المٌثاق الوطنً 1976 الهوٌة الحصرٌة. ولعل المرار الأخطر كان استمدام آالؾ المعلمٌن من المشرق (كثٌر منهم مرتبطون باإلخوان المسلمٌن أو بالبعث) لتنفٌذ التعرٌب، حٌث كانت النتٌجة تعرٌب لقوي نالص وتسرب أٌدٌولوجً عمٌك زرع بذور الإسالم السٌاسً والمومٌة فً المدرسة الجزابرٌة. وهنان بعد بنٌوي ال ٌطرح بما ٌكفً، ٌتمثل فً كون التعرٌب لم ٌكن سٌاسة لقوٌة فحسب، بل سٌاسة طبمٌة والتصادٌة كذلن. فمد أنتج نخبة معربة لم تجد لنفسها مولعا متكافبا فً سوق عمل بمً الفضاء الفرنكفونً مهٌمنا فً كثٌر من لطاعاته الحدٌثة، وهو ما حولها إلى لاعدة اجتماعٌة جاهزة للتعببة. وٌذهب عدي إلى أن الإسالم السٌاسً ورث البنى التعبوٌة للمومٌة العربٌة بعد تراجع مشروعها ( 1-25 pp. ,2017 ,Addi). أما لانون التعرٌب لعام 1991 فؤفرز ثالثة شروخ متزامنة: بٌن النخبة الفرنكفونٌة والجماهٌر المعربة، وبٌن الأمازٌقوفونٌٌن والمإسسات الرسمٌة، وبٌن الخرٌجٌن المعربٌن الباحثٌن عن فرص والمناصب االلتصادٌة التً ظلت فً ؼالبها فرنكفونٌة التكوٌن ( 91-130 pp. ,1983 ,Grandguillaume). وبالنتٌجة، لم ٌحمك التعرٌب التوحٌد المؤمول، بمدر ما أنتج تمسٌمات لم ٌتولعها مهندسوه.
لم تؤت انتفاضة أكتوبر 1988 من فراغ. فاالنهٌار االلتصادي الناجم عن تراجع أسعار النفط سنة 1986، فً بلد رٌعً تمثل فٌه المحرولات أكثر من 95% من الصادرات، ألمى بمالٌٌن الشباب فً فراغ التصادي وهوٌاتً مزدوج. واالنتفاضة التً راح ضحٌتها مبات الأشخاص أسمطت احتكار جبهة التحرٌر الوطنً، وفتح دستور 1989 الباب أمام التعددٌة (Bennoune، 1988، .pp 70-35). وفجؤة مألت الجبهة الإسالمٌة لإلنماذ هذا الفراغ بخطاب هوٌاتً، حٌث صاؼت الصراع مواجهة بٌن الهوٌة العربٌة-الإسالمٌة "الأصٌلة" والنخبة "الفرنكوفونٌة المقتربة"، وكان عباسً مدنً ٌمول بؤن المعركة لٌست سٌاسٌة بل "معركة هوٌة ووجود"، وهو تؤطٌر أمننوي كاشؾ. ولم ٌكن فوز الجبهة بالمجالس البلدٌة سنة 1990 ثم بالجولة الأولى من تشرٌعٌات 1991 انتصارا للمشروع الإسالمً فحسب، بل تصوٌتا عمابٌا ضد النموذج الهوٌاتً وااللتصادي الذي فرضته الدولة. (Carlier، 1995، .pp 310-275) أما العشرٌة السوداء ( 2002-1992)، التً خلفت -وفك تمدٌرات متباٌنة- ما بٌن 000,100 و000,200 لتٌل، فمد كشفت عن تعمٌد داخلً هابل ضمن التٌار الإسالمً نفسه( pp. ,2017 ,McDougall 302-303). فبٌن الجٌش الإسالمً لإلنماذ الذي اختار ولؾ إطالق النار سنة 1997، والجماعة الإسالمٌة المسلحة المسإولة عن مجازر شنٌعة والمتبنٌة لمنهج التكفٌر الشامل، والجماعة السلفٌة للدعوة والمتال المنشمة
رفضا الستهداؾ المدنٌٌن، هنان هوة ال ٌمكن التقاضً عنها. ولد حلل مارتٌنٌز النزاع عبر االلتصاد السٌاسً كاشفا كٌؾ أصبح العنؾ ذاتً االستدامة( 201-250 pp. ,1998 ,Martinez). فٌما ٌمدم روبرتس لراءة تذهب إلى أن تولٌؾ المسار االنتخابً اتُّخذ فً حٌنه استجابة لمتطلبات الحفاظ على االستمرار، ؼٌر أنه أفضى عملٌا إلى تؤجٌل بناء لنوات تمثٌل سٌاسً لادرة على استٌعاب التحوالت االجتماعٌة الكبرى التً عرفتها مرحلة ما بعد أكتوبر 1988(1-35 pp. ,2003 ,Roberts). أما تحول الجماعة السلفٌة سنة 2007 إلى تنظٌم الماعدة فً بالد المقرب الإسالمً، فمد أدمج الأزمة الجزابرٌة فً المنظومة الجهادٌة العالمٌة، وأثبت أن أمننة الهوٌة ال تبمى حبٌسة الحدود الوطنٌة.
كان الربٌع الأمازٌقً فً أفرٌل 1980 بمثابة اللحظة التؤسٌسٌة، حٌث منعت السلطات محاضرة للكاتب مولود معمري فً جامعة تٌزي وزو، فاندلعت احتجاجات واسعة لوبلت بالممع. وعلى إثر ذلن تؤسست الحركة الثمافٌة البربرٌة وصار 20 أفرٌل رمزا ٌحتفل به سنوٌا. كانت المطالب ثمافٌة ولقوٌة فً جوهرها وتتلخص أساسا فً االعتراؾ باألمازٌقٌة لقة وطنٌة، لكن استجابة النظام بالممع حولت مطالب مشروعة إلى صراع سٌاسً مفتوح (Chaker، 1989، .pp 78-45). أما الربٌع الأسود سنة 2001 فكان أعنؾ وأوسع، حٌث أن ممتل الشاب ماسٌنٌسا لرماح أشعل احتجاجات أسفرت عن 126 لتٌال على الألل، وأنتجت الأزمة حركة العروش وأرضٌة المصر بمطالب سٌاسٌة والتصادٌة تتجاوز البعد الثمافً (Maddy-Weitzman، 2011، .pp 165-130). وبعد ذلن، جاء االعتراؾ الدستوري تدرٌجٌا: 2002 (لقة وطنٌة)، 2016 (لقة رسمٌة)، 2020 (الإحالة إلى لانون عضوي لم ٌصدر بعد)، ؼٌر أن الفجوة بٌن النص والتطبٌك ظلت واسعة.
