مجلة الحقوق والحريات المجلد 14، العدد 2 السنة 2026، ص-113ص138 السياسة الأمنية الجزائرية تجاه منطقة الساحل الإفريقي: دراسة في التوفيق بين الأولويات الوطنية والمقتضيات الجيوأمنية الإقليمية " Algerian Security Policy Toward the Sahel Region : Balancing National Priorities and Regional Geosecurity Imperatives." بورقبة عبد الصم د ( 1) رباح منال اسمهان (2) ( 1) جامعة حسيبة بن بوعلي - الشلف ( الجزائر ) [email protected] ( 2) جامعة حسيبة بن بوعلي - الشلف (الجزائر) [email protected] مخبر اصالح السياسات العربية في ظل تحديات العوملة. تاريخ االرسال: تاريخ القبول: تاريخ النشر : 2026 /10 /31 2026 /09 /28 2026 /04 /22 الملخص: تتناول هذه الدراسة السياسة الأمنية الجزائرية في ظل التفاعالت المتسارعة بمنطقة الساحل الإفريقي، حيث تسعى المقاربة الجزائرية إلى إيجاد توازن دقيق بين الأولويات الوطنية السيادية وحماية الحد ود، وبين المقتضيات الجيو-أمنية التي يفرضها فضاء الساحل المتسم بالهشاشة الأمنية والتهديدات العابرة للحدود. حيث تنطلق هذه الدراسة من إشكالية التكيف االستراتيجي للجزائر مع تحوالت البيئة الإقليمية، مع تسليط الضوء على مبادئ عقيدتها الأمنية القائمة على عدم التدخل، وفي المقابل، تفعيل أدوار الدبلوماسية الأمنية والمبادرات الجماعية ملواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة. تهدف الدراسة إلى تحليل قدرة الفاعل الجزائري على صياغة رؤية أمنية استباقية تضمن استقرار عمقها االستراتيجي في منطقة الساح ل . المؤلف المرسل : بورقبة عبد الصمد 113
السياسة الأمنية الجزائرية تجاه منطقة الساحل الإفريقي : دراسة في التوفيق بين الأولويات الوطنية والمقتضيات الجيوأمنية الإقليمية.
ملخص البحث الأكاديمي (Abstract)
الملخص: تتناول هذه الدراسة السياسة الأمنية الجزائرية في ظل التفاعلات المتسارعة بمنطقة الساحل الإفريقي، حيث تسعى المقاربة الجزائرية إلى إيجاد توازن دقيق بين الأولويات الوطنية السيادية وحماية الحدود، وبين المقتضيات الجيو-أمنية التي يفرضها فضاء الساحل المتسم بالهشاشة الأمنية والتهديدات العابرة للحدود. حيث تنطلق هذه الدراسة من إشكالية التكيف الاستراتيجي للجزائر مع تحولات البيئة الإقليمية، مع تسليط الضوء على مبادئ عقيدتها الأمنية القائمة على عدم التدخل، وفي المقابل، تفعيل أدوار الدبلوماسية الأمنية والمبادرات الجماعية لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة. تهدف الدراسة إلى تحليل قدرة الفاعل الجزائري على صياغة رؤية أمنية استباقية تضمن استقرار عمقها الاستراتيجي في منطقة الساحل.
عبد الصمد, بورقبة، "السياسة الأمنية الجزائرية تجاه منطقة الساحل الإفريقي : دراسة في التوفيق بين الأولويات الوطنية والمقتضيات الجيوأمنية الإقليمية."، مجلة الحقوق والحريات، مجلد 14، عدد 2، ص ص 113-138.
متن الدراسة والتحليل الفقهي
26 صفحات مرقمةوالمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية الكلمات المفتاحية: السياسة الأمنية الجزائرية - الأمن القومي - منطقة الساحل - الفضاء الجيوأمني - العمق االستراتيجي - التهديدات العابرة للحدود - العقيدة الأمنية. Abstract: This study examines Algerian security policy amidst the accelerating dynamics of the African Sahel region. The Algerian approach seeks to strike a delicate balance between sovereign national priorities—centered on border protection—and the geosecurity imperatives imposed by a Sahelian space characterized by fragility and transnational threats. The research addresses the problem of Algeria's strategic adaptation to regional transformations, highlighting its security doctrine of non-interference while simultaneously activating security diplomacy and collective initiatives to combat terrorism and organized crime. The study aims to analyze the Algerian actor’s capacity to formulate a proactive security vision that ensures the stability of its strategic depth in the Sahel. key words: Algerian Security Policy - National Security - The Sahel Region - Geosecurity Space - Strategic Depth - Transnational Threats - Security Doctrine.
ً ً ً تفرض التحوالت المتسارعة في البيئة الجيوسياسية المحيطة بالجزائر واقعا أمنيا معقدا، دفع بصناع القرار االستراتيجي إلى إعادة قراءة معطيات الأمن القومي وتكييفها مع مقتضيات المرحلة. فبين انسحاب القوى التقليدية (فرنسا) وتنامي الأدوار الدولية الجديدة ( روسيا) في مالي، وبين التغيرات الج وهرية في توازنات المنطقة المغاربية إثر التحالفات االستراتيجية المستحدثة (المغربية-الإسرائيلية)، وجدت الجزائر نفسها أمام ّ تحديات مركبة تتجاوز الأبعاد الظرفية لتمس جوهر استقرار الدولة ومكانتها الإقليمية. ً وبناء عليه، انتقلت المقاربة الأمنية الجزائرية من حماية الحدود بمفهومها التقليدي إلى صياغة استراتيجية شاملة تزاوج بين تعزيز القدرات العسكرية وتحديث العقيدة الدفاعية، وبين الدبلوماسية النشطة القائمة على الحلول الإفريقية المستدامة . 114
أهمية الموضوع : تستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تبحث في "ديناميكية التكيف" لدى الدولة الجزائرية تجاه بيئة إقليمية مضطربة وغير مستقرة . كما تكمن قيمتها العلمية في رصد التحول في الفكر االستراتيجي الجزائري، وكيفية موازنته بين مبادئه التاريخية (مثل عدم التدخل) وبين ضرورة االستجابة االستباقية للتهديدات العابرة للحدود في فضاء الساحل والمغرب العربي. إشكالية الدراسة : تتمحور إشكالية الدراسة حول التساؤل الجوهري التالي : إلى أي مدى استطاعت السياسة الأمنية الجزائرية التكيف مع التحوالت الجيوأمنية الراهنة في منطقة الساحل والمحيط الإقليمي، وكيف وفقت بين مقتضيات العقيدة الدفاعية الكالسيكية وضرورات م واجهة التهديدات الهجينة والتدخالت الدولية ؟ ويتشعب عن هذه الإشكالية تساؤالت فرعية حول طبيعة التطور في الفكر العسكري م ج ل ة الجزائري، ومدى نجاعة الثنائية بين القوة الصلبة والناعمة في احتواء الأزمات الحدودية. ا ل المنهج المتبع : ح ق و لتحليل هذه الظاهرة، تعتمد الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي لرصد وتحليل أبعاد ق و ا ل السياسة الأمنية، كما تستعين ب اقتراب "المدرسة الواقعية" في العالقات الدولية لتفسير ح ر سلوك الدولة في الحفاظ على أمنها القومي وسط توازن القوى الإقليمي، باإلضافة إلى ي ا ت التحليل الجيوسياس ي لربط الجغرافيا بالمتغيرات الأمنية في ف ضاء الساحل . 115
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية
للساحل . ال يمكن فهم التحوالت الراهنة في السياسة الأمنية الجزائرية دون الغوص في تفاعالت البيئة الجيوأمنية المحيطة بها، والتي شهدت خالل العقد الأخير إعادة تشكيل جذرية ملوازين القوى . إن هذا المبحث يسعى إلى تفكيك المشهد الأمني في فضاء الساحل والمحيط المغاربي، ليس كحالة استاتيكية، بل كديناميكية متغيرة فرضت على الفكر االستراتيجي الجزائري تحديات غير مسبوقة. ً سنتناول في هذا المبحث رصد القوى الفاعلة الجديدة في المنطقة، بدءا من إعادة تموضع ً القوى الدولية الكبرى وتأثيراتها على السيادة الإقليمية، وصوال إلى التحوالت الهيكلية في التحالفات الجيوسياسية المتاخمة للحدود الجزائرية. ومن هذا المنطلق، سيتم تقسيم هذا المبحث إلى مطالب أساسية تستعرض طبيعة ً التهديدات المركبة، وكيفية انعكاسها على ترتيب أولويات الأمن القومي الجزائري، تمهيدا لفهم آليات التكيف والدفاع التي تبنتها الدولة في مراحل الحقة من الدراسة .
