المجلد 11 العدد الأول السنة: 2025 ص157 ص185 تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة The Criminalization of Travel related to Terrorist Acts: A Model of Preventive Criminalization as a Form of Contemporary Criminal Policy د. خلوفي سامية مستشارة بمجلس قضاء الجزائر البريد الإلكتروني: gmail.com@aimasif74 تاريخ االرسال: 2025/06/14 تاريخ القبول: 2025/06/27 تاريخ النشر: 2024/06/28 الملخص: ً يشكل تجريم السفر ألغراض إرهابية، وفقا للمادة 87 مكرر 11 من قانون العقوبات
تجريم السفر المرتبط بالأعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة
ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)
يشكل تجريم السفر لأغراض إرهابية، وفقًا للمادة 87 مكرر 11 من قانون العقوبات الجزائري، ترجمة لالتزام المشرع الوطني بقرار مجلس الأمن رقم 2187 الصادر بتاريخ 24 سبتمبر 2014. لا ينصرف هذا التجريم إلى فعل السفر في حد ذاته، وإنما إلى الغاية الإرهابية ذات الصلة بهذا السفر، مما يضفي صبغة لوظيفة القاعدة الجزائية التي أضحت غير محصورة في الردع وتطبيق الجزاء بعد ارتكاب الجرم فحسب، وانما تتصدى لمقدمات الفعل الإجرامي قبل وقوعه وهو ما يكرس مفهوم الوقاية. وهنا يمكن التساؤل حول مدى توفيق المشرع بين الامتثال للالتزامات الدولية وبين احترام مبدأ الشرعية الجنائية. The criminalization of travel for terrorist purposes, as provided for in article 87 bis 11 of the Algerian penal code, reflects the national legislator’s commitment to United Nations Security Council resolution No.2187, dated 24 September 2014. This criminalization does not target the act of travel in itself, but rather the terrorist purpose associated with such travel. It thus confers a new dimension to the function of criminal law, which is no longer limited to deterrence and the imposition of penalties after the commission of an offense, but also aimed at addressing the preparatory stages of criminal acts before they occur, thus reinforcing the concept of prevention. This raises the question of whether the legislator has successfully reconciled compliance with international obligations and adherence to the principle of legality in criminal law.
خلوفي, سامية، "تجريم السفر المرتبط بالأعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة"، المجلة الجزائرية للقانون والعدالة، مجلد 11، عدد 1، ص ص 157-185.
متن الدراسة والتحليل الفقهي
29 صفحات مرقمةتجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة الكمات المفتاحية: ا ألعمال الإرهابية- السفر- الحفاظ على الأمن-التجريم الوقائي- الشرعية الجنائية. Abstract: The criminalization of travel for terrorist purposes, as provided for in article 87 bis 11 of the Algerian penal code, reflects the national legislator’s commitment to United Nations Security Council resolution No.2187, dated
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة الصادر بتاريخ 24 سبتمبر 2014، لتعديل وتتميم أحكام الأمر رقم 156/66 المتضمن قانون العقوبات بإضافة المادتين 87 مكرر 11 و87 مكرر 12 ضمن القسم المتعلق بالجرائم الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية، حيث تضمنت الأولى صورتين رئيسيتين للسلوك الإرهابي المجرم، من جهة السفر أو محاولة السفر إلى دولة أخرى بغرض ارتكاب أفعال إرهابية أو تدبيرها أو الإعداد لها أو المشاركة فيها أو التدريب على ارتكابها أو لتلقي تدريب عليها، ومن جهة أخرى صور متعددة لتمويل السفر المجرم في الفقرة الأولى السالفة الذكر أو تنظيمه أو 1 تسهيله . غير أنه إن كان يظهر ألول وهلة أن المشرع يجرم سلوك السفر في حد ذاته إال أنه يتضح من القراءة المتأنية للنص أن هذا التجريم ال ينصرف إلى فعل السفر منه، فيمتزج الركن المادي بالركن المعنوي لحساب الثاني منها باعتباره أخطر ما في هذا البناء مما يعكس سلوك المشرع اتجاه التجريم المسبق عن وقوع الضرر من خالل معاقبته لسلوك يشكل تهديدا أمنيا حقيقيا وهو االتجاه الذي ً يسفر عن تحول نوعي في الوظيفة التقليدية للقاعدة الجنائية، التي تقيد مجال تطبيقها بشرط الوقوع الفعلي العتداء على المصالح المحمية وجعل من الضرر عنصرا ضروريا في قيام الركن المادي للجريمة. أما وفق التحول المنشود فلم تعد هذه الوظيفة محصورة في الردع وتطبيق الجزاء بعد ارتكاب الجريمة، بل 1 إضافة إلى تجريم استخدام تكنولوجيات الإعالم واالتصال الرتكاب الأفعال المذكورة في ذات المادة. - 159 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة ً ً أصبحت تؤدي دورا وقائيا، من خالل التصدي المبكر بتجريم مقدمات الفعل الإجرامي الضار قصد منع اكتماله. و ملا كان استحداث نص المادة 87 مكرر 11 في قانون العقوبات انفاذا لقرار مجلس الأمن رقم 2187 السالف الذكر، فإنه من الضروري لحسن تطبيقه بما يوفق بين احترام الت زامات الجزائر الدولية من جهة ومقتضيات مبدأ الشرعية الجنائية من جهة أخرى، أن تعالج إشكالية مدى توصل المشرع الجزائري الى المحافظة على مبدأ الشرعية الجنائية في إطار تجسيده اللتزام الدولة بقرار
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة
1 تطبيقا ملبدأ الشرعية الجنائية فإن المشرع وحده من يملك سلطة تحديد الأفعال المعاقب عليها والمسماة جرائم، وتحديد الجزاءات التي توقع على مرتكبيها والمسماة العقوبات وهو إن يفعل ذلك إنما يهدف حماية المصالح االجتماعية الجديرة بالحماية وفقا ملا يفرضه تغير المجتمع نفسه. غير أنه بالنسبة للجريمة محل الورقة البحثية هذه فإنها تستمد أساسها القانوني من التزامات الجزائر الدولية وضرورة موائمة المنظومة القانونية الوطنية بهذه االلتزامات.