تمع دراسات كثٌرة فً مقالطة التجانس حٌن تتعامل مع الأمازٌقوفونٌٌن ككتلة واحدة. فالمبابلٌون هم الأكثر تسٌٌسا بفعل عوامل بنٌوٌة وثمها شاكر: الكثافة السكانٌة، والتمدرس المبكر، والهجرة نحو فرنسا، وإرث المماومة والنضال الوطنً ال سٌما فً الوالٌة التارٌخٌة الثالثة (Chaker، 1998، .pp 58-31). والشاوٌة فً الأوراس ٌمدمون نموذجا مقاٌرا: رأسمال ثوري هابل بوصؾ منطمتهم مهد الثورة (الوالٌة التارٌخٌة الأولى)، لكن بتعببة هوٌاتٌة ألل حدة، ربما ألن العاللة بٌن الأمازٌقٌة والهوٌة الوطنٌة اتخذت لدٌهم مسارا تكاملٌا أكثر منه تصادمٌا (Camps، 1995، .pp 230-215). أما التوارق فٌطرحون إشكالٌة جٌوسٌاسٌة بامتدادهم عبر خمس دول وبؤولوٌات موجهة نحو التنمٌة والحدود أكثر من المطالب اللقوٌة (-Claudot dawaH، 2002، .pp 45-23). وأما المزابٌون فٌتمٌزون بخصوصٌة مركبة: متقٌرة لسانٌة أمازٌقٌة ومذهب إباضً وتمالٌد تجارٌة راسخة. ولد كشفت أحداث العنؾ فً ؼرداٌة ( 2015-2013) عن هشاشة بنٌوٌة حٌن ٌتماطع التماٌز الإثنً مع االنمسام المذهبً والتنافس االلتصادي (Gheras، 2015، .pp -151 172). فالمطلب الأمازٌقً إذن ال ٌمتصر على طرح أو معطى واحد، وإنما هو طٌؾ واسع من المعطٌات واإلنشقاالت التً تستعصً على أي مماربة مبسطة.
تجسد حركة المان االنزالق الألصى إلشكالٌة االنعزال الجهوي والهوٌاتً نحو تهدٌد أمنً مباشر. فمد تؤسست فً سٌاق أحداث الربٌع الأسود 2001 مستقلة تلن المؤساة وما خلفته من ضحاٌا وصدمة جماعٌة، ثم انتملت من المطالبة بالحكم الذاتً إلى الدعوة الصرٌحة لالنفصال. وما ٌمٌز خطاب المان وٌفصله بنٌوٌا عن الحركة الأمازٌقٌة التارٌخٌة وٌتعارض معها هو ادعاء هوٌة جهوٌة لبابلٌة حصرٌة ٌتم تمدٌمها كهوٌة لومٌة مستملة. ولد بٌن أوصدٌك أن هذا البناء ٌموم على انتماء تارٌخً مزدوج ٌموم على تضخٌم عناصر التماٌز
وتملٌص عناصر االنتماء المشترن (kidessuO، 2018، .pp 215-197). والوالع أن لادة تارٌخٌٌن من المنطمة ذاتها -كحسٌن آٌت أحمد- ونشطاء فً الحركة الأمازٌقٌة رفضوا هذا الطرح بشدة ونددوا به صراحة. صنفت الحركة منظمة إرهابٌة فً ماي 2021 بالتزامن مع حركة رشاد، وهو تزامن ٌحمل داللة سٌاسٌة. ورؼم أن لدرتها العملٌاتٌة محدودة ونشاطها ٌتمركز فً الفضاء الرلمً وفً المهجر، إال أن خطورتها تكمن، كما الحظ ٌحٌى زبٌر، فً بعدٌن: أثرها الرمزي فً تقذٌة السردٌة االنفصالٌة وتوفٌر ذخٌرة خطابٌة لد ٌوظفها النظام ألمننة المطالب الأمازٌقٌة المشروعة جمٌعها، وعاللات مإسسها الخارجٌة ال سٌما زٌارته للكٌان الصهٌونً (Zoubir، 2016، .pp 167-145). والمحصلة أن المضٌة الأمازٌقٌة لد تجد نفسها، نتٌجة الخلط واالرتبان المحتملٌن، محاصرة بٌن مطرلة توجس الدولة منها وسندان المان الذي تخلى عنها وعن طابعها الوطنً وتبنى طرحا جهوٌا إنفصالٌا خطٌرا.
تمحور التحلٌل حتى هذه المرحلة حول الأبعاد الخطابٌة والمإسسٌة لإلشكالٌة الهوٌاتٌة، أي كٌؾ تبنى السردٌات، وكٌؾ توظؾ الأمننة، وكٌؾ ٌعاد إنتاج الإلصاء عبر الدساتٌر والمنظومة التعلٌمٌة. ؼٌر أن االلتصار على هذا المستوى ٌحجب طبمة أعمك. فالصراع الهوٌاتً ال ٌتقذى من الخطابات وحدها بل ٌستند إلى بنى مادٌة صلبة، رٌعٌة والتصادٌة وجٌوسٌاسٌة، تمنحه دٌمومته وتوسع مداه. ٌبدو لنا أن فهم هذه البنى ٌمتضً التولؾ عند بعدٌن مترابطٌن ٌتمثالن فً التصاد الهوٌة، أي الطرٌمة التً ٌتماطع فٌها التهمٌش المادي مع الشعور باإللصاء الثمافً واللقوي داخلٌا، ثم فً االمتدادات العابرة للحدود حٌث تتحول الهوٌة من مسؤلة داخلٌة إلى متقٌر جٌوسٌاسً ذي تداعٌات أمنٌة مباشرة.