شهدت منطقة الساحل الإفريقي تحوالت هيكلية عميقة، بدأت بانهيار ا الستقرار الإقليمي نتيجة التدخالت العسكرية المباشرة خاصة في ليبيا (2011) ومالي (2013) مما أسس ملرحلة 'عسكرة السلوك الدولي في المنطقة. هذه التدخالت، التي تفتقر في كثير من جوانبها إلى الغطاء الأخالقي والمشروعية الدولية، أدت إلى تآكل فعالية التنسيق الأمني الإقليمي، وأفسحت المجال لنشوء مبادرات ً أمنية خارجية (مثل الشراكة عبر الصحراء ومبادرات دولية أخرى)، وصوال إلى تشكيل قوة دول الساحل الخمس (Sahel G5) التي خضعت إلدارة وتوجيه فرنس ي . 116
أمام هذا الواقع المتغير في العمق االستراتيجي للجزائر، أضحى تحديث العقيدة ً ً العسكرية واألمنية ضرورة استراتيجية ملحة. ال يعني هذا التحديث تحوال جذريا في مبادئ الدولة، بل تبني 'مرونة استراتيجية' تسمح للجزائر باالنخراط الفاعل في التكتالت الإقليمية مع صون نزعتها االستقاللية. ويكمن جوهر هذا التحدي في الموازنة بين حماية الأمن القومي الضيق، وضر ورة التعاون الدولي ملجابهة التهديدات العابرة للحدود، مع إيالء أولوية قصوى ملعالجة الأسباب الجذرية لإلرهاب والتطرف عبر بوابة التنمية والحوكمة الرشيدة، بما يحقق استقرار المنطقة وفق تطلعات شعوبها في السيادة والتقدم.
لم تكن التحوالت الأمنية في الساحل مجرد أزمات داخلية، بل تعقدت بفعل التدويل العسكري للنزاعات. ويعد التواجد الروس ي في ليبيا أحد أبرز هذه المتغيرات الجيوأمنية التي أثرت بشكل مباشر على عمق الجزائر االستراتيجي. ففي تطور الفت، أكدت القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) في 26 ماي 2020 رصد تواجد عسكري روس ي مكثف م ج في ليبيا، تمثل في انتشار طائرات عسكرية في مناطق سيطرة القوات الموالية للواء المتقاعد ل ة ا ل خليفة حفتر، مع تركيز استراتيجي على قاعدة 'الجفرة' 1 ح ق و ً ً ق يمثل هذا التحرك الروس ي تحديا مركبا للسياسة الأمنية الجزائرية؛ فهو ال يعني و فقط تحول ليبيا إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوى الكبرى، بل يفرض على الجزائر ل ا ح ر تحديات جديدة تتعلق بضبط الحدود الجنوبية الشرقية، ومنع تس رب التوترات العسكرية ي ا ت إلى الداخل الجزائري، في ظل تزايد الضغوط الدولية إلنهاء حالة عدم االستقرار في الجارة الشرقية. 2 1 - علياء محمد عبد الجواد المنصوري، تأثير الأزمة الليبية على الأمن القومي لدول شمال أفريقيا، الجزائر أنموذجا (2021-2011)، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة الشرق الأوسط، 2021، ص 82 . 2 - عيدة قريد، "التدخل الروس ي في ليبيا"، مجلة المفكر، المجلد 18، العدد 01، 2023، ص 297 . 117
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية وفي السياق ذاته، لم تقتصر المخاوف الأمنية على التواجد العسكري النظامي فحسب، بل امتدت لتشمل الأدوار التي تلعبها الشركات العسكرية الخاصة ، فقد أكد الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، على مساعي روسيا ً الرامية إلى التعتيم على طبيعة وحجم تدخلها في ليبيا، مشيرا إلى أن الطائرات العسكرية التي تم رصدها كانت مخصصة لدعم عناصر مجموعة 'فاغنر*'، التي اتخذت من الأراض ي الليبية منصة لتعزيز حضورها الجيوسياس ي . ً ً ً يمثل وجود هذه المجموعة تحديا إضافيا للسياسة الأمنية الجزائرية، نظرا لطبيعة عملها التي تدمج بين المهام القتالية المباشرة، والدعم اللوجستي، واالستشارات الأمنية، مما يجعل من الصعب على الدول المجاورة ضبط التوازنات العسكرية في ظل وجود فاعل "غير دولتي" يمتلك قدرات جيش نظامي، ويمارس نفوذه في عدة ساحات إقليمية ودولية (أوكرانيا، سوريا، ودول الساحل الإفريقي".) "لم يقف تدخل مجموعة 'فاغنر' الروسية عند حدود الدعم اللوجستي والعسكري لقوات حفتر عبر تزويدها بمنظومات دفاع جوي وأسلحة متطورة بل أدى إلى تحويل ليبيا من مسرح نزاع داخلي إلى ساحة دولية معقدة. إن هذا التدويل للصراع، وما صاحبه من ارتفاع في وتيرة العنف، نت ج عنه تح ٍد استراتيجي مباشر للجزائر: تحول الأراض ي الليبية إلى س وق مفتوحة لتجارة الأسلحة، مما - الفاغنر: منظمة روسية شبه عسكرية، ظهرت إلى العلن حوالي سنة 2014، شاركت في عدة نزاعات دولية، من بينها أوكرانيا وسوريا وليبيا وبعض دول إفريقيا، حيث تقدم خدمات عسكرية تشمل التدريب والدعم اللوجستي واالستشارات الأمنية والمشاركة في العمليات القتالية، إضافة إلى مهام الحماية والدعم التقني للقوات المتحالفة معها. 118