يعد تنظيم الدولة الإسالمية " داعش" أبرز التنظيمات الإرهابية، إذ تمكن هذا التنظيم من استقطاب عدد كبير من المقاتلين من مختلف دول العالم حيث قدر عدد المنظمين باآلالف، الأمر الذي عجل بدق ناقوس الخطر قصد التصدي لهذا التهديد الجديد، الذي عجزت االتفاقيات الدولية والبرتوكوالت الملحقة بها التسعة عشر الصادرة عن الأمم المتحدة من الحد منها، خاصة اتفاقية الأمم 1 قوام مبدأ الشرعية الجنائية فكرة التحذير أو الإنذار السابق للمخاطب بالقاعدة الجنائية من اآلثار المترتبة على تصرفه المخالف للقانون مما يدفعه لتجنب الفعل أو التصرف هذا. - 161 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة 1 المتحدة لقمع تمويل الإرهاب المبرمة بتاريخ 1999/12/09 ، وقرار مجلس الأمن رقم 1373 لسنة 2001 المؤرخ في 28 سبتمبر 2001 المتخذ مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 الذي ألزم جميع الدول على اتخاذ عدد من التدابير ملنع وقمع تمويل الإرهاب، إذ مع تطور استخدام الجماعات الإرهابية لوسائل االتصال الحديثة في نشر الفكر المتطرف الذي يفض ي إلى الإرهاب وتجنيد اآلخرين الرتكاب أعمال الإرهاب وتحريضهم على ذلك وتمويل وتسهيل سفر الأشخاص لهذا الغرض أدرك المجتمع الدولي أن التمويل أو الدعم الخارجي للجماعات الإرهابية لم يعد يقتصر على الأموال أو الأسلحة أو غيرها من الأمور المادية وإنما حتى الدعم البشري من خالل سفر الشباب خاصة من كل أنحاء العالم لالنضمام لهذه الجماعات الإرهابية، فتدخل مجلس الأمن مرة أخرى بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وأصدر القرار رقم 2178 بتاريخ /09/24 2014 في جلسته 7242 بتاريخ 24 سبتمبر 2014، المتضمن مكافحة تمويل تجنيد ونقل الإرهابيين للقتال في سوريا والعراق، في محاولة للتصدي المبكر لهذه الظاهرة بتجريم المراحل الأولى للسلوك الإجرامي من خالل تجريم مجرد السفر أو محاولة السفر لاللتحاق بهذه الجماعات.
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة وقد جاء هذا القرار ملواصلة إسهام مجلس الأمن في تعزيز فعالية مجمل الجهود الدولية الرامية ملكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره بما في ذلك الأعمال المرتكبة بدافع التعصب أو التطرف وحرمان الجماعات الإرهابية من القدرة على ترسيخ أقدامها وإيجاد ملذات آمنة، ووضع عدة التزامات على الدول في سبيل التصدي لتجنيد المقاتلين الإرهابيين الأجانب من جانب كيانات من قبيل تنظيم الد ولة الإسالمية في العراق والشام وجبهة النصرة وغيرهما من خاليا تنظيم القاعدة أو الجماعات المرتبطة بها أو المنشقة عنه أو المتفرعة منه، وهو ما أكده مرة أخرى بموجب القرار رقم 2395 لسنة 2017 بتاريخ 21 ديسمبر .2017
عرفت الجزائر ظاهرة االنخراط في الجماعات الإرهابية في الخارج وجرمتها سنة 2006 بموجب القانون رقم 23/06 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006 المعدل
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة العقوبات بإضافة المادتين 87 مكرر 11 و87 مكرر 12 ضمن القسم المتعلق بالجرائم الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية من أجل تجريم فعل تنقل الجزائريين أو الأجانب المقيمين بالجزائر بصفة شرعية أو غير شرعية إلى دولة أخرى الرتكاب أفعال إرهابية أو التحريض عليها أو التدريب عليها، وتجريم أفعال تمويل وتنظيم السفر إلى دولة أخرى الرتكاب الأفعال الإرهابية أو التحريض عليها أو التدريب عليها باستعمال تكنولوجيات الإعالم واالتصال أو أي وسيلة أخرى، وفقا ملا جاء في بيان الأسباب، في حين مواد التجريم المقترحة تضمنت سفر الجزائري أو الأجنبي المقيم بالجزائر بطريقة شرعية أ و غير شرعية، أو محاولة السفر إلى دولة أخرى بغرض ارتكاب أفعال إرهابية أو تدبيرها أو الإعداد لها أو المشاركة فيها أو التدريب على ارتكابها أو لتلقي التدريب عليها وتوفير أو جمع عمدا أمواال بقصد استخدامها أو مع العلم أنها تستخدم في تمويل السفر أو تنظيم
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة
إن التطور السريع للحياة وما تبعه من تطور الجريمة بصفة عامة والجريمة الإرهابية خاصة، وضع مبادئ القانون الجنائي ومنها مبدأ الشرعية الجنائية في تحدي ملواجهة ومواكبة هذا التطور السريع للجريمة، حيث تم تبني التجريم االستباقي أو الوقائي للحد من الجريمة.