ال ٌمكننا الجزم بفهم الإشكالٌة الهوٌاتٌة فً الجزابر دون استحضار بعدها االلتصادي الذي ظل مهمشا فً التحلٌل. فالبنٌة الرٌعٌة، حٌث تشكل المحرولات أكثر من 95% من الصادرات ونحو 60% من إٌرادات المٌزانٌة، أنتجت نمطا محددا من إدارة التعدد ٌتمظهر فً دولة تشتري السلم االجتماعً عبر الإنفاق العام بدل معالجة التوترات البنٌوٌة. وحٌن تنهار أسعار النفط، كما فً 1986 و2016-2014، تتبخر هذه المدرة الشرابٌة وتنفجر المطالب المكبوتة. لعل أبرز ما ٌكشفه التحلٌل االلتصادي أن التهمٌش المادي لٌس موزعا بالتساوي بٌن المناطك. فمنطمة المبابل مثال، رؼم كونها من أكثر المناطك كثافة سكانٌة وتعلٌما، عانت من ضعؾ فً البنٌة التحتٌة الصناعٌة ممارنة بمناطك أخرى، وهذا عزز لدى سكانها الإحساس بؤن التهمٌش لٌس مجرد إلصاء ثمافً-لقوي بل حرمان التصادي ممنهج. ولهذا، نجد أرضٌة المصر ( 2001) تضمنت بوضوح مطالب التصادٌة إلى جانب الثمافٌة، وهو ما ٌإكد ذلن التماطع. المناطك الجنوبٌة كذلن، حٌث ٌستخرج النفط والقاز، تشهد تنالضا واضحا بٌن الثروة المستخرجة من أرضها ومإشرات التنمٌة المحلٌة المتواضعة، وهو ما ٌقذي شعورا بالظلم لدى السكان بمن فٌهم التوارق. فالصراع الهوٌاتً ٌتماطع إذن عضوٌا مع جقرافٌا الحرمان االلتصادي، والمماربات التً تفصل بٌن البعدٌن محكومة بمراءة مبتورة.
تعد المسؤلة التارلٌة الدٌنامٌكٌة الأخطر فً البعد العابر للحدود. فإدارة الجزابر لمواطنٌها التوارق عبر التنمٌة واالحتواء المبلً والتوظٌؾ فً لوات الأمن الحدودٌة كانت ناجحة نسبٌا داخلٌا، لكن تمرد الحركة الوطنٌة لتحرٌر أزواد وإعالن استمالل أزواد فً 2012 طرح معضلة استراتٌجٌة تتمثل فً وجود حركة انفصالٌة إثنٌة على ممربة من الحدود. تولت الجزابر كعادتها دور الوسٌط وأنتجت اتفاق 2015 الذي انسحبت
منه الحكومة العسكرٌة المالٌة فً .2024 أما هجوم تٌمنتورٌن ( 2013) الذي لتل فٌه 39 رهٌنة، فضال عن حوالً 30 إرهابٌا، فمد كشؾ كٌؾ أن انهٌار لٌبٌا أفرز تهدٌدات مباشرة. (nazuB & Wrev، 2003، )218-187 .pp وهنان ارتباط بنٌوي بٌن البعدٌن الداخلً والخارجً فً إدارة المسؤلة التارلٌة، إذ أن ؼلبة المعالجة الأمنٌة الصرفة على المستوى الداخلً لد تنعكس على هامش المرونة المتاح للجزابر فً أداء دورها الوسٌط ضمن الدٌنامٌكٌات الإللٌمٌة. أما تحول تنظٌم الماعدة نحو منطمة الساحل، ثم ظهور تنظٌم نصرة الإسالم والمسلمٌن سنة 2017، فٌعنً أن إرث العشرٌة السوداء ال ٌزال ٌلمً بظالله جنوب الحدود الجزابرٌة. ولد وجدت الجزابر نفسها أمام معادلة دلٌمة، إذ ٌصطدم احتٌاجها للتعاون الأمنً الإللٌمً لمواجهة الجماعات الجهادٌة بإعادة هٌكلة المشهد الإللٌمً بعد لطع بعض دول الساحل عاللاتها التملٌدٌة مع الشركاء القربٌٌن وإحاللها بشراكات جدٌدة، ال سٌما مع روسٌا عبر فاؼنر، مما أنتج بٌبة إللٌمٌة ألل لابلٌة للتنبإ. ولما كان النموذج الرٌعً ٌربط االستمرار بؤسعار النفط، فإن أي اضطراب التصادي داخلً ٌنعكس على المدرة على ضبط البٌبة الحدودٌة. وهذا التشابن بٌن الرٌع والهوٌة واألمن الحدودي ٌمثل، بتعبٌر بوزان ووٌفر، نموذجا لتفاعل مستوٌات الأمن ضمن مركب أمنً إللٌمً واحد.
كان حران 22 فٌفري 2019 لحظة فارلة فً المسار السٌاسً الجزابري. فاالحتجاجات على الترشح لعهدة رباسٌة خامسة كسرت، ولو مإلتا، جملة من الحواجز الهوٌاتٌة، إذ نجح شعار "ٌتنحاو لاع" فً تجاوز االنمسامات التملٌدٌة، وجمعت المسٌرات مالٌٌن المواطنٌن من مختلؾ المناطك والحساسٌات والتٌارات. ومع مرور الأسابٌع، أبرز الحران جملة من المعطٌات البنٌوٌة الجدٌرة بالتؤمل، لعل أبرزها التباٌن الذي ظهر بٌن منطك التضامن الأفمً العفوي الصاعد من الماعدة االجتماعٌة وبٌن بعض المراءات الرسمٌة التً مالت إلى التشدٌد على المخاطر التمسٌمٌة المحتملة. وعلى إثر بعض حاالت الخلط الرمزي التً ولعت بٌن الراٌة الأمازٌقٌة وراٌة حركة المان، صدرت فً جوان 2019 تعلٌمات بمنع رفع الأعالم ؼٌر الوطنٌة فً الفضاء االحتجاجً، رافمته حاالت تولٌؾ لمتظاهرٌن حملوا الراٌة الأمازٌقٌة رؼم رفعهمللعلم الوطنً بالموازاة مع ذلن، فٌما لم ٌتم التعامل بنفس الحزم مع أعالم أخرى كالعلم الفلسطٌنً. ؼٌر أن المشهد المٌدانً عرؾ استجابة شعبٌة الفتة فً الجمعة التالٌة، إذ رفع متظاهرون من وهران وعنابة ولسنطٌنة ومدن أخرى ذات أؼلبٌة ناطمة بالدارجة الراٌة الأمازٌقٌة تعبٌرا عن التضامن، مرددٌن "خاوة خاوة" و"لبابلً، عربً، خاوة خاوة"، وحاملٌن الفتات تكتب بخط الٌد عبارات من لبٌل "عربً، لبابلً، مزابً، شاوي = جزابري"، ولد رصدت هذه المشاهد على نطاق واسع فً وسابل إعالم جزابرٌة ودولٌة. وعلى هذا