أدى إلى تسرب كميات هائلة منها نحو دول الجوار الإفريقي، وهو ما فاقم من حدة التهديدات العابرة للحدود وأثقل كاهل السياسات الأمنية الإقليمية ".1
بافريل 2019 قام اللواء خليفة حفت ر بتحرك عسكري لشن عملية "بركان الغضب"2 بهدف السيطرة على العاصمة الليبية طرابلس وذلك لفرض واقع جديد بعد عملية سريعة تقدمت فيها قواته من الشمال الشرقي إلى قاعدة الجرفة بالجنوب والتي كانت مركزا لعملياته لبدأ الهجوم، ومع افتقار حكومة الوفاق بطرابلس للجهوزية واالستعداد، حيث سيطرت قوات حفتر على مدينتي (غريان وترهونة) جنوب طرابلس، غير أنه ومع المقاومة المنظمة من حكومة الوفاق تم منع قوات حفتر من التقدم إلى العاصمة واقتحامها ومع استمرار العمليات لم يحدث أي تغير ملموس. كان من أوائل الدول التي قدمت الدعم لخليفة حفتر الإمارات العربية المتحدة ومصر، ثم انضمت فرنسا الحقا إلى هذا المسار، فالدعم المصري كان قد بدأ منذ نحو عام م ج 2013 عبر تنفيذ سالح الجو المصري عمليات استطالع جو ي داخل الأراض ي الليبية وصلت ة ل ا ل ح إلى منطق ة الهالل النفط ي.3 ق و ق وبعد إط الق حفتر لعملي ة "الكرامة"، توسع الدور المصري ليشمل الدعم و ا االستخباراتي واللوجستي، حيث تواجدت عناصر استخباراتية مصرية في عدة مدن بشرق ل ح ر ي ا ت 1 - جيسون باك، المرتزقة واألسلحة في ليبيا، الطبعة الأولى، معهد الدراسات االستراتيجية، 2021، ص . 138–134
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية ليبيا مثل بنغازي والمرج والبيضاء وطبرق، بهدف رصد تحركات الجماعات المسلحة وتقييم قدراته ا.1 وقد تم تسجيل وجود مستشارين وضب اط إماراتيين في بعض القواعد العسكرية شرق ليبيا، مثل قاعدة الخروبة، فضال عن تزويد قوات حفتر بطائرات مسيرة أمريكية الصنع استخدمت في عمليات االستطالع وتحديد الأهداف خالل المعارك، بما في ذلك العمليات العسكرية المرتبطة بالهجوم على طرابلس.2
شهدت مالي سلسلة من االنقالبات العسكرية، بدأت في 18 أوت 2020 بإطاحة الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، الذي كان ينظر إليه على أنه مقرب من فرنسا. تبع ذلك انقالب ثان في 20 ماي 2021 قاده العقيد عاصمي غويتا، مما أدى إلى تعميق الأزمة السياسية وتصاعد التوتر مع الشركاء الغربيي ن3و هذه االنقالبات لم تكن مجرد تغيير في القيادة، بل عكست استياء شعبيا وعسكريا متزايدا من الفشل في معالجة التحديات الأمنية واالقتصادية، باإلضافة إلى شعور متنام بأن الوجود الفرنس ي لم يعد يخدم المصالح الوطنية المالية. في هذا السياق، بدأت السلطات االنتقالية في باماكو بالبحث عن بدائل استراتيجية، وهو ما وجدته في روسيا، التي قدمت نفسها كشريك "سيادي" ال يفرض شروطا تتعلق بالحوكمة أو حقوق الإنسان، بل يركز على مبدأ "الأمن مقابل الموارد". 1 - عالء فاروق، ليبيا بعد الصخيرات وأبعاد الدور المصري ، المعهد المصري للدراسات والسياسة االستراتيجية، القاهرة، 2016، ص 9 . 2 - ميهوب الراجحي، "من تسليح حفتر إلى إرشاء مبعوث أممي... تخبط إماراتي في ليبيا"، مجلة ميم ، العدد الأول، طرابلس، ديسمبر 2017، ص .3 3 - فوزي خلف هللا، الطاهر رياحي، "الوضع القانوني لشركة فاغنر في النزاع المالي على ضوء قواعد القانون الدولي"، مجلة أبحث قانونية وسياسية، المجلد 7، العدد 2، 2022، ص 330 . 120
بعد مغادرة القوات الفرنسية لقاعدة في تمبوكتو ضمن خطة تقليص القوات، تدخلت مجموعات روسية تابعة لشركة فاغنر، التي يديرها يفغيني بريغوزين المقرب من الرئيس فالديمير بوتين. ووفق تقرير Economist The، فقد انتشرت قوة متكونة من 450 فردا معظمهم مرتزقة من مجموعة فاغن ر1، مما يثير تساؤالت حول الوضع القانوني لشركة فاغنر وفق القانون الدولي. لقد أدى هذا التحول إلى خلق فراغ أمني وسياس ي سارعت موسكو مللئه، مستفيدة من تراجع النفوذ الغربي وتزايد السخط الشعبي ضده. هذا التموضع الروس ي لم يكن وليد اللحظة، بل جاء ضمن استراتيجية روسية أوسع إلعادة تأكيد نفوذها في القارة الأفريقية، وتحدي الهيمنة الغربية، وخاصة الفرنسي ة، في مناطق نفوذها التقليدية. تسعى موسكو إلى كسر االحتكار الغربي، والفرنس ي تحديدا، في منطقة الساحل من خالل تقديم نفسها كشريك "سيادي" يحترم إرادة الأنظمة المحلية، تهدف روسيا إلى إظهار عجز النماذج الأمنية الغربية عن تحقيق االستقرار، وبالتالي تعزيز مكانتها كقطب موازن في م ج نظام دولي متعدد الأقطاب، ويعد الخطاب المناهض لالستعمار أداة فعالة في هذا السياق ل ة ا ل لكسب التأييد الشعبي والمؤسس ي، حيث تستغل روسيا الإرث االستعماري الفرنس ي لتأجيج ح ق و المشاعر المعادية للغرب وتقديم نفسها كمحرر من الهيمنة الأجنبية. ق و