إن فكرة التجريم الوقائي ليست فكرة حديثة، إذ بدأ الفقه الجنائي على يد أصحاب المدرسة الوضعية ومدرسة الدفاع االجتماعي يوجه نظر المشرع إلى ضرورة تجريم بعض السلوكات الخطي رة التي تحمل في طياتها مخاطر يمكن أن تصيب الحقوق والقيم التي يحميها القانون الجنائي العتبار أن القانون الجنائي ال يقتصر دوره في التدخل بعد وقوع الجريمة، بل حتى في المرحلة السابقة لوقوع الجريمة للوقاية منها بحيث يتم تجريم هذه السلوكيات بمجرد ما تحمله من خطر وقبل تحقق الضرر الذي قد ينشأ حال ارتكابها . 1 هذا وقد اعتبر المؤتمر الدولي الرابع للدفاع االجتماعي ضد الجريمة والمنعقد في ميالنو سنة 1956 مبدأ الشرعية وسيلة من وسائل السياسة الوقائية من الجريمة حيث جاء في قراراته " أن الروح الحقيقية للدفاع 1 رنا ابراهيم العطور، جريمة تعرض الغير للخطر في قانون العقوبات الفرنس ي، مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والقانونية، المجلد 8 عدد 2 ، يونيو .2011 ص .150 - 165 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة االجتماعي ضد الجريمة يجب أن تتجلى في الأهمية الكبرى التي تعلقها على وسائل الوقاية من الجريمة، وإن أعمال الوقاية ال يمكن ممارستها إال مع االحترام التام للكرامة الإنسانية وذلك بالتمسك التام بمبدأ ( قانونية الجرائم والعقوبات) وفي إقامة الضمانات التي من شأنها أن تؤمن حقوق الفرد بصورة 1 عملية " كما طالب المؤتمر الدولي العاشر لقانون العقوبات لسنة 1969 تجريم 2 تعريض الغير للخطر ، مؤكدا أن النص على هذا النوع من السلوك ال يخالف مبادئ القانون الجنائي طاملا أن مبدأ الشرعية مضمون. انطالقا من كل هذا يتبين أهمية تدخل المشرع بالتجريم والعقاب للوقاية من الجريمة الإرهابية من خالل تجريم الأفعال التي قد تؤدي إليها بصفة سابقة وتقرير العقوبة المالئمة لها، مما يجعل االمتثال لها أقرب إلى التأكيد، فتجريم السفر ليس غاية في حد ذاتها وإنما التصدي ملا قد يترتب من وصول المسافر لوجهته هو هدف التجريم. غير أنه ينبغي التمييز بين التجريم الوقائي وتقرير المشرع الجنائي تدابير أو آليات وقائية للمنع من الجريمة، فهذه الأخيرة هي آليات غير جزائية تتضمنها نصوص التجريم أو نصوص أخرى مرتبطة بها، حيث تزخر المنظومة التشريعية 1 عبده يحيى محمد الشاطبي، مبدأ شرعية التجريم والعقاب- دراسة مقارنة، اطروحة لنيل درجة الماجيستر، القانون الجنائي، جامعة بابل، كلية القانون، ص .9 2 _ V. MALBAT : “ Le délit de ‘mise en danger’, La lettre et l’esprit”, 1999.I.208، J.C.P - 166 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة الجزائرية بجملة قوانين تحمل في جزء منها تدابير الوقاية من الجريمة على غرار قانون 01/06 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته 1 ، والقانون 04/18 المتعلق بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية ومنع االستعمال واالتجار غير المشروعين بهما 2 ، والقانون رقم 15/20 المتعلق بالوقاية من جرائم اختطاف الأشخاص 4 3 ومكافحتها ، وا ألم ر رقم 03/20 المتعلق بالوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها ، والقانون رقم 05/20 المتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما 5 ، والقانون 15/21 المتعلق بمكافحة المضاربة غير المشروعة 6 ، والقانون 02/24 المتعلق بمكافحة التزوير واستعمال المزور 7 . -1قانون رقم 01/06 المؤرخ في 2006/02/20، يتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، المعدل والمتمم، ج ر عدد 14، مؤرخة في .2006/03/08 -2قانون رقم 18/04، المؤرخ في 2004/12/25، يتعلق بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية وقمع االستعمال واالتجار غي المشروعين بها، ج ر عدد 83 مؤرخة في .2004/12/26 -3قانون رقم 15/20، المؤرخ في 2020/12/30، يتعلق بالوقاية من جرائم اختطاف الأشخاص ومكافحتها، عدد 81، مؤرخة في .2020/12/30 -4األمر رقم 03/20، المؤرخ في 2020/08/31، يتعلق بالوقاية من عصابات االحياء ومكافحتها، ج ر عدد 51، مؤرخة في .2020/08/31 -5قانون رقم 05/20، المؤرخ في 2020/04/28، يتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما، ج ر عدد 25، مؤرخة في .2020/04/29 -6قانون رقم 15-21، المؤرخ في 2021/12/28، يتعلق بمكافحة المضاربة غير المشروعة، ج ر عدد 99، مؤرخة في .2021/12/29 -7قانون رقم 02/24، المؤرخ في 2024/02/26، يتعلق بمكافحة التزوير واستعمال المزور. - 167 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة
إذا كان الهدف من التجريم في السابق يقتصر على العقاب، فإنه يهدف ً اليوم إلى الوقاية من الجريمة، سواء من خالل الحيلولة دون وقوعها ابتداء أو بردع اآلخرين عن القيام بارتكابها. إال أن شرعية النصوص التي تتخذ كوسيلة لتحقيق هذه الأهداف مناطها توافقها وأحكام الدستور واتفاقها ومبادئه ومقاصده، ومن ثم يتعين الموازنة بين مصلحة المجتمع والحرص على أمنه واستقراره من جهة، وحريات وحقوق الأفراد من جهة أخرى . 1 وعلى هذا الأساس يعد الخطر علة التجريم لجميع أنواع الجرائم سواء تطلبت حدوث ضرر فعال وتحقق النتيجة، أو ال ( جرائم شكلية )، بحيث يتخذ المشرع موقف ايجابيا اتجاه هذه السلوكيات وال يتنظر حدوث النتيجة للتدخل بالتجريم ، بل يبادر بالتجريم بمجرد أن يرى أن هذه السلوكيات تشكل تهديدا للمصالح الجديرة بالحماية 2 ، ومن ذلك تجريم الشروع في الجريمة طبقا للمادتين 1يعرف الخطر: لغة على أنه " الإشراف على الهالك أو االنهيار، أما اصطالحا فقد عرف على أنه "حالة واقعية، أي مجموعة من اآلثار المادية ينشأ بها احتمال حدوث اعتداء ينال الحق، ويقدر الخطر بالنسبة لنتيجة معينة لم تحدث بعد، وليس حدوثها محققا، وإنما محتمل فحسب" كما عرف أنه " الضرر المحتمل الذي يهدد المصلحة التي يحميها القانون في نص التجريم"، أنظر في ذلك عثامنية لخميس ي، السياسة العقابية في الجزائر على ضوء المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، دار هومة ، الجزائر، 2012، ص .23 2 عثامنية لخميس ي، نفس المرجع، ص .34 - 168 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة 30 و31 من قانون العقوبات أو تكوين جمعية أشرار والجماعة االجرامية المنظمة المنصوص عليها بالمواد 176 و177 و177 مكرر من قانون العقوبات، أو إذ تقوم الجريمة بمجرد التصميم المشترك على ارتكاب الجريمة حتى ولو لم يقع السلوك المادي لها، أو مخالفات قانون العمل أو حركة المرور. وتعد المادة 87 مكرر 11 التي جرمت السفر 1 أو محاولة السفر ألغراض إرهابية صورة لهذا النوع من التدخل المبكر للمشرع للحد من الجريمة. فوفقا للمفهوم المتقدم فإن علة تجريم السفر ألغراض ذات صلة باألفعال الإرهابية تكمن في خطورتها البالغة على النظام االجتماعي والسلم واألمن الدوليين وعلى المصلحة العامة وأمن المجتمع، والهدف الأول من تجريم هذه الأفعال يتمثل في الوقاية من شر الجريمة الأكبر التي ينوي المسافر ارتكابها وهذا عن طريق حظر سلوك من ينوي ارتكابها دون انتظار البدء في التنفيذ ملا يمثله من ضرر مؤكد على الأمن والنظام العام. 1 السفر لغة: سفر اسم جمعه، أ ْ سفار، وأس ُ فر، وال ّ س َ ف ُ ر قطع المسافة، و َ س َ ف ُ ر الصبح بياضه، َ ُ والسفر، رحيل، رحلة، تنقل في البالد، أما اصطالحا فهو االنتقال من مكان إلى آخر في رحلة قصيرة أو طويلة في مسافتها أو مدتها ألي سبب من الأسباب. عثامنية لخميس ي، نفس المرجع، ص .34 - 169 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة
إرهابية إن الحرية الشخصية مكفولة دستوريا، وال يمكن للمشرع التدخل في تنظيمها بطريقة تنال من جوهرها من جهة، ومن جهة ثانية إذا كان الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحق أنها سلطة تقديرية، طبعا ما لم يقيده الدستور بضوابط معينة، فإنه عند تدخله ينبغي أال يمس بجوهر هذا الحق وأن يك ون تقيده له وفقا للضوابط الدستورية. هذا وقد نصت المادة 34 فقرة أخيرة من الدستور على أنه "تحقيقا لألمن القانوني، تسهر الدولة، عند وضع التشريع المتعلق بالحقوق والحريات، على ضمان الوصول إليه ووضوحه واستقراره. وعليه فإن الأمن القانوني مقتض ى دستوري في التشريعات ذات الصلة بالحقوق والحريات وهو يقوم على عدة عناصر أو مقومات، أساسها صياغة النصوص الجنائية بأسلوب قانوني مع ضمان الوصول للنص الجنائي وضمان الدقة والوضوح في النصوص هذه، حيث قيل" إن إهمال المشرع في ضبط النصوص العقابية بما يحدد مقاصده منها بصورة ينحسم بها كل جدل حول حقيقتها، يفقد هذه النصوص وضوحها ويقينها، وهما متطلبان فيها، فال تقدم - 170 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة للمخاطبين بها إخطارا معقوال بما ينبغي عليهم أن يدعوه أو يأتوه من الأفعال 1 التي نهاهم المشرع عنها أو طلبها منهم" . فهل تحقق صياغة المادة 87 مكرر 11 متطلبات الأمن القانوني السيما من حيث الدقة والوضوح؟ هذا ما سنجيب عليه من خالل المطلب الأول والثاني.