النحو، اكتسبت الراٌة الأمازٌقٌة عبر هذا الفعل التضامنً حمولة رمزٌة جدٌدة، إذ تحولت من إحالة على مكون ثمافً بعٌنه إلى عالمة على تضامن وطنً جامع. ولعل هذا الفعل االحتجاجً ٌجسد عملٌا ما طرحه أمارتٌا سن نظرٌا، حٌن رأى أن المواطن ال ٌمكن اختزاله فً هوٌة واحدة، بل ٌحمل هوٌات متماطعة تتفعّل وفك السٌاق، وأن أي محاولة لسرٌة لتنمٌطه فً بعد أحادي تنتج آثارا معاكسة لما تستهدفه. وال ٌمكننا الحدٌث عن الحران دون التولؾ عند البعد الرلمً. فبٌنما كان الصراع الهوٌاتً تملٌدٌا ٌدار عبر مإسسات الدولة، نمل الحران جزءا كبٌرا منه إلى الفضاء الرلمً. ولد أنتج ذلن دٌنامٌكٌتٌن متعاكستٌن: من جهة، أتاحت المنصات للشباب تجاوز الوساطات التملٌدٌة والتعبٌر عن هوٌات أكثر تركٌبا، حٌث نجد مثال أن الشاب الوهرانً الذي ٌردد أؼانً إٌدٌر بالمبابلٌة والشاب البجاوي الذي ٌقنً الراب بالدارجة ٌجسدان هوٌة تستعصً على الثنابٌات. لكن من جهة أخرى، تحولت المنصات ذاتها إلى أدوات للتعببة الإلصابٌة: صفحات مرتبطة بالمان تروج لطرح انعزالً-انفصالً ومناهض للعربٌة واإلسالم، ومجموعات تتبنى خطابا عروبٌا- إسالمٌا إلصابٌا ٌنكر البعد الأمازٌقً أو ٌختزله فً نطالات جهوٌة، وبعضها ٌروج لسردٌات تنسب سكان شمال
أفرٌمٌا ألصول مشرلٌة كالفٌنٌمٌٌن والٌمنٌٌن فً محاولة إلنكار وطمس العمك التارٌخً الأمازٌقً. والالفت أن هذه التٌارات المتعارضة تشترن فً بنٌة خطابٌة واحدة: اختزال الهوٌة فً بعد واحد وتصوٌر اآلخر تهدٌدا وجودٌا. وبالتوازي، شهد الفضاء الرلمً تطور أدوات الضبط والمتابعة بدرجات متفاوتة. وتشٌر ؼرٌتنز، فً تحلٌلها ألنماط الضبط فً الأنظمة ذات الطبٌعة السلطوٌة، إلى أن آلٌات الرلابة ال توجه دابما نحو الخطابات الأكثر تطرفا، بل لد تشتقل وفك منطك انتمابً تحدده موالع الفاعلٌن من التوازنات السٌاسٌة المابمة (26-35 pp. ,2016 ,Greitens). وفً المحصلة، أعاد الفضاء الرلمً إنتاج المعضلة الهوٌاتٌة بؤشكال أكثر تشظٌا وأسرع انتشارا وأصعب ضبطا. وإذا كان الحران ٌطرح سإاال نظرٌا حول "إعادة التسٌٌس" ممابل "الأمننة"، فإن مدرسة كوبنهاؼن تمترح أفما ٌكمن فً نزع الأمننة بوصفه إعادة للمضاٌا إلى دابرة التداول السٌاسً العادي، ولد ج ّسد الحران محاولة جماعٌة فً هذا االتجاه، ؼٌر أن إٌماع االستجابة الرسمٌة أبرز محدودٌة هذا المسار فً سٌالات سلطوٌة.
بٌنت الألسام السابمة كٌؾ تشكلت الدٌنامٌكٌات الهوٌاتٌة-الأمنٌة عبر محطات تارٌخٌة متعالبة، من التصنٌفات الكولونٌالٌة إلى سٌاسات التعرٌب فالعشرٌة السوداء فالحران. ننالش هنا دالالت هذه النتابج وما تطرحه من أسبلة نظرٌة وتطبٌمٌة، مع ربطها باألدبٌات السابمة لتحدٌد مواطن التوافك والتجاوز.
ٌطرح ما كشفه تحلٌل النصوص الدستورٌة والخطابات الرسمٌة سإاال نظرٌا وجٌها: هل تصلح مماربة كوبنهاؼن، المصاؼة فً أصلها لدٌممراطٌات أوروبٌة، لتفسٌر سٌالات ذات طبٌعة سلطوٌة كالسٌاق الجزابري؟ فً تمدٌرنا، تحتفظ النظرٌة بمدرتها التفسٌرٌة بشرط تكٌٌؾ جوهري. فمد افترض بوزان ووٌفر أن نجاح الأمننة ٌستلزم وجود "جمهور" ٌستوعب التؤطٌر الأمنً الممترح وٌوافك علٌه ضمنٌا، ؼٌر أن الفعل الخطابً الأمننوي فً السٌاق الجزابري لم ٌن ُح منحى التعببة الجماهٌرٌة الواسعة بمدر ما اشتقل بمنطك التبرٌر، إذ توجه أساسا إلى دوابر المرار وإلى الشركاء الإللٌمٌٌن والدولٌٌن، فٌما ظل الرأي العام فً مولع المتلمً أكثر منه طرفا فاعال فً صٌاؼة التؤطٌر الأمنً. وهذا ما الحظته بٌلقٌن(2010 ,Bilgin) حٌن تحدثت عن "النمطة العمٌاء" فً مركزٌة الدراسات الأمنٌة القربٌة. ؼٌر أن التكٌٌؾ ال ٌعنً الإسماط. وما أضافه تحلٌلنا هنا هو أن السٌاسات الأمنٌة فً الجزابر لم تحتج إلى فعل خطابً واحد كبٌر، بل اشتقلت عبر تراكم مإسسً بطًء، تجلى فً الدساتٌر المتعالبة التً تؤخر فٌها االعتراؾ الكامل باألمازٌقٌة لعمود، وفً لانون التعرٌب الذي لم ٌكن فعال خطابٌا واحدا بل سٌرورة ممتدة من 1962 إلى .1991 وٌتسك هذا مع مالحظة روبرتس ( 2003 ,Roberts)حول طبٌعة المرار الأمنً فً الجزابر، حٌث ال تتبلور الأمننة فً لحظة واحدة حاسمة، بل عبر تراكم لرارات تتجمع تدرٌجٌا فً صٌقة "حالة استثناء ممتدة" تتحول مع الولت إلى نمط حكم ال إلى استجابة مإلتة. واألهم أن هذا النمط لم ٌحمك دابما الأؼراض المعلنة منه، إذ أن المعالجة الأمنٌة للمطالب الهوٌاتٌة لم تستوعبها بل أحٌانا ض ّخمتها وسٌّستها، وهو ما ٌفضً إلى استنتاج نظري أوسع، مفاده أن الأمننة فً السٌالات السلطوٌة لد تنتج أثرا عكسٌا مضاعفا ممارنة بالسٌالات الدٌممراطٌة، ألنها تح ّد من لنوات التعبٌر السلمً وتدفع المطالب نحو رادٌكالٌات بدٌلة.