ل ح ر تأسست مجموعة فاغنر سنة 2014 على يد ضابط االستخبارات العسكرية ي ا ت الروسية ديميتري أوتكين، وبرز دورها في شرق أوكرانيا خالل أزمة .2014 وقد شاركت في العمليات داخل شبه جزيرة القرم ومناطق دونباس ولوغانسك دعما لالنفصاليين الموالين لروسيا ضد الحكومة الأوكرانية. وتشير تقارير إلى ارتباط غير معلن بينها وبين االستخبارات العسكرية الروسية من حيث التمويل واإلشراف، خاصة مع وجود مركز تد ريب لها في مولكينو قرب قاعدة عسكرية روسية. ورغم نفي موسكو أي عالقة رسمية، فإن اعتمادها 1 - فوزي خلف هللا، المرجع نفسه، ص 334 . 121
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية على فاغنر في العمليات الحسا سة يتيح لها تقليل الضغوط والمسؤولية الدولية. كما ترفض روسيا تقنين هذه الشركات في قوانينها الداخلية رغم استخدامها المتكر ر.1 وقد تم االتفاق على نشر ما بين 500 إلى 1000 عنصر من مرتزقة الفاغنر يتراوح أعمارهم ما بين 23 إلى 45 سنة في مالي، ومن ثم بدأت حملة توظي فهم. واعتمادا على التقارير الرسمية لألمم المتحدة ومنظمات حقوق االنسان، فقد توجهت الفاغنر ملناطق النزاع من أجل مجموعة من الأهداف أهمه ا:2 - تحقيق مكاسب اقتصادية عبر استغالل حاالت التوتر وعدم االستقرار داخل بعض الدول الإفريقية. - توظيف شعار مكافحة الإرهاب كوسيلة للسيطرة على الأوضاع الأمنية والسياسية. - دعم الأنظمة والحكومات التي تتبنى مواقف متقاربة أو موالية لروسيا.
الرسمية، بما يتيح بناء عالقات وتأثير غير مباشر داخل المجتمع الدولي.
انتقلت االستراتيجية الروسية في الساحل من االعتماد على الشركات العسكرية الخاصة غير الرسمية إلى هيكل أكثر تنظيما يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وهو ما يعرف ب "فيلق أفريقيا" (Corps Africa) ويتركز هذا التواجد بشكل أساس ي في دول "تحالف دول الساحل" (AES) التي تضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو. 1 - لعساوي كريمة،" دور الشركات الأمنية العسكرية الروسية الخاصة "فاغنر" في إفريقيا: نموذج ليبيا"، المجلة الجزائرية للدراسات السياسية ، المجلد 09، العدد 01، 2022، ص ص 364–378 ، 2 - لعساوي كريمة، مرجع سابق، ص 371 . 122
وتعتمد موسكو في تمددها على ثالثة أدوات رئيسية : .1األداة العسكرية واألمنية : تقديم الدعم المباشر لألنظمة العسكرية في مواجهة الجماعات الجهادية والحركات االنفصالية، وتزويدها بأنظمة دفاعية وطائرات مسيرة متطورة، وهو ما أكدته تقارير معهد ستوكهولم الدولي ألبحاث السالم (SIPRI) حول زيادة صادرات الأسلحة الروسية ألفريقيا في عام .2025 .2األداة االقتصادية: التركيز على قطاع التعدين (الذهب واليورانيوم) والطاقة، حيث تسعى الشركات الروسية للحصول على امتيازات استخراجية مقابل الحماية الأمنية، وهو ما يسمى ب "مقايضة الأمن بالموارد". .3األداة الدبلوماسية واإلعالمية: استغالل المشاعر المعادية لالستعمار القديم لتعزيز القوة الناعمة الروسية وتقديم موسكو كشريك "غير مشروط" يحترم السيادة الوطنية . حتى عام 2026، تشير التطورات إلى استمرار هذا النفوذ رغم الضغوط الدولية م ج ومحاوالت الواليات المتحدة إعادة بناء الثقة مع السلطات االنتقالية في باماكو ل ة ا ل عبر أدوات "الدبلوماسية التجارية" ورفع بعض العقوبات الستعادة التعاون ح ق و االستخباراتي. ومع ذلك، يظل الوجود الروس ي حجر الزاوية في العقيدة الأمنية ق و ا ل الحالية ملالي، مما يعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية في منطقة الساحل ح ر الإفريقي بأكملها. ي ا ت
تتسم المقاربة الجزائرية إزاء التدخل الروس ي في منطقة الساحل بطابع تركيبي يبتعد عن االنحياز الثنائي، حيث تسعى الدبلوماسية الج زائرية إلى الموازنة بين مقتضيات عقيدتها السياسية الرافضة للتدخل الأجنبي، وضرورات الحفاظ على توازن القوى الإقليمي وأمنها القومي ، وفي ظل تراجع النفوذ الفرنس ي وبروز فاعلين دوليين جدد، تتبنى الجزائر استراتيجية استباقية ت تسم ب "الصمت 123
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية االستراتيجي" والتحركات الهادئة؛ وذلك لتعزيز مبدأ "الحلول الإفريقية للمشاكل ً الإفريقية"، والحيلولة دون تحول الساحل إلى بؤرة للصراع الدولي المفتوح، معتبرة ً ً المنطقة امتدادا حيويا لعمقها االستراتيجي الذي يستوجب إدارة دقيقة لتداعيات التواجد العسكري الروس ي بما يضمن استدامة االستقرار الإقليمي ويحفظ ريادة الجزائر .