يتطلب الركن المادي للجريمة 2 ، قيام الجزائري أو الأجنبي المقيم بالجزائ ر بالسفر 3 من الجزائر إلى دولة أخرى. فقد جعل المشرع السلوك االجرامي هو السفر في حد ذاته دون تمييز بين السفر بطريقة قانونية عن السفر غير المشروع (الفرع الأول) ودون تحديد لنقطة االنطالق أو وجهة الوصول (الفرع الثاني). 1مروان محمد محروس المدرس، رقابة القضاء الدستوري على الصياغة التشريعية، المؤتمر السنوي الرابع للقانون، مجلة كلية القانون الكويتية العاملية، العدد 2 الجزء الأول ، مايو 2017 ص.510 -2 الركن المادي للجريمة هو سلوك إجرامي، بارتكاب فعل جرمه القانون أو االمتناع عن فعل أمر به القانون، ويتحقق الركن المادي للجريمة بكل ما يدخل في كيانها وتكون له طبيعة مادية تلمسه الحواس. -3 لم يعرف المشرع الجزائري المقصود بالسفر في نص المادة 87 مكرر 11 من قانون العقوبات، وبالرجوع للقانون رقم 11/08املتعلق بشروط دخول الأجانب إلى الجزائر وإقامتهم بها وتنقلهم فيه، وكذا القانون رقم 14/03 المتعلق بسندات ووثائق السفر فإنه لم يورد تعريفا للسفر أيضا، مما يجعلنا نتبنى المعنى اللغوي له في بعض دالالته لتطابق المعنى اللفظي لنص المادة 87 مكرر 11 والمعنى اللغوي في مفهوم التنقل لدولة أخرى. - 171 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة
لم يكتف المشرع بعدم تحديد المقصود من السفر المجرم قانونا في ظل أحكام المادة 87 مكرر 11 من قانون العقوبات أو النصوص القانونية ذات الصلة، بل أيضا لم يميز بين السفر القانوني والسفر غير القانوني، وهو الفعل المجرم بموجب أحكام قانون العقوبات، حيث استحدث المشرع الجزائري ضمن قانون العقوبات بموجب القانون رقم 01/09 المؤرخ في 25 فيفري 2009 1 ، قسم ثامن بعنوان الجرائم المرتكبة ضد القوانين واألنظمة المتعلقة بمغادرة التراب 2 الوطني. 1 القانون رقم 01/09، المؤرخ في 29 صفر عام 1430 ه الموافق 25 فبراير 2009، يعدل ويتمم الأمر رقم 156/66 المتضمن قانون العقوبات، الجريدة الرسمية عدد 15، سنة 2009، الصادرة بتاريخ 8 مارس .2009 2 وقد جاءت أحكام المادة 175 مكرر 1 لتجريم فعل الهجرة غير الشرعية بنصها على أنه "دون الإخالل باألحكام التشريعية الأخرى السارية المفعول، يعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وبغرامة من 20000 إلى 60000 دج أو بإحدى هاتين العقوبتين كل جزائري أو أجنبي مقيم يغادر الإقليم الوطني بصفة غير شرعية أثناء اجتيازه أحد مراكز الحدود البرية أو البحرية أو الجوية، وذلك بانتحاله هوية أو باستعماله وثائق مزورة أو أي وسيلة أخرى للتملص من تقديم الوثائق الرسمية الالزمة أو من القيام باإلجراءات التي توجبها القوانين واألنظمة السارية المفعول. وتطبق نفس العقوبة على كل شخص يغادر الإقليم الوطني عبر منافذ أو أماكن غير مراكز الحدود". - 172 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة من خالل استقراء أحكام المادة 175 مكرر 1 من قانون العقوبات يتبين لنا أن المادة تطبق على الجزائري واألجنبي المقيم بالجزائر دون أن تختلط بغيرها من الجرائم، ويكون السفر إما:
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة ألماكن النزاعات المسلحة وفقا ملا ورد في قرار مجلس الأمن، وكذلك السفر أو الدخول للجزائر ألغراض الإرهاب خالفا لبعض التشريعات المقارنة، إذ نجد قانون العقوبات البلجيكي لسنة 2015 جرم بموجب المادة 140سادسا المضافة بموجب تعديل قانون العقوبات لسنة 2015 قيام الشخص بمغادرة الإقليم البلجيكي بغرض ارتكاب في بلجيكا أو الخارج الجرائم المنصوص عليها في المادة 173، والمادتين 140و141 من غير تلك التي استثناها النص، بينما جرم في الفقرة الثانية الدخول لإلقليم الوطني بغرض ارتكاب في بلجيكا أو الخارج الجرائم 1 المنصوص عليها في نفس المواد من غير تلك التي استثناها في النص. لكن بالرجوع الى القواعد العامة التي تحكم تطبيق قانون العقوبات من حيث المكان وعلى وجه الخصوص تطبيق مبدأ الإقليمية، فان اغفال المشرع