لعل أبرز ما أفرزه هذا التحلٌل هو أن الأمننة لٌست حكرا على الدولة. فالحركات الهوٌاتٌة مارست بدورها فعال أمننوٌا منظما، وهذا ما لم تعالجه الأدبٌات السابمة بعمك كاؾ. فمد وثك شاكر (Chaker، 1989)
ومادي واٌتزمان (Maddy-Weitzman، 2011) المطالب الأمازٌقٌة لكنهما لم ٌحلالها كخطاب أمننوي مضاد بؤدوات مدرسة كوبنهاؼن. وحٌن نحلل خطاب الحركة الأمازٌقٌة بعدسة الأمننة، ٌتبٌن أنه صاغ التعرٌب "تهدٌدا وجودٌا" للهوٌة الأمازٌقٌة بالمنطك ذاته الذي صاغ به النظام المطالب الأمازٌقٌة تهدٌدا للوحدة الوطنٌة. المسؤلة أعمد مما تبدو، حٌث أن كل خطاب أمننوي ٌتقذى من اآلخر وٌعٌد إنتاجه. فحٌن ٌإمنن النظام الأمازٌقٌة، ٌمنح النشطاء حجة إضافٌة ألمننة التعرٌب، وحٌن ٌإمنن الإسالمٌون العلمنة، ٌمنح النظام ذخٌرة ألمننتهم. هذه الدورة التً أسمٌناها "معضلة الأمننة الهوٌاتٌة المتبادلة" تفسر لماذا لم تنجح أي مماربة أحادٌة فً كسر الحلمة. وٌذهب عدي (Addi، 2017) إلى أن الإسالم السٌاسً ورث البنى التعبوٌة للمومٌة العربٌة، ونتابج تحلٌلنا تإكد هذا الطرح وتوسعه، إذ لم ٌكن الأمر مجرد وراثة تنظٌمٌة بل وراثة أمننوٌة، فخطاب التهدٌد الوجودي انتمل من لالب لومً-عروبً إلى لالب إسالمً دون أن تتقٌر بنٌته العمٌمة. وهنان تنوع داخلً حاد ٌقفل عادة، حٌث بٌن التحلٌل أن الجزابرٌٌن المتحدثٌن باألمازٌقٌة لٌسوا كتلة واحدة (المبابلٌون والشاوٌة والتوارق والمزابٌون والزناتة وؼٌرهم ٌحملون أولوٌات وأنماط تعببة مختلفة) وأن الإسالمٌٌن تراوحوا بٌن براؼماتٌة الحركات المحسوبة على تٌار الإخوان المسلمٌن وتكفٌرٌة الجماعات المسلحة. هذا التنوع ٌدحض اختزاالت الخطاب الرسمً وٌكشؾ عجز الأمننة عن التمٌٌز بٌن مطالب مشروعة وتهدٌدات فعلٌة. ولتمرٌب البنٌة الدابرٌة لهذه المعضلة وتمٌٌز الفواعل الأربعة الكبرى المتمابلة فً حلمة التؤطٌر الأمنً المتبادل، نمترح المراءة البصرٌة اآلتٌة للشكل أدناه، الذي ٌب ّسط شبكة العاللات الأمننوٌة المتماطعة بٌن الدولة وتٌارالعروبة المومٌة والحركة الأمازٌقٌة والتٌار الإسالمً السٌاسً، مع تمٌٌز المحاور الستة لألمننة المتبادلة بٌن هذه الفواعل. ثم نُتبع الشكل بجدول تحلٌلً (الجدول 1) ٌُف ّصل لكل فاعل، بما فٌه فاعالن جانبٌان (النخبة الفرنكفونٌة والفاعلون العابرون للحدود)، مرجعَه المحمً والتهدٌد الذي ٌُنشبه خطابٌا واآلثار العكسٌة المترتبة على فعله الأمنّنً. الشكل (1): معضلة الأمننة الهوٌاتٌة المتبادلة فً الجزائر — رباعٌة الفواعل وحلمتها الدائرٌة الدولة الجزائرٌة / النظام السٌاسً (الفاعل المركزي / المإمنِن الرسمً) ↖ ↘ ↙ ↗ التٌار العروبي (جمعٌة العلماء، ↻ التٌار الإسالمً النخبة المع ّربة، السٌاسً الإعالم والمطاع ⇄ ⇄ (الإصالحً الجامعً والرادٌكالً) العروبً) حلمة تؤطٌر أمنً متبادلة فاعل أمنّني مضاد فاعل خطابً ال تنمطع نمٌهم ↙ ↗ ↖ ↘ الحركة الأمازٌغٌة الثمافٌة والسٌاسٌة فاعل أمنّني مضاد مفتاح المحاور الستة لألمننة المتبادلة
الدولة ↔ الحركة الأمازٌغٌة: الدولة ↔ التٌار الإسالمً: تؤطٌر المطالب الأمازٌقٌة تهدٌدا للوحدة الوطنٌة ممابل تؤطٌر تؤطٌر الإسالم السٌاسً تهدٌدا وجودٌا للجمهورٌة ممابل تؤطٌر السٌاسات الرسمٌة بوصفها إلصاء مإسسٌا للهوٌة الأمازٌقٌة العلمنة الرسمٌة حربا ثمافٌة على الإسالم الدولة ↔ التٌار العروبً: التٌار العروبً ↔ الحركة الأمازٌغٌة: عاللة تحالؾ خطابً مع توتر هامشً حول استماللٌة الحمل تؤطٌر المطلب الأمازٌقً امتدادا لمشروع كولونٌالً تفكٌكً الثمافً ومدى التطبٌك الفعلً للتعرٌب ممابل تؤطٌر سٌاسة التعرٌب إبادة لقوٌة وثمافٌة التٌار العروبً ↔ التٌار الإسالمً: الحركة الأمازٌغٌة ↔ التٌار الإسالمً: تماطع جزبً حول مركزٌة الإسالم والعروبة مع تنازع على تنازع رمزي حول مركز الهوٌة الجزابرٌة بٌن البعد التارٌخً الأولوٌة بٌن البعد المومً العلمانً والبعد الدٌنً الجوهري واللقوي-الإثنً الأمازٌقً والبعد الدٌنً-الحضاري الإسالمً المصدر: شكل من إعداد الباحث. الجدول (1): الفواعل الستة ومكوناتها الستة فً معضلة الأمننة الهوٌاتٌة المتبادلة بالجزائر التهدٌد ال ُمن َشؤ الأدوات الخطابٌة اآلثار العكسٌة الفاعل المإمنِن المرجع المحمً الجمهور المخاطب خطابٌا واإلجرائٌة الموثمة الدولة / النظام الوحدة الوطنٌة االنفصالٌة، الفتنة النخبة الحاكمة، الدساتٌر المتعالبة، تض ّخم المطالب السٌاسً والترابٌة، االستمرار، الطابفٌة، التدخل