الجزائر. على الرغم من عمق الروابط التاريخية والشراكة االستراتيجية التي تجمع الجزائر ً بروسيا، إال أن التدخل الروس ي في منطقة الساحل – وتحديدا عبر "مجموعة فاغنر" – قد ً ً أفرز تمايزا جوهريا في العقيدة الأمنية والسياسية بين الطرفين. ترفض الجزائر منطق ً "العسكرة" باالعتماد على الفاعلين غير الحكوميين، مفضلة انتهاج "دبلوماسية ناعمة" ترتكز على التنمية كأداة مستدامة لتحقيق االستقرار الإقليمي؛ وهو ما تجسد في ا لخطاب ً الرسمي الجزائري الذي انتقد توظيف الموارد المالية في تمويل المرتزقة بدال من توجيهها نحو مشاريع التنمية المحلية. ً وبناء عليه، يمثل التواجد العسكري الأجنبي (الروس ي والتركي) في الساحل وليبيا ً ً ً ً تحديا مباشرا للرؤية الجزائرية، حيث تضع الجزائر خطا فاصال بين عالقاتها الثنائي ة مع موسكو وبين معارضتها الصريحة ألي وجود عسكري أجنبي في عمقها االستراتيجي، كونه يهدد أمنها القومي ويقوض استقرار جوارها المباش ر.1 تجد الجزائر نفسها في وضع معقد؛ فهي ترتبط بشراكة استراتيجية تاريخية مع روسيا، لكنها في الوقت ذاته تنظر بعين الريبة إلى الدور الروس ي في حديقتها الخلفية ويمك ن تقسيم الموقف الجزائري إلى مستويين :
- الموقف الرسمي المعلن: تلتزم الجزائر بالدبلوماسية الهادئة، لكن الرئيس عبد المجيد تبون انتقد صراحة استخدام "المرتزقة" في المنطقة، معتبرا أن الحلول العسكرية البحتة ال تؤدي إال إلى تفاقم الأزمات. - الموقف الضمني والمخاوف الأمنية: تخش ى الجزائر من أن يؤدي النهج الروس ي العنيف في مالي إلى انهيار المسارات السياسية، وهو ما تجسد في إلغاء المجلس العسكري المالي ل "اتفاق الجزائر للسالم" في جانفي .2024 هذا الإلغاء، المدعوم ضمنيا بالغطاء الأمني الروس ي، دفع الجزائر نحو أزمة دبل وماسية حادة مع جيرانها الجنوبيين وصلت إلى حد سحب السفراء في أفريل 2025 بعد حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية على الحدود .
تتأرجح المقاربة الجزائرية تجاه التمدد الروس ي في الساحل بين ضبط النفس الدبلوماس ي الناجم عن إرث الشراكة االستراتيجية مع موسكو، وبين الضرورات الأمنية الملحة التي يفرضها استقرار الحدود الجنوبية . م ج ل ويمكن تلخيص مالمح هذا الموقف في الأبعاد التالية: ة ا ل
ق و ً ق التصادم المباشر مع روسيا، مفضلة النقد الضمني الذي يركز على "أولوية التنمية" مقابل و ا "عسكرة الحلول". يعكس هذا التوجه محاولة للحفاظ على قنوات التواصل مع موسكو، ل ح ر مع تسجيل موقف مبدئي رافض ملنطق االعتماد على الشركات الأمنية الخاصة (الفيلق ي ا ت الأفريقي) في إدارة أزمات المنطقة.
ً تح ٍد مباشر للنفوذ الجزائري؛ إذ منح هذا الوجود "المجلس العسكري المالي" غطاء للتمرد على االلتزامات الدولية، مما أدى إلى: 125
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية - التحلل من االتفاقيات: التخ لي الرسمي عن "اتفاقيات السلم والمصالحة" (اتفاق الجزائر 2015). - القطيعة السياسية: تدهور العالقات إلى حد توجيه اتهامات بالغة الحساسية ً ً للجزائر برعاية الإرهاب مطلع عام 2025، مما يعكس تحوال جذريا في ديناميكيات الساحل على حساب الدور الوسيط للجزائر. 1
أدى التواجد الروس ي إلى تغيير جذري في طبيعة التهديدات على الحدود الجنوبية الجزائرية، مما فرض تحديات غير مسبوقة على صانع القرار في الجزائر :
اضطرت الجزائر لزيادة إنفاقها العسكري وتكثيف تواجد قوات النخبة على طول الحدود الجنوبية ملواجهة تداعيات العمليات العسكرية الروسية-مالية المشتركة. معركة "تن زواتين" في يوليو 2024، التي شهدت مقتل العشرات من عناصر "فاغنر" والجيش المالي على مقربة من الحدود الجزائرية، كشفت عن هشاشة الوضع الأمني واحتمالية انتقال الصراع مباشرة إلى الأراض ي الجزائرية.2
تخش ى الجزائر من أن يؤدي سحق الحركات السياسية في شمال مالي (الأزواد) إلى إحياء النزعات االنفصالية الراديكالية، فغياب الحل السياس ي، الذي كانت الجزائر تضمنه عبر "اتفاق السلم والمصالحة"، يترك فراغا تملؤه الحركات المسلحة التي قد تستهدف العمق الجزائري في حال شعرت باليأس من المسارات الدبلوماسية. 3 1 - عبد الرحمن خرمازة، التوترات الجزائرية المالية: تحليل مقاربات نظرية وتحوالت استراتيجية في الأمن الإقليمي، 2025، ص .05 2 - جريدة الجنوب الكبير، الصادرة في: 01 أوت 2024، العدد 531، ص 12 . 3 - عبد السالم دخيل، مرجع سابق، ص 09 . 126
تسبب النهج العسكري الروس ي في موجات نزوح جماعي نحو الجنوب الجزائري ، هذا الضغط الديموغرافي يمثل عبئا اقتصاديا وتهديدا أمنيا محتمال عبر تسلل عناصر متطرفة، مما استوجب تشديد الرقابة الحدودية.