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة المذكور ال يعدو أن يكون سوى مجرد سهو ويبقى نص التجريم قابال في هذه الحالة للتطبيق طبقا ملبدأ الإقليمية. أيضا بالرجوع لقرار مجلس الأمن رقم 2178 لسنة 2014 نجد أنه أعطى صور أخرى للسفر المجرم قانونا، ويتعلق الأمر ليس باالنتقال من دولة الجنسية أو الإقامة للدولة الأخرى بقصد أو بغرض ذو صلة بأفعال إرهابية، وإنما حتى العبور عبر الدولة لدولة أخرى أو االنتقال ملناطق النزاعات المسلحة، إذ أكد مجلس الأمن في القرار عن قلقه إزاء إنشاء الإرهابيين والكيانات الإرهابية ُ لشبكات دولية تربط بين دول المنشأ والعبور والمقصد وينقل من خاللها ذهابا وإيابا المقاتلون الإرهابيون الأجانب والموارد الالزمة لدعمهم، وهي الصور التي لم يجرمها المشرع الجزائري، مما يقتض ي أن يشمل التجريم السفر أي كانت الوجهة ُ َ ُ َ َ وسواء كان الغرض هو ارتكاب الأفعال الإرهابية في دولة المسافر منها أ و المسافر إليها، أو حتى للدول التي تعد مجرد مكان عبور، كون هدف التجريم وقائي بالدرجة الأولى ملا تشكله هذه الفئة الجديدة من المقاتلين من خطر، وهو ما كرسه تقرير الأمين العام لألمم المتحدة السابع بشأن التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة الإسالمية في العراق والشام للسلم واألمن الدوليين ونطاق الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة دعما للدول الأعضاء في مكافحة هذا التهديد بتاريخ 16 أوت 2018، حيث أشار التقرير إلى ت وقف تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب من االلتحاق بتنظيم الدولة الإسالمية في العراق والجمهورية العربية السورية، لكن التدفق العكس ي وإن كان أبطأ من المتوقع ال يزال يشكل تحديا خطيرا، ومن - 175 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة الأمثلة التي تظهر أهمية تجريم السفر أو الدخول للدولة ألغراض الإرهاب ما حدث في عين أمناس "تغنتورين" بتاريخ 16 جانفي 2013 حيث ثبت دخول جماعة إرهابية متكونة من 23 إرهابي المنطوية تحت قيادة زعيم التنظيم مختار بلمختار من الحدود الجزائرية اللبيبة على متن سيارات رباعية الدفع من أجل 1 تنفيذ العملية الإرهابية .
حرية التنقل إن جريمة السفر ألغراض ذات صلة بأفعال الإرهاب جريمة عمدية، يلزم لتحققها توافر القصد الجنائي العام بعنصريه العلم واإلرادة، وهذا بإدراك الجاني ملاهية أفعاله وعلمه بأن السفر لدولة أخرى ألغراض ذات صلة بأفعال إرهابية يشكل فعل غير قانوني، مع اتجاه إرادة الفاعل المعتبرة قانونا عن حرية واختيار الرتكاب الفعل. غير أن المشرع الجزائري لم يكتف في هذه الجريمة بالركن المعنوي متمثال في العلم واإلرادة، وإنما جعل الغرض من السفر ركنا مميزا لها ضمانا ألهم الحقوق والحريات المكرسة دستوريا، السيما منها حرية التنقل. -1 ما حدث في تيقنتورين يوم 16 يناير 2013، مقال تم تصفحه بتاريخ 2022/04/22 على الساعة 19:30 د، منشور بالموقع االلكتروني: www.maghrabvoice.com https: - 176 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة في هذا السياق، نص التقرير التفسيري للبرتوكول الإضافي التفاقية مجلس أوروبا بشأن الوقاية من الإرهاب بتاريخ 22 أكتوبر 2015 1 صراحة على أنه يجب أن ترتكب هذه الجرائم بصفة عمدية مع اشتراط عنصر إضافي يتمثل إما في 2 الأغراض الإرهابية، أو المعرفة باألغراض الإرهابية وهو ما قد يستشف أيضا من صياغة المادة 87 مكرر 11 من قانون العقوبات، فالجريمة وفقا لهذا النص ال تقوم إال إذا كان الغرض منها هو ارتكاب الأفعال الإرهابية (الفرع الأول)، أو التحضير لألفعال الإرهابية (الفرع الثاني).