الشركاء الإللٌمٌون حالة الطوارئ الهوٌاتٌة بدل السٌادة، احتكار العنؾ الأجنبً، التطرؾ والدولٌون، فبات الممتدة، تصنٌؾ احتوابها، تسٌٌس الشرعً الدٌنً المسلح الرأي العام المإٌدة حركتً المان ورشاد البعد الثمافً، تعمٌك منظمتٌن إرهابٌتٌن الفجوة بٌن (2021)، خطاب المإسسات المإسسات الرسمٌة ولطاعات اجتماعٌة تٌار التعرٌب اللقة العربٌة الفرنكفونٌة بوصفها الجمهور المع ّرب، لانون التعرٌب إنتاج فجوة بٌن والعروبة المومٌة الفصحى، االنتماء استمرارٌة خ ّرٌجو المنظومة 1991 وسابماته، خطاب رسمً العربً-الإسالمً، كولونٌالٌة، النزعة التعلٌمٌة المع ّربة، أدبٌات جمعٌة العلماء مع ّرب وممارسة الذاكرة الإصالحٌة الجهوٌة الأمازٌقٌة النخب المومٌة فً وامتداداتها، الحمالت إدارٌة فرنكفونٌة، لجمعٌة العلماء، بوصفها تفكٌكا المنطمة العربٌة، الإعالمٌة المع ّربة، إفراز نخبة مع ّربة الفضاء الثمافً لألمة، التقرٌب الإعالم المع ّرب الكتاب المدرسً محبطة شكلت لاعدة المع ّرب الثمافً الناعم والجامعً، خطاب تعببة لإلسالم المومٌة العربٌة فً السٌاسً الحما، حمبة بومدٌن تعمٌك التوتر مع الأمازٌقوفونٌٌن الحركة الأمازٌقٌة اللقة الأمازٌقٌة التعرٌب المسري، الناطمون الربٌع الأمازٌقً تكرٌس انفصال الثمافٌة والسٌاسٌة والذاكرة التارٌخٌة، الإلصاء المإسسً، باألمازٌقٌة، شبكات 1980 واألسود جزء من الحركة الموروث الثمافً الإبادة الرمزٌة الجالٌة، الفضاء 2001، الإضرابات عن المسار الوطنً للمبابل والشاوٌة للهوٌة الأمازٌقٌة، الإعالمً الأكادٌمً الجامعٌة، حمالت الجامع، إفراز والمزاب والتوارق الهوٌة المومٌة والحمولً الدولً الترسٌم الدستوري، حركة انفصالٌة، والزناتة الأحادٌة خطاب الجمعٌات تعمٌك االستمطاب الثمافٌة والمنظمات الإللٌمً الدولٌة التٌار الإسالمً الإسالم، اللقة العلمنة، الماعدة المعربة، خطاب المساجد، انفجار العنؾ خالل السٌاسً العربٌة، الأخالق الفرنكفونٌة، الطبمات الشعبٌة صحؾ الإنماذ العشرٌة السوداء، (الإصالحً العامة، البنٌة االنحالل الأخاللً، المهمشة، الفضاء والمنمذ، الفعالٌات انمسام التٌار بٌن والرادٌكالً) االجتماعٌة المحافظة، التقرٌب الثمافً، الدٌنً التملٌدي، االنتخابٌة -1990 الإصالحً شرعٌة الحكم الإلصاء السٌاسً النخبة المعربة 1991، أدبٌات والمسلح، التحول الإسالمٌة المحبطة الحركات المسلحة فً إلى تنظٌم الماعدة حالة الجناح فً بالد المقرب
والفنً التعببة المضادة فً تقذٌة الخطاب 1992 الأمنّن من الجهة الممابلة الفاعلون العابرون مشارٌع هوٌاتٌة ما الحدود الجزابرٌة، الجالٌات والشبكات العملٌات المسلحة تعمٌد ملؾ الأمن للحدود (حركات لبل-وطنٌة أو ما بعد- السلطة المركزٌة، الإللٌمٌة، الحلفاء العابرة للحدود، الحدودي، تضٌٌك تارلٌة، شبكات وطنٌة، روابط المرابة السٌاسات الإللٌمٌة الجهادٌون أو الخطاب الإعالمً هامش الجزابر ضقط، تنظٌمات واإلثنٌة العابرة فً منطمة الساحل الإثنٌون، الفضاء البدٌل، الضقط على كوسٌط إللٌمً، جهادٌة للحدود الإعالمً البدٌل دول الجوار، إدماج الأزمة فً التحالفات المتقٌرة منظومات إللٌمٌة أوسع المصدر: جدول من إعداد الباحث. .3 من الداخل إلى الحدود: الأمننة كمتغٌر جٌوسٌاسً ٌتماطع ما أفرزه التحلٌل حول البعد العابر للحدود مع إطار بوزان ووٌفر (verW & Buzan، 2003) حول المركب الأمنً الإللٌمً، مع فارق جوهري نرى ضرورة تسجٌله . ؾؾي الحالة الجزابرٌة، المحرن الربٌسً لتفاعل مستوٌات الأمن لٌس الجٌوسٌاسة الكالسٌكٌة بل العامل الهوٌاتً. وتحول الجماعة السلفٌة إلى تنظٌم الماعدة فً المقرب الإسالمً ( 2007) لم ٌكن مجرد إعادة تموضع تنظٌمٌة، بل نمل منطك الأمننة الهوٌاتٌة من الفضاء الوطنً إلى الفضاء الإللٌمً. وهجوم تٌمنتورٌن (2013) أثبت كٌؾ ٌمكن ألزمة هوٌاتٌة داخلٌة أن تتحول إلى تهدٌد عسكري عابر للحدود فً ؼضون سنوات. ال ٌمكننا الجزم بؤن المسؤلة التارلٌة تنتمً حصرا إلى حمل الهوٌة أو حمل الجٌوسٌاسة،لكنها، فً اعتمادنا، تمع بالتحدٌد عند نمطة التماطع، وهذا ما ٌجعلها اختبارا حادا ألي إطار نظري أحادي. فالتوارق لٌسوا مجرد مجموعة إثنٌة بل فاعل عابر للحدود بامتداد ٌشمل خمس دول، ومطالبهم تمزج بٌن التنمٌة واالعتراؾ الثمافً واألمن الحدودي بطرق ال ٌستوعبها تحلٌل هوٌاتً محض وال تحلٌل جٌوسٌاسً محض. ما ٌتماطع هنا مع تحلٌل مارتٌنٌز (Martinez، 1998) هو منطك االستدامة الذاتٌة للعنؾ، لكن تحلٌلنا ٌوسعه . اؾالستدامة ال تتحمك فمط عبر االلتصاد السٌاسً للعنؾ، كما رأى مارتٌنٌز ، بل أٌضا عبر تبادل الأمننة بٌن فاعلٌن متعددٌن عبر الحدود. وهذا ٌطرح سإاال عملٌا على صناع المرار: كٌؾ ٌمكن للجزابر أن توفك فً الوساطة الإللٌمٌة فً الساحل دون حسم المعادلة الهوٌاتٌة الداخلٌة؟