تتبنى الجزائر عقيدة صارمة ترفض تواجد القواعد العسكرية الأجنبية أو المرتزقة على حدودها، التواجد الروس ي، رغم كونه من "حليف"، يكسر هذه القاعدة ويجعل المنطقة ساحة لتصفية الحسابات الدولية (روسيا ضد الغرب)، وهو ما تحاول الجزائر تجنبه عبر التمسك بمبدأ "عدم االنحياز" النشط . يمثل التواجد الروس ي في الساحل سالحا ذا حدين بالنسبة للجزائر، فبينما يوفر ثقال موازنا للنفوذ الغربي، فإنه يقوض الدور التقليدي للجزائر كصانع سالم إقليمي ويجلب عدم االستقرار إلى حدودها المباشرة . م ج ل ة إن نجاح المقاربة الجزائرية مستقبال يعتمد على قدرتها على إقناع موسكو بأن ا ل استقرار الساحل يمر عبر الحلول السياسية والتنمية االقتصادية (مثل م شروع TSGP) ح ق و وليس فقط عبر الفوهات العسكرية وستبقى الجزائر مضطرة للسير على حبل مشدود، ق و ا ل موازنة بين حاجتها لروسيا كحليف استراتيجي وضرورة حماية أمنها القومي من تداعيات ح ر "المغامرات" العسكرية غير المحسوبة في الساحل . ي ا ت 127
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية
تجد الجزائر نفسها اليوم أمام واقع جيوسياس ي بالغ التعقيد في منطقة الساحل، حيث تتداخل تداعيات االنسحاب العسكري الفرنس ي مع تنامي النفوذ الروس ي، مما يفرض على الدبلوماسية الجزائرية إدارة "سيولة أمنية" تهدد عمقها االستراتيجي. ّ ً ً فبينما خلف االنسحاب الفرنس ي فراغا أمنيا قوض استقرار الجوار المباشر، جاء التمدد الروس ي -عبر أنماط عسكرية مثيرة للجدل ك"الفيلق الأفريقي"- ليصطدم بالعقيدة الأمنية الجزائرية التي تفضل المقاربات التنم وية والحلول السياسية على حساب "عسكرة" المنطقة . وقد أدى هذا التباين في الرؤى إلى توترات في العالقات بين الجزائر وبعض دول الساحل، وتجلى ذلك بوضوح في تحلل السلطة االنتقالية في مالي من "اتفاقيات السلم والمصالحة" (2015) برعاية جزائرية، وتوجهها نحو بدائل عسكرية دولية، مما مثل ضربة للريادة الإقليمية الجزائرية التي لطاملا اعتمدت على "الصمت االستراتيجي" والوساطة ً الهادئة. وبناء عليه، تعيش الجزائر حالة من الضبط الدقيق؛ فهي من جهة تسعى للحفاظ على عالقات استراتيجية مع موسكو، ومن جهة أخرى ترفض االنجرار إلى سياسات "تعهيد ً الأمن" للمرتزقة، متمسكة بضرورة الحلول الوطنية كضمانة وحيدة لالستقرار. وهكذا، يظل التحدي الراهن أمام صانع القرار في الجزائر هو كيفية التحصين ضد تداعيات صراع القوى الدولية في جواره المباشر، دون التخلي عن ثوابت السيادة الوطنية أو االنزالق إلى مستنقع التدخل العسكري المباشر في منطقة أصبحت تمثل تهديد ا لألمن القومي الجزائري . 128
واالستراتيجية . تستند االستراتيجية الفرنسية في منطقة الساحل الإفريقي إلى موروث استعماري عميق رسخ التبعية الهيكلية لد ول المنطقة، حيث دأبت باريس منذ مرحلة ما بعد بخن معد للاخ نم ةيجيتارتسلااو ةيداصتقلاا اهحلاصم نيمأت ىلع للاقتسلاا سياسية وعسكرية موالية . ً ً ً ً ً وقد اتخذ هذا الحضور طابعا عسكريا متواترا، تجسد في نحو أربعين تدخال عسكريا منذ الستينيات، وتطور إلى استراتيجية أمنية راهنة تقوم على نشر اآلالف من القوات وتأطير الجيوش المحلية عبر اتفاقيات التدريب والتعاون التقني؛ وذلك ملواجهة التهديدات الإرهابية والحفاظ على نفوذها في ف ضاء حيوي تواجه فيه تحديات متصاعدة. وفي هذا الإطار، تسعى السياسة الفرنسية في جوهرها إلى تحقيق هدفين رئيسيي ن:1 م ج ل - تجهيز الجيوش الوطنية وتأهيلها ملواجهة التحديات الأمنية وتحقيق االستقرار في ة ا ل ح بلدانها وحماية أراضيها وسيادتها . ق و ق - ضمان استمرار سيطرة فرنسا على مستعمراتها السابقة، بما يحافظ على تبعيتها و ا السياسية واألمنية واالقتصادية. ل ح ر كما أقامت فرنسا قواعد عسكرية في عدد من الدول، منها قاعدة عسكرية في جيبوتي ي ا ت تعد نقطة انطالق لوجودها العسكري في المنطقة، باإلضافة إلى قاعدة في أبيدجان بساحل العاج. وقد تدخلت فرنسا عسكريا بشكل مباشر في مالي، خاصة بعد تدخلها العسكري في ليبيا عقب ثورة 2011 بمشاركة حلفائها في حلف شمال الأطلس ي، وهو ما
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية أدى إلى عودة آالف المقاتلين الطوارق الذين كانوا ضمن قوات القذافي إلى بلدانهم، خاصة مالي، وهم يحملون أسلحة متنوعة. في تلك الفترة، شهدت مالي أزمة داخلية عام 2012 نتيجة تمرد الطوارق بقيادة الحركة الوطنية لتحرير أزواد، بدعم من تنظيمات جهادية نشطة في المنطقة، وتمكنت من السيطرة على مناطق واسعة في شمال البالد. دفع هذا الحكومة المالية إلى طلب مساعدة عسكرية من فرنسا، وهو ما تحقق بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2085الستعادة الأمن واالستقرار في مالي ومكافحة الإرهاب. استندت فرنسا إلى هذا القرار لتبرير تدخلها العسكري استجابة لطلب الحكومة المالية، معتبرة أن تدخلها يندرج في إطار الحرب على الإرهاب وليس تدخال في الشؤون الداخلية للبالد. وبناء على ذلك، تدخلت فرنسا عسكريا في مالي ضمن عملية سرفال (2014-2013)، ثم وسعت تدخلها ليشمل دوال أخرى في المنطقة من خالل عملية برخان (-2014 2022)، بهدف فرض السيطرة الأمنية وبسط سلطة الدول على أراضيها في مواجهة تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية التي تهدد أمن السكان والمصالح الفرنسية على حد سواء، وعلى رأسها تنظيم القاعدة في بالد المغرب الإسالمي وجماعة بوكو حرام . أما على المستوى االقتصادي، فال يمكن اغفال المصالح االقتصادية في السياسة الفرنسية تجاه الساحل. فمن خالل تدخلها في المنطقة، تسعى فرنسا إلى حماية استثماراتها القائمة، وتأمين وصول شركاتها إلى الموارد الطبيعية، وضمان أسواق خارجية ملنتجاته ا من خالل حماية مصالحها الأمنية واالقتصادية، بحيث تحاول ف رنسا تعزيز مكانتها في النظام - قرار مجلس الأمن التابع لألمم المتحدة رقم 2085، المتخذ باإلجماع في 20 ديسمبر 2012، أذن بنشر بعثة الدعم الدولية الأفريقية إلى مالي. أشار القرار إلى القرارات السابقة المتعلقة بالنزاع في شمال مالي، بما في ذلك القراران 2056 و2071 في الإذن باتخاذ إجراء. 130
الدولي باعتباره هدفا استراتيجيا تسعى إلى تحقيقه، إال أنها واجهت تحديات عدة نتيجة إخفاق سياستها الأمنية والعسكرية في تحقيق االستقرار وإرضاء الدول المعنية .