يندرج ضمن تنفيذ الأفعال الإرهابية كغرض حالتين معاقب عليهما بالمادة 87 مكرر 11 وهما: ارتكاب الأفعال ا إلرهابية (أولا)، والمشاركة في الأفعال الإرهابية (ثانيا). 1 مجموعة مواثيق مجلس أوروبا رقم 217، الموقع االلكتروني: https://rm.coe.int 2 الفقرة 28 – فضال عن ذلك يجب أن ترتكب الجرائم "عمدا "حتى يتسنى تحميل مرتكبيها المسؤولية الجنائية وأن المعنى الدقيق ملصطلح "عمدا "يجب أن يطابق التأويل المتبنى في القانون الداخلي وبغض النظر عن الشرط العام المرتبط بضرورة ارتكاب الجريمة عمدا فإن الجرائم المنصوص عليها في المواد 2إلى 6 تشترط عنصرا إضافيا يتمثل إما في الأغراض الإرهابية "وفقا لتعريفها في المواد 2إلى 4 " أو المعرفة باألغراض الإ رهابية " وفقا لتعريفها في المادتين 5 و.6 - 177 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة
تقوم الجريمة متى كان السفر بغرض ارتكاب أي فعل يستهدف أمن الدولة والوحدة الوطنية والسالمة الترابية واستقرار المؤسسات وسيرها العادي من خالل الأفعال المنصوص عليها في المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، وبالتالي تطبيقا ملبدأ الشرعية الجنائية إذا كان الفعل ولو صنف أنه فعل إرهابي وفقا لقوانين الدولة الأخرى إال أنه غير مجرم وفقا ألحكام القانون الجزائري، فإن السفر إلى الدولة الأخرى الرتكابه ال يقع تحت طائلة التجريم.
تخضع ألحكام المساهمة الجنائية في ارتكاب الجريمة المنصوص والمعاقب عليها بموجب المواد 42 و43 و44 من قانون العقوبات، حيث يعد شريكا في الجريمة من لم يشترك اشتركا مباشرا لكنه ساعد بكل الطرق أو عاون الفاعل على ارتكاب الأفعال التحضيرية أو المسهلة أو المنفذة لها مع علمه بذلك، أو اعتاد تقديم مسكن أو ملجأ أو مكانا لالجتماع لواحد أو أكثر من الأشرار الذين يمارسون اللصوصية أو العنف ضد أمن الدولة أو الأمن العام أو ضد الأشخاص أو الأموال، مع علمه بذلك، أين توقع عليه ذات العقوبات المقررة للفاعل الأصلي. - 178 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة
يندرج ضمن تحضير الأفعال الإرهابية كغرض جملة من الأفعال المجرمة بموجب المادة 87 مكرر 11 من قانون العقوبات، والتي يمكن اعتبارها عمال تحضيريا الرتكاب أفعال إرهابية وهي:
وتقوم بكل سلوك مادي يتمثل في قيام الجاني بأي عمل من أعمال التجهيز أو التحضير أو التهيئة الرتكاب جريمة إرهابية حتى ولو لم يتعدى عمله هذا إلى مرحلة التنفيذ، وهو من قبيل تجريم الأفعال التحضيرية بصفتها جريمة مستقلة بغض النظر عن ارتكاب الجريمة الإرهابية.
يقوم السلوك المجرم بكل فعل يتحقق به بأي وسيلة، مباشرة أو غير مباشرة تدريب الأفراد على الأفعال الإرهابية، وبحسب نصوص القوانين المقارنة، صنع أو استعمال الأسلحة أو تعليم فنون حربية أو أساليب قتالية أو تقنية أو مهارات أو حيل أو غيرها من الوسائل أيا كان شكلها الستخدامها في ارتكاب جريمة إرهابية، كما أن تلقي التدريب ألغراض إرهابية يمكن أن يتم بشكل شخص ي عبر المشاركة في مخيم للتدريب تنظمه جمعية أو جماعة إرهابية، والمشاركة في أنشطة قانونية كالحصول على دروس في الكيمياء في الجامعة أو دروس في تعلم الطيران أو تلقي تدريب عسكري تقدمه الدولة إذ يمكن أن يعتبر - 179 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة بمثابة ارتكاب غير شرعي لجريمة تلقي تدريب ألغراض الإرهاب إذا ما تم إثبات أن للمتلقي النية الإجرامية الستخدام التدريب المحصل عليه من أجل ارتكاب 1 جريمة إرهابية.