ظل البعد االلتصادي فً هوامش الدراسات المتخصصة بالهوٌة واألمن، رؼم أنه ٌفسر مسؤلة حاسمة وهً لماذا تتحول المطالب الثمافٌة إلى احتجاج عنٌؾ فً لحظات بعٌنها دون أخرى؟ الإجابة التً ٌمترحها تحلٌلنا أن البنٌة الرٌعٌة ال تشتري االستمرار بل تإجل االنفجار وتحدد تولٌته. كؾل انهٌار فً أسعار النفط (1986 ثم 2014) سبمه أو تزامن معه تصاعد حاد فً المطالب الهوٌاتٌة. ولٌس صدفة أن انتفاضة أكتوبر 1988 أعمبت انهٌار أسعار النفط، وال أن حران 2019 جاء فً سٌاق أزمة مالٌة عمٌمة. ٌتسك هذا مع ما ذهب إلٌه كارلٌٌه (Carlier، 1995) حول الجذور االلتصادٌة والسٌاسٌة للتطرؾ فً الجزابر، لكنه ٌتجاوزه بربط البعد الرٌعً مباشرة بآلٌة الأمننة. الؾرٌع ٌتٌح للدولة تؤجٌل االعتراؾ بالتعدد عبر الإنفاق، والتؤجٌل ٌراكم التوتر وال ٌعالجه. أما التماطع بٌن جقرافٌا الحرمان والمطالب الهوٌاتٌة فٌدحض الفصل التحلٌلً بٌن "الثمافً" و"االلتصادي". ؾحٌن تجتمع فً منطمة واحدة، كالمبابل أو الجنوب، مظالم لقوٌة-ثمافٌة ومظالم تنموٌة، ٌتضاعؾ الشعور باإللصاء وٌصبح خطاب التهدٌد الوجودي أكثر إلناعا لدى السكان المحلٌٌن. هذا البعد ٌستحك ، فً اعتمادنا، أن ٌصبح محورا تحلٌلٌا مركزٌا ولٌس مجرد متقٌر سٌالً، إذ أن أي نموذج تعددي للهوٌة سٌظل هشا ما لم ٌمترن بعدالة توزٌعٌة حمٌمٌة تعالج التفاوت المناطمً.
انطلمت هذه الدراسة من سإال حول آلٌات الأمننة المتبادلة بٌن الدولة والفاعلٌن الهوٌاتٌٌن وتداعٌاتها على الأمن المومً الجزابري. وكشؾ التحلٌل أن إدارة التعدد الهوٌاتً فً الجزابر لم تتبع مسارا خطٌا بل اتخذت شكل حلمة دابرٌة من الأمننة واألمننة المضادة، حٌث كل محاولة لتؤمٌن هوٌة ما أشعرت المكونات الأخرى بالتهدٌد فاستجابت بخطاب أمننوي خاص بها. هذه الدورة أنتجت عمودا من العنؾ وعدم االستمرار بدل التماسن المنشود، وامتدت تداعٌاتها خارج الحدود عبر التحوالت الجهادٌة فً منطمة الساحل والمسؤلة التارلٌة. كما تبٌّن أن الصراع الهوٌاتً ال ٌنفصل عن البعد االلتصادي ، حٌث أتاحت البنٌة الرٌعٌة تؤجٌل المعالجة ال حلّها، وع ّزز التهمٌش المناطمً الشعور باإللصاء الثمافً واللقوي. وٌتمثل الإسهام الربٌسً لهذه الدراسة فً مفهوم "معضلة الأمننة الهوٌاتٌة المتبادلة" كؤداة تحلٌلٌة تتجاوز الأمننة الأحادٌة االتجاه التً هٌمنت على الأدبٌات. ولد أثبت الإطار النظري التكاملً، الذي جمع مدرسة كوبنهاؼن والبنابٌة االجتماعٌة والنظرٌة ما بعد الكولونٌالٌة ، أنه أكثر لدرة على استٌعاب تعمٌد الحالة الجزابرٌة من أي مماربة منفردة. ؼٌر أنه ال بد من الإلرار بحدود هذا العملوهٌتتمثل فً التحٌز اللقوي لصالح المصادر الفرنكوفونٌة واألنجلوفونٌة، وصعوبة الوصول إلى أرشٌؾ الدولة ال سٌما لعمد التسعٌنٌات، وغ ٌاب البعد المٌدانً الذي كان من شؤنه التماط تمثالت الفاعلٌن المباشرة. وتمود هذه الخالصات إلى توصٌات محددةتتمثل فً تفعٌل الترسٌم الدستوري لألمازٌقٌة عبر لوانٌن عضوٌة جادة وتدارن التؤخر الكبٌر فً تعمٌم تدرٌسها واستعمالها فً مإسسات الدولة ومرافمها العمومٌة، وإصالح المنظومة التعلٌمٌة لتعكس التعدد الفعلً للمجتمع بدل الأحادٌة المفروضة، ومعالجة التهمٌش االلتصادي المناطمً الذي ٌقذي التطرؾ بؤشكاله المختلفة، ومراجعة سٌاسات الذاكرة بما ٌكفل االعتراؾ بمساهمات جمٌع المكونات فً المماومة وثورة التحرٌر والبناء الوطنً. ولٌست هذه مثالٌة أكادٌمٌة بل هً استنتاج تحلٌلً فرضه فشل المماربة الأمنٌة تجرٌبٌا عبر محطات تارٌخٌة متعالبة. كما تفتح هذه الدراسة مسارات بحثٌة عدة تتمثل فً دراسة الأمننة الرلمٌة للهوٌة عبر تحلٌل محتوى شبكات التواصل االجتماعً ال سٌما منذ حران 2019، ودراسة مٌدانٌة ك ّمٌة تختبر فرضٌة الأمننة المتبادلة عبر ممابالت معممة مع فاعلٌن من مختلؾ التٌارات، وتحلٌل "التصاد الهوٌة" بمنهجٌة كمٌة تربط مإشرات التنمٌة الجهوٌة بحدة المطالب الهوٌاتٌة. كما أن تطبٌك مفهوم "معضلة الأمننة الهوٌاتٌة المتبادلة" على حاالت ممارنة فً شمال أفرٌمٌا أو الساحل الأفرٌمً من شؤنه اختبار مدى لابلٌته للتعمٌم خارج السٌاق الجزابري.