لم تكن فرنسا للتخلى بكل بساطة على كنزها االفريقي، بل انزلقت نحو هذا االنسحاب مرغمة، بدأ المشهد بانقالب مالي الأول في أوت 2020، حين أطاح العقيد عاصمي غويتا بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، ثم تكرر الأمر في جانفي 2022 حين دفعت قوات مالية القوات الفرنسية من قاعدتها في تمبكتو، وبلغ ذروته في فيفري 2022 حين طلبت مالي رسميا انسحاب العملية الفرنسية برخان من أراضيها. ليأتي في الرئيس الفرنس ي إيمانويل ماكرون ويعلن سحب القوات العسكرية الفرنسية من مالي بعد تسع سنوات من التدخل العسكري في المنطقة يوم 17 فيفري .2022 وقد جاء هذا االنسحاب بعد الفشل في تحقيق الأمن واالستقرار، وأحد الأسباب الرئيسية ملراجعة االستراتيجية الفرنسية خاصة فيما يتعلق بعملية برخان التي لم تحقق م ج ل الأهداف المرجوة منها. فبدال من تحسين الوضع الأمني، شهدت العملية زيادة في الخسائر ة ا ل ح وتصاعدا في التمرد وتراجعا في الدعم الشعبي لها على المستويين المحلي والفرنس ي . ق و ق وما أن كسر هذا الجدار حتى تهاوت الحصون الأخرى، ففي جانفي 2023 منحت و ا بوركينا فاسو القوات الفرنسية مهلة شهرا واحدا للرحيل، وفي ديسمبر 2023 أعلن اكتمال ل ح ر انسحاب القوات الفرنسية من النيجر في أعقاب انقالب جويلية .2023 1 ي ا ت 1 - محفوظ ولد السالك، استراتيجية االنسحاب والطرد في دول الساحل: سيادة معلقة بين التحرر والتبعية، مركز الجزيرة للدراسات، 2025، ص 03 . 131
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية تزام ن هذا االنسحاب العسكري مع تراجع واضح في شبكة النفوذ السياس ي الفرنس ي في المنطقة. فقد شهدت مجموعة الساحل الخمس1 )Sahel G5( تفككا فعليا عقب انسحاب كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو منها في ديسمبر .2023 كما جرى إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لتحقيق اال ستقرار في مالي ، بناء على طلب صريح من الحكومة المالية . وفي سياق إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، أعلن في سبتمبر 2023 عن تأسيس تحالف دول الساح ل )AES( كإطار بديل يضم المجالس العسكرية الحاكمة في الدول الثالث، ضمن تكتل يتبنى خطابا سياديا واضحا يعارض الوجود الفرنس ي، بل ويبدي تحفظا واسعا تجاه الحضور الغربي عموما في المنطقة. وفي جانفي 2024، أعلنت هذه الدول أيضا انسحابها من المجموعة االقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وهو ما مثل خطوة حاسمة أنهت آخر الروابط المؤسسية التي كانت تربطها بالمنظومة الإقليمية المرتبطة تقليديا بالنفوذ الفرنس ي والغربي. كما دخلت المبادالت التجارية بين مالي وفرنسا مرحلة من التذبذب واالنخفاض. وتشير بيانات مديرية الجمارك الفرنسية إلى أن حجم التبادل التجاري تراجع بنح و 6.7 %
ليبلغ حوالي 340 مليون يورو عام 2023، كما اتجهت الصادرات الفرنسية إلى مالي نحو االنخفاض لتستقر عند قرابة 327 مليون يور و.1 وفي المقابل، تراجعت واردات فرنسا من مالي بشكل كبير، إذ انخفضت بنسب ة %23، خاصة في الموارد الطبيعية وعلى رأسها الذهب الذي سجل انخفاضا ملحوظا. كما شمل التراجع بعض المنتجات الزراعية والسمكية. وعلى صعيد التعاون التنموي، شهدت ب رامج التعاون بين البلدين توقفا شبه كامل بسبب توتر العالقات الدبلوماسية بين الحكومة الفرنسية والمجلس العسكري في مالي، رغم أن قيمة المساعدات الفرنسية كانت تقدر بحوالي 40 مليون يورو سنة .2021 والمفارقة أن هذا االنسحاب الفرنس ي لم يحسن الوضع الأمن ي في المنطقة بل فاقمه؛ فوفق ملؤشر الإرهاب العاملي لعام 2024، باتت مالي والنيجر وبوركينا فاسو ضمن أكثر دول العالم تضررا من الإرهاب . وكانت الحصيلة الأشد مأساوية الهجوم الكبير لتنظيم القاعدة على باماكو في م ج سبتمبر 2024، الذي كشف عن هشاشة الأمن المالي في غياب الغطاء الدولي، وبما يثبت أن ل ة ا ل المشكلة لم تكن في فرنسا بالضبط بل في منظومة التدخل الخارجي بأسرها حين تفتقر إلى ح ق و بعد تنموي حقيقي. ق و ا - يشير الواقع الأمني في المنطقة إلى انتشار الإرهاب بدال من احتوائه، مما أدى إلى ح ل ر استمرار معاناة السكان في دوامة من العنف والفقر والنزوح القسري. يمكن ا ي ت تلخيص أسباب االنسحاب الفرنس ي من منطقة الساحل الإفريقي في النقاط التالية: 1 - محمد رحالي، "تراجع النفوذ الفرنس ي في منطقة الساحل الإفريقي ..االستراتيجيات والتداعيات"، مجلة الدراسات الإيرانية دراسات وأبحاث علمية متخصصة مجلة علمية نصف سنوية محكمة تصدر باللغتين العربية واإلنجليزية، العدد 22، 2025، ص 113 . 133
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية - تزايد الرفض الشعبي للوجود الفرنس ي: في دول الساحل، نتيجة عدم وفاء فرنسا بوعودها بدعم القوات المحلية في مكافحة الإرهاب وتحقيق الأمن. - الضغوط الداخلية في فرنسا: حيث أبدى الرأي العام استياءه من التدخل العسكري في المنطقة، مطالبا الحكومة بالتركيز على إصالح الأوضاع الداخلية وتجنب الخسائر البشرية والمادية1. - الإطاحة بالنخب الموالية لفرنسا: في مالي والنيجر وبوركينا فاسو عبر سلسلة من االنقالبات العسكرية، وصعود نخب عسكرية ال تتحالف مع فرنسا إلى السلطة. - غياب البعد التنموي في االستراتيجية الفرنسية: وتركيزها على الجانب الأمني فقط، رغم أن الأزمة في دول الساحل متعددة الأبعاد وال تقتصر على التهديدات الأمنية. - الحمالت الإعالمية الروسية: التي قادتها روسيا عبر وسائل التواصل االجتماعي، والتي استهدفت شعوب دول الساحل وأسهمت في تأجيج الرفض الشعبي للوجود الفرنس ي . - تعقيد الوضع الأمني في دول الساحل: على مختلف المستويات، سواء في مجال الحكم الذي يتسم بضعف الديمقراطية وانتشار الفساد واالنقالبات العسكرية، أو على المستوى العسكري نتيجة ضعف السيطرة الأمنية على المناطق المختلفة، وهو ما استغلته التنظيمات الإرهابية لتنفيذ عملياتها . 1 - محمد رحالي، مرجع سابق، ص 115 . 134