لقد أظهرت دراسة جريمة السفر المرتبط بأعمال إرهابية كنموذج للتجريم االستباقي أو الوقائي مواجهة المشرع الجزائري لظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب وتجريمه للسفر بغرض االنضمام للجماعات الإرهابية واألفعال ذات الصلة به في المادة 87 مكرر 11 أنه التزم إلى حد بعيد بقرار مجلس الأمن رقم 2178، وذلك في تحديد أركان الجريمة والعناصر المميزة لها وكذا الأحكام المنطبقة عليها، ومع ذلك أبرزت الدراسة بعض مواضع العموم وعدم الدقة في الصياغة التي تثير التساؤل عن المعنى المراد من المشرع، والتي يمكن اجمالها فيما يلي:
الصلة، كاملادة 87 مكرر 3 المتعلقة بإنشاء أو تنظيم جماعة تنشط في إطار الأفعال الإرهابية، والمادة 87 مكرر 4 الخاصة بتمويل وتشجيع هذه الأفعال، والمادتين 87 مكرر 13 و87 مكرر 14 المتعلقتين بتصنيف الأشخاص أو الكيانات 1 التقرير التفسيري للبرتوكول الإضافي إلى اتفاقية مجلس أوروبا بشأن الوقاية من الإرهاب بتاريخ 22أكتوبر 2015 فقرة 40 و.41 - 180 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة ُ ُ ُ الإرهابية، يالحظ أن جميعها تحيل صراحة إلى المادة 87 مكرر التي تحدد المقصود باألفعال االرهابية. ُ ّ غير أن المادة 87 مكرر 11 التي تجرم السفر ألغراض إرهابية لم تتضمن هذه ً ً الإحالة، مما يطرح تساؤال جوهريا حول ما إذا كان المقصود بالفعل الإرهابي في هذه المادة يخضع لتعريف المادة 87 مكرر أم ال؟
ُ عليها في المادة 87 مكرر 11 من قانون العقوبات، مما يفهم منه أن المشاركة المقصودة تخضع ألحكام المساهمة الجنائية العامة الواردة في المواد 42 و43 و44 من نفس القانون . غير أن هذا يطرح التساؤل التالي: إذا كانت المشاركة تندرج أص ال ضمن القواعد العامة، فما الجدوى من تجريمها بنص خاص في المادة 87 مكرر 11؟
صراحة على تجريم محاولة السفر ألغراض إرهابية، رغم أن المحاولة في الجنايات ً تخضع أصال وفقا للقواعد العامة لنفس العقوبة المقررة للجريمة التامة، على خالف بعض التشريعات المقارنة التي تقرر عقوبات مختلفة للمحاولة، ومن ثم فان ادراج هذا الحكم ال مبرر له وال يضيف أي جديد من حيث االثر القانوني. وفي ضوء ما سبق، فإن معالجة هذه النقائص تتطلب من المشرع مراجعة صياغة المادة 87 مكرر 11 بما يضمن تحقيق التوازن المطلوب بين متطلبات مكافحة الإرهاب من جهة، وضمان الأمن القانوني من جهة أخرى . ً وبناء على ذلك، نقترح جملة من التوصيات التي من شأنها تجاوز أوجه القصور القائمة، وتعزز فاعلية النصوص القانونية والمتمثلة في: - 181 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة
الأمن وتكريسا ملبدأ الشرعية الجنائية، ألن الدقة في صياغة النصوص القانونية أمر ضروري وحتمي حتى ال يفتح المجال للتأويل والتفسير، خاصة او أن المشرع استعمل مصطلحات عامة يمكن أن يندرج تحتها أكثر من معنى. .2 إن قرار مجلس الأمن صاغ صور للطرق المعتمدة من المقاتلين الإرهابيين الأجانب للسفر مما يقتض ي النص صراحة على تجريم فعل تنظيم السفر القانوني أو جعله ظرفا مشدد للعقوبة، كأن تكون المادة "يعاقب بنفس العقوبة كل تنظيم للسفر إلى دولة أجنبية بغرض ارتكاب الأفعال المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة، وتضاعف العقوبة إذا كان التنظيم من الهيئات أو الأشخاص المخول لهم بموجب القوانين السارية المفعول تنظيم السفر أ و جزء منه".
في نصوص التجريم أو في النصوص ذات الصلة بموضوع الجريمة تدابير قادرة على منع ا إلرهابيين من استخدام الأراض ي الجزائرية كقواعد للتجنيد والتدريب والتخطيط والتحريض وشن العمليات الإرهابية ضد الدول الأخرى، وبالتالي عدم االقتصار على تجريم السفر للخارج بل حتى للداخل في إطار تنفيذ أو تدبير عمليات إرهابية ضد دول أخرى أو مجرد العبور عبر التراب الوطني لذات الأغراض. - 182 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة .4 يبد وا مؤكدا أن مواجهة الظاهرة الإرهابية بأشكالها المتطورة يتطلب أحيانا خروجا عن القواعد العامة في التجريم بكون العقوبة هي وليدة الجريمة، وهذا بأن يكون التجريم بشكل استباقي لحد وث الجريمة على غرار تجريم السفر، حيث يسهم هذا التجريم في الحد من الظاهرة الإرهابية ومواجهة أولى حلقاتها قبل أن تتجاوزها إلى ارتكاب الفعل الإرهابي. - 183 -
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة
الكتب: .1 عثامنية لخميس ي، السياسة العقابية في الجزائر على ضوء المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، دار هومة، الجزائر، .2012 .2 نظام توفيق المجالي، شرح قانون العقوبات القسم العام، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، سنة .2009 الرسائل .1 عبده يحيى محمد الشاطبي، مبدأ شرعية التجريم والعقاب -دراسة مقارنة- جزء من متطلبات نيل درجة الماجستير في القانون الجنائي، كلية القانون بجامعة بابل، سنة .2001 المقاالت .1 رنا ابراهيم العطور، جريمة تعرض الغير للخطر في قانون العقوبات الفرنس ي مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والقانونية، المجلد 8 عدد 2، يونيو .2011 ص من .174-149 .2 مروان محمد محروس المدرس، رقابة القضاء الدستوري على الصياغة التشريعية، المؤتمر السنوي الرابع للقانون، مجلة كلية القانون الكويتية العاملية، العدد 2 الجزء
تجريم السفر المرتبط باألعمال الإرهابية: نموذج للتجريم الوقائي كصورة من صور السياسة الجنائية المعاصرة ثانيا/المراجع باللغة الأجنبية: 1. Jeorge Lamarque, Légalité Constitutionnel et Contrôle Juridictionnel Des Actes Pris Vertu de L’Article 16, S-J, France, 1962. 2. Patrick Waschsman , Les Droit de L’Homme , Dalloz , 5e édition , France.2008. 1999.I.208، J.C.P ”,esprit’l et lettre La ’,danger en mise‘ de litd Le “ : MALBAT V. 3. - 185 -