أولا، الكتب الحصري، ساطع. (1959). ما هً المومٌة؟، بٌروت: دار العلم للمالٌٌن. رزوق، دمحم. (1989). الأندلسٌون وهجراتهم إلى المقرب خالل المرنٌن السادس عشر والسابع عشر، الدار البٌضاء: إفرٌمٌا الشرق. سعد هللا، أبو الماسم. (1992). الحركة الوطنٌة الجزابرٌة، الجزء الثانً، بٌروت: دار القرب الإسالمً. سعد هللا، أبو الماسم. (1998). تارٌخ الجزابر الثمافً (الأجزاء الأول والثانً)، بٌروت: دار القرب الإسالمً. Addi, L. (1995). L’Algérie et la démocratie: Pouvoir et crise du politique dans l’Algérie contemporaine, Paris: La Découverte.
Bennoune, M. (1988). The Making of Contemporary Algeria, 1830-1987, Cambridge: Cambridge University Press. Benrabah, M. (2013). Language Conflict in Algeria: From Colonialism to Post-Independence, Bristol: Multilingual Matters. Buzan, B., & Wæver, O. (2003). Regions and Powers: The Structure of International Security, Cambridge: Cambridge University Press. Buzan, B., Wæver, O., & de Wilde, J. (1998). Security: A New Framework for Analysis, Boulder: Lynne Rienner Publishers. Camps, G. (1995). Les Berbères: Mémoire et identité, Paris: Errance. Carlier, O. (1995). Entre nation et jihad: Histoire sociale des radicalismes algériens, Paris: Presses de Sciences Po. Chaker, S. (1989). Imazighen ass-a, Alger: Bouchène. Chaker, S. (1998). Berbères aujourd’hui: Berbères dans le Maghreb contemporain, Paris: L’Harmattan. Cheriguen, F. (2009). Politiques linguistiques en Algérie, Alger: Casbah Éditions. Claudot-Hawad, H. (Ed.). (1993). Le politique dans l’histoire touarègue, Aix-en-Provence: IREMAM. Claudot-Hawad, H. (2002). Touaregs: Apprivoiser le désert, Paris: Gallimard. Fanon, F. (1961). Les Damnés de la Terre, Paris: Maspero. Foucault, M. (1976). La fonction politique de l’intellectuel, Dits et écrits, tome III, texte n°184, Paris: Gallimard. Grandguillaume, G. (1983). Arabisation et politique linguistique au Maghreb, Paris: Maisonneuve et Larose. Greitens, S. C. (2016). Dictators and Their Secret Police: Coercive Institutions and State Violence, Cambridge: Cambridge University Press. Harbi, M. (1980). Le FLN: mirage et réalité, Paris: Jeune Afrique. Harding, S. (1991). Whose Science? Whose Knowledge? Thinking from Women’s Lives, Ithaca: Cornell University Press. Laroui, A. (1970). L’Histoire du Maghreb: Un essai de synthèse, Paris: Maspero. Lorcin, P. (1995). Imperial Identities: Stereotyping, Prejudice and Race in Colonial Algeria, London: I.B. Tauris. Maddy-Weitzman, B. (2011). The Berber Identity Movement and the Challenge to North African States, Austin: University of Texas Press. Martinez, L. (1998). La guerre civile en Algérie, 1990-1998, Paris: Karthala. McDougall, J. (2017). A History of Algeria, Cambridge: Cambridge University Press. Roberts, H. (2003). The Battlefield: Algeria 1988-2002, London: Verso. Searle, J. R. (1995). The Construction of Social Reality, New York: The Free Press. Sen, A. (2006). Identity and Violence: The Illusion of Destiny, New York: W.W. Norton.
Stora, B. (1991). La gangrène et l’oubli: La mémoire de la guerre d’Algérie, Paris: La Découverte. Tlemçani, R. (1986). State and Revolution in Algeria, Boulder: Westview Press. Wendt, A. (1999). Social Theory of International Politics, Cambridge: Cambridge University Press. ثانٌا، الدورٌات Bilgin, P. (2010). The ‘Western-Centrism’ of Security Studies: ‘Blind Spot’ or Constitutive Practice?. Security Dialogue. 41(6), 615-622. Cox, R. W. (1981). Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations Theory. Millennium: Journal of International Studies. 10(2), 126-155. Gheras, N. (2015). Ghardaia: De la coexistence à l’affrontement — Analyse des ressorts d’un conflit communautaire. Insaniyat. 67-68, 151-172. Oussedik, D. (2018). Le MAK et la question kabyle : Genèse et transformation d’un mouvement séparatiste. L’Année du Maghreb. 18, 197-215. Zoubir, Y. (2016). The Kabyle Question and the Challenges to Algeria’s National Cohesion. In Y. Zoubir & G. White (Eds.), North African Politics : Change and Continuity, London : Routledge, 145- 167.