التحوالت الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الساحل الإفريقي، ال سيما في ظل تراجع النفوذ الفرنس ي والتوغل الروس ي. وقد أثبتت الدراسة أن الجزائر ال تنتهج سياسة "الرفض أو القبول" المطلقة، بل تتبنى استراتيجية "توازن استراتيجي" مرنة تحاول من خاللها الموازنة بين ثوابت دبلوماسيتها القائمة على عدم التدخل، وضرورات حماية أمنها القومي في فضاء يمثل منبع التهديدات الأمنية . أهم النتائج المتوصل إليها: - تآكل آليات الوساطة التقليدية: أدى دخول فاعلين دوليين جدد (مثل روسيا) واستبدال المقاربة التنموية بالحلول العسكرية (المرتزقة)، إلى إضعاف الزخم الذي كانت تتمتع به الوساطة الجزائرية، وتجلى ذلك في تنصل بعض دول الساحل من االلتزامات الدولية (مثل "اتفاقات الجزائر 2015)". م ج ّ ل ة - ثقل الأعباء الأمنية: أدى الفراغ الأمني الذي خلفه االنسحاب الفرنس ي، ا ل ح وتصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية، إلى تحويل الحدود الجنوبية ق و ق ً للجزائر إلى منطقة توتر دائم، مما فرض أعباء مالية ولوجستية إضافية و ا ل على الدولة لتعزيز قدراتها الدفاعية. ح ر ي ا - فشل المقاربات الخارجية: خلصت الدراسة إلى أن السياسات الأمنية ت الأجنبية (سواء الفرنسية السابقة أو الروسية الحالية) أثبتت قصورها في تحقيق االستقرار المستدام؛ لكونها أغفلت البعد التنموي والسياس ي لألزمة . 135
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية التوصيات والمقترحات : ً بناء على ما سبق نقدم التوصيات التالية : - ضرورة تبني الجزائر استراتيجية استباقية تتجاوز "الصمت االستراتيجي" نحو "الفاعلية االستراتيجية"، وذلك عبر المقترحات التالية: - تحديث أدوات الدبلوماسية الوقائية: ضرورة االنتقال من دور "الوسيط التقليدي" إلى "الفاعل الإقليمي المبادر"، من خالل تقديم مبادرات تنم وية ُ اقتصادية ملموسة تقدم كبديل للحلول الأمنية العسكرية، لتعزيز الثقة مع شعوب وأنظمة الساحل . - استثمار "القوة الناعمة" : تكثيف التعاو ن في مجاالت التعليم، الصحة، والبنية التحتية مع دول الجوار، لخلق عمق استراتيجي يعتمد على المصالح االقتصادية المشتركة ال على التبعية الأمنية . - تطوير العقيدة الأمنية الحدودية: الرفع من كفاءة الرقابة التقنية والتكنولوجية على الحدود الجنوبية، بالتوازي مع تعزيز التنسيق ً االستخباراتي الإقليمي بعيدا عن تدخل القوى الكبرى، للحد من مخاطر انتقال التنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة . - تفعيل اآلليات الإفريقية: الضغط نحو تفعيل حقيقي ملبدأ "حلول إفريقية للمشاكل الإفريقية" من خالل مؤسسات االتحاد الإفريقي، لتقليل مساحة المناورة أمام القوى الدولية التي تسعى لتحويل الساحل إلى ساحة صراع نفوذ. إن أمن الجزائر القومي في هذه المرحلة الحساسة يتطلب رؤية متكاملة تزاوج بين الصرامة العسكرية في حماية الحدود، والمرونة الدبلوماسية في استعادة الثقة مع الجوار ً الإقليمي، بعيدا عن تجاذبات القوى الدولية . 136
قائمة المصادر والمارجع: ً أولا / قائمة المصادر أ- االتفاقيات: -1 قرار مجلس الأمن التابع لألمم المتحدة رقم 2085، المتخذ في 20 ديسمبر 2012، بشأن الإذن بنشر بعثة الدعم الدولية الأفريقية إلى مالي . ً ثانيا / قائمة المراجع أ- الكتب : -1 خرمازة، عبد الرحمن، التوترات الجزائرية المالية: تحليل مقاربات نظرية وتحوالت استراتيجية في الأمن الإقليم ي، (د.ط)، دار النشر غير مذكورة، الجزائر، .2025 -2 فاروق، عالء، ليبيا بعد الصخيرات وأبعاد الدور المصري ، (د.ط)، المعهد المصري للدراسات والسياسة االستراتيجية، القاهرة، 2016 . ب- الرسائل الجامعية: -1 المنصوري، علياء محمد عبد الجواد، تأثير الأزمة الليبية على الأمن القومي لدول شمال أفريقيا، الجزائر أنموذجا (2021-2011)، مذكرة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، الأردن، .2021 م ج ل -2 مصمودي، إسالم أمين، التدخل الأوروبي في الأزمة الليبية وتأثيره على الأمن القومي الجزائري ، ة ا ل أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية والعالقات الدولية، جامعة الجزائر 3، الجزائر، 2023 . ح ق و ج- المقا الت في المجالت: ق -1 الراجحي، ميهوب، "من تسليح حفتر إلى إرشاء مبعوث أممي... تخبط إماراتي في ليبيا"، مجلة ميم، و ا ل ح طرابلس، العدد 01، 2017، ص 03 . ر ي -2 رحالي، محمد، "تراجع النفوذ الفرنس ي في منطقة الساحل الإفريقي.. االستراتيجيات والتداعيات"، ت ا مجلة الدراسات الإيرانية، إي ران، العدد 22، 2025، ص ص 115-113 . -3 عيدة، قريد، "التدخل الروس ي في ليبيا"، مجلة المفكر، جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، المجلد 18، العدد 01، 2023، ص 297 . -4 خلف هللا، فوزي، ورياحي، الطاهر، "الوضع القانوني لشركة فاغنر في النزاع المالي على ضوء قواعد القانون الدولي"، مجلة أبحاث قانونية وسياسية، جامعة الجلفة، الجزائر، المجلد 07، العدد 02، 2022، ص ص 334-330 . 137
والمقتضيات الجيو-أمنية الإقليمية -5 لعساوي، كريمة، "دور الشركات الأمنية العسكرية الروسية الخاصة "فاغنر" في إفريقيا: نموذج ليبيا"، المجلة الجزائرية للدراسات السياسية، جامعة الجزائر 3، الجزائر، المجلد 09، العدد 01، 2022، ص ص 378-364 . د- المقاالت على مواقع الإنترنت: -1 جريدة الجنوب الكبير، "عدد 531"، 01 أوت 2024، تاريخ االطالع: 21 أفريل 2026 . -2 ولد السالك، محفوظ، "استراتيجية االنسحاب والطرد في دول الساحل: سيادة معلقة بين